بقلم مريم التبّاسي
إنّ التدفّق الهائل، الكمي والنوعي، للشابات التونسيات نحو مدرجات الجامعة، واللواتي يمثلن اليوم قرابة 70% من إجمالي خريجي التعليم العالي وفقاً لمؤشرات المعهد الوطني للإحصاء، لا يعكس مساراً حقيقياً للانعتاق بقدر ما يكشف عن تناقض داخل الدولة والاقتصاد التونسيين. فالجامعة، التي يفترض أن تكون آلية للارتقاء الاجتماعي، إلى جانب توفير الكفاءات الضرورية للارتقاء بالبلاد في كافة المجالات، تحولت في جانب كبير منها إلى فضاء لتأجيل أزمة البطالة بسبب نمط الإنتاج النيوكولونيالي القائم على التبعية وتدمير القوى المنتجة المحلية ونهب ثروات الوطن وهو ما يجعله عاجزا عن استيعاب الكفاءات التي تنتجها المدارس والجامعات. فبمجرد مغادرة أسوار الجامعة، تصطدم آلاف الخريجات بسوق شغل هش تهيمن عليه الخدمات والمناولة والوظائف محدودة القيمة المضافة. وهكذا تُجرّد الشهادة العلمية من قيمتها التحررية فتتحول إلى انتظار طويل للعمل أو إلى قبول بوظائف لا تتناسب مع التكوين. فالمرأة الجامعية لا تجد نفسها بالضرورة جزءاً من قوة إنتاجية مستثمرة، بل كثيراً ما تتحول إلى جزء من كتلة بشرية مؤهلة ومعطلة عن الإنتاج.
أولاً: البطالة و ضغط الأجور
تتجلى الأزمة بوضوح في مؤشرات البطالة. إذ تبلغ نسبة البطالة بين حاملات الشهادات العليا من الإناث قرابة 32%، مقابل 14.2% لدى الذكور. ولا يمكن فهم هذا التفاوت فقط باعتباره خللاً في المهارات بل يجب ربطه ببنية سوق الشغل التي تسمح بوجود فائض كبير من قوة العمل المؤهلة. إن إبقاء كتلة واسعة من الطاقات النسائية المتعلمة خارج الدورة الاقتصادية يمنح أرباب العمل قدرة أكبر على فرض شروط تشغيل هشة وأجور ضعيفة. وتزداد هذه الوضعية تعقيداً بسبب الضغوط الاجتماعية التي قد تدفع المرأة إلى قبول وظيفة مؤقتة أو راتب منخفض تجنباً للتبعية الاقتصادية للعائلة أو الزوج. وهكذا يصبح فائض قوة العمل النسائية عاملاً يضغط على قيمة العمل بصفة عامة، بينما تتحمل النساء الجزء الأكبر من كلفة البطالة والتهميش.
ثانياً: الاختصاصات الأكثر تضرراً
تكشف المؤشرات المتعلقة بالاختصاصات الجامعية عن تفاوتات حادة بين النساء والرجال. ففي تكنولوجيا المعلومات والاتصال تبلغ البطالة 31.2% لدى الإناث مقابل 12.8% لدى الذكور. ويطرح هذا الفارق سؤالاً حول قدرة الاقتصاد التونسي المتخلّف والمطبوع بعقلية ذكورية على استيعاب الكفاءات التقنية النسائية، في وقت تجد فيه نسبة من الخريجات أنفسهن في قطاعات خدمية هشة مثل مراكز النداء. أما في العلوم الإنسانية والاجتماعية واللغات فتبلغ البطالة 27.8% لدى الإناث مقابل 10.8% للذكور. وتكشف هذه الأرقام عن ضعف العلاقة بين منظومة التوجيه الجامعي وحاجيات الاقتصاد التابع والمفكّك، إذ يستمر إنتاج أعداد كبيرة من الخريجين في اختصاصات لا تقابلها فرص تشغيل كافية. وفي العلوم الصحية وشبه الطبية تصل البطالة لدى الخريجات إلى 26.5% مقابل 8.7% للذكور، بما يعكس أزمة الانتداب وتجميد فرص التشغيل، خاصة في ظل ضعف قدرة القطاع الخاص على استيعاب جميع الكفاءات علاوة على نزوع هذا القطاع إلى البحث عن عمالة محدودة الكفاءة لمنحها أجورا بخسة. أما اختصاصات الاقتصاد والتصرف والحقوق فتتراوح نسب البطالة العامة فيها بين 25% و28%، وهو ما يرتبط بدوره بركود الاقتصاد وعجزه عن خلق وظائف ذات قيمة مضافة عالية.
ثالثاً: الجامعة آلية لتأجيل الأزمة
تكشف سياسات التعليم العالي والتوجيه الجامعي عن غياب تخطيط متكامل يربط التكوين بتطوير القوى المنتجة. فالدولة تستقبل أعداداً كبيرة من الشباب داخل الجامعة، لكنها لا توفر بعد التخرج العدد نفسه من فرص الإدماج. وبذلك تتحول سنوات الدراسة، في جانب منها، إلى وسيلة لتأجيل مواجهة البطالة لعدة سنوات. وبعد التخرج تنتقل الخريجة من فضاء الجامعة إلى فضاء الانتظار، ثم إلى سوق شغل لا يضمن بالضرورة وظيفة تتناسب مع تكوينها. ومن هنا فإن اختزال الأزمة في «عدم ملاءمة التكوين لسوق الشغل» يبقى ناقصاً. فالسؤال الأساسي هو: أي اقتصاد نريد، وأي سوق شغل قادر على استيعاب الكفاءات التي تنتجها الجامعة؟
رابعاً: نظام «إمد» وتفتيت المسار الجامعي
اعتمدت الجامعة التونسية نظام إمد منذ إصلاحات سنة 2006، في إطار إعادة تنظيم التعليم العالي حول الإجازة والماجستير والدكتوراه والأرصدة والسداسيات. وقد قُدم النظام باعتباره وسيلة لتطوير التكوين وربط الجامعة بسوق الشغل، لكن التجربة تطرح سؤالاً أساسياً: هل يمكن إصلاح قابلية التشغيل من خلال إصلاح بيداغوجي فقط، في حين يظل الاقتصاد عاجزاً عن خلق الوظائف ذات القيمة المضافة؟ فقد عوضت الأستاذية التاريخية الممتدة على 4 سنوات بمسار إجازة يمتد على 3 سنوات، بينما أصبحت بعض المسارات التقنية والهندسية والمدارس العليا والمعاهد التكنولوجية تمتد إلى 5 سنوات. تكمن المشكلة هنا في تحويل إصلاح التعليم إلى بديل عن إصلاح الاقتصاد. فلا يمكن لشهادة جامعيّة أقصر أو أكثر مرونة أن تحلّ مشكلة اقتصاد، تابع ومفكّك ومتخلّف لا يخلق العدد الكافي من الوظائف التي تستثمر الكفاءات.
خامساً: البطالة الطويلة وتبديد الكفاءات
أمام انسداد آفاق التشغيل، تجد الخريجات أنفسهن بين البطالة والعمل الهش. وتشير دراسات الإدماج المهني الواردة في هذا السياق إلى أن 24% من حاملي الشهادات يدخلون في مسار بطالة خطي مستمر يتجاوز 5سنوات من تاريخ التخرج دون الحصول على فرصة عمل أولى في القطاع المنظم، مع تضاعف النسبة لدى الإناث. كما أن البطالة طويلة الأمد قد تتجاوز في حالات عديدة 10 سنوات، وهو ما جعل قضية «من طالت بطالتهم» تتحول إلى أحد أبرز الملفات الاجتماعية. وتظهر نتيجة ذلك في انتقال كفاءات جامعية إلى مهن لا علاقة لها بتكوينها: مراكز النداء، التدريس المؤقت، التجارة الموازية، الأعمال الفلاحية أو غيرها من الوظائف الهشة. وهنا لا تخسر الخريجة فرصة العمل فقط، بل تتعرض كفاءتها نفسها للتآكل. فسنوات البطالة والعمل خارج الاختصاص تؤدي إلى ما يمكن تسميته تبخر التراكم المعرفي، وتحول الشهادة من قوة منتجة إلى مجرد وثيقة لا تجد مجالاً لتطبيقها.
سادساً: الإنهاك المزدوج للمرأة العاملة
لا تنتهي الأزمة بالنسبة إلى المرأة التي تحصل على وظيفة. ففي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، تضطر بعض الموظفات إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، مثل الدروس الخصوصية أو الأعمال المنزلية أو الصناعات الصغيرة أو التجارة الإلكترونية. ويضاف إلى العمل المأجور عمل منزلي ورعائي غير مدفوع الأجر، بما يضع المرأة أمام إنهاك مزدوج يستنزف وقتها وطاقتها. ولا يقتصر أثر ذلك على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى المشاركة الاجتماعية والنقابية والسياسية. فحين يصبح معظم الوقت والطاقة مخصصاً لتأمين شروط العيش، يتقلص المجال المتاح للفعل الجماعي والسياسي والمطالبة بالحقوق
سابعاً: القانون عدد 18 لسنة 2025 وهندسة الانتداب
يمثل القانون عدد 18 لسنة 2025، الصادر بالرائد الرسمي في 23 ديسمبر 2025 والمتعلق بأحكام استثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم في القطاع العام والوظيفة العمومية، أحدث محاولة تشريعية لمعالجة جزء من أزمة أصحاب الشهادات المعطلين. وينص الفصل الثاني على إرساء ترتيب تفاضلي عبر منصة رقمية تحت إشراف وزارة التشغيل والتكوين المهني، وفق مجموعة من المعايير، من بينها الأولوية لمن تجاوز 40 سنة، ومن تجاوزت سنة تخرجه 10 سنوات، إضافة إلى معيار يتعلق بوجود فرد واحد من كل عائلة.كما يرتبط الانتداب بآلية تدريجية لا تتجاوز 5000 معطل في كل دفعة ضمن سقف زمني يمتد إلى 3 سنوات. وتطرح هذه المعايير إشكالاً أساسياً: هل تكفي آلية الترتيب والانتداب التدريجي لمعالجة أزمة بنيوية تراكمت على مدى سنوات؟ كما يضع القانون شروطاً تتعلق بعدم الانخراط بصفة مسترسلة في منظومة التقاعد والحيطة الاجتماعية CNRPS/CNSS، وعدم التمتع بمعرف جبائي «باتيندا» خلال السنة السابقة، وعدم الحصول على قرض يتجاوز 40 ألف دينار. وهذه الشروط تطرح مفارقة اجتماعية، إذ يمكن أن تجد الخريجة التي حاولت خلال سنوات البطالة فتح مشروع صغير أو قبول عمل مؤقت نفسها في وضعية تجعلها أقل استفادة من آليات الانتداب الاستثنائي.
ثامناً: “الدولة الاجتماعية “وتأخير التنفيذ
لا تتوقف الأزمة عند صدور القانون، بل ترتبط أيضاً بمدى سرعة تفعيله وإصدار أوامره الترتيبية وإطلاق آلياته العملية. فالتأخير في التنفيذ يحول القانون من أداة مباشرة للإدماج إلى وعد مؤجل بالنسبة إلى آلاف المعطلين. وقد ساهمت هذه الوضعية في استمرار التحركات الاحتجاجية التي يخوضها أصحاب الشهادات المعطلون عن العمل، وفي تصاعد الضغط الاجتماعي من أجل تحويل النصوص القانونية إلى انتدابات فعلية. إن الدولة الاجتماعية تُقاس بقدرتها على ضمان تنفيذها وتحويلها إلى حقوق ملموسة، وليس بالشعارات الشعبوية التي ترفع للمغالطة.
إن أزمة أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل في تونس، وخاصة النساء، ليست مجرد أزمة مناهج جامعية أو خلل في التوجيه. إنها تعبير عن أزمة أوسع تتمثل في عدم قدرة نمط الإنتاج السائد، الرأسمالي التبعي المتخلف والريعي على خلق فرص عمل لائقة واستيعاب الطاقات العلمية التي ينتجها المجتمع. لذلك فإن الحل لا يمكن أن يقتصر على تغيير البرامج الجامعية أو إنشاء منصات رقمية أو تنظيم انتدابات استثنائية. المطلوب هو إرساء اقتصاد جديد على أسس جديدة، وطنية وشعبية موجهة إلى تثوير قوى الإنتاج وإلى ربط التعليم العالي بالبحث العلمي والإنتاج والصناعة والفلاحة والتكنولوجيا والخدمات ذات القيمة المضافة.
إن تحرير الطاقات النسائية الأكاديمية يمر عبر الاعتراف بالتعليم كاستثمار اجتماعي، والعمل كحق أساسي، والكفاءة النسائية كجزء أساسي من قوة المجتمع الإنتاجية. فالمعركة ضد بطالة صاحبات الشهادات ليست معركة من أجل وظيفة فردية وإنما معركة من أجل حق جيل كامل في أن تتحول سنوات الدراسة والمعرفة إلى استقلال اقتصادي وكرامة اجتماعية ومشاركة فعلية في النهوض بالبلاد والمجتمع وهو ما لا يتحقّق إلّا بالنضال وبربط المطالب الآنية بتغيير ثوري وجذري للمجتمع اكنس نظام الطبقات الرجعية التي تحكم على شبابنا وشاباتنا بالفقر والبؤس وعلى وطننا بالتخلف.
—
ملاحظة اعتمدنا في هذا المقال معطيات نشرها المعهد الوطني للإحصاء وأخرى نشرها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
