الرئيسية / صوت المرأة / رغم المآسي، المرأة الفلسطينية تخطّ صمودا أسطوريا وتقود نضالات لا تتوقف
رغم المآسي، المرأة الفلسطينية تخطّ صمودا أسطوريا وتقود نضالات لا تتوقف

رغم المآسي، المرأة الفلسطينية تخطّ صمودا أسطوريا وتقود نضالات لا تتوقف

بقلم فضيلة محمد

تعيش المرأة الفلسطينية اليوم واقعا مثخنا بالأوجاع والآلام، المعاناة ليلا نهارا، والكوارث التي لا تتوقّف، والمآسي المتزايدة. ومع ذلك فهي لا تأبى إلاّ أن تسطّر-بالموازاة مع هذا الضيم- صمودا أسطوريا وتقود نضالات يومية وتخوض المواجهات بشجاعة لا توصف ضدّ الكيان النازي، وهي بذلك تثبت قوة رهيبة على تحدي غطرسة هذا الكيان السرطاني المسنود بأعتى وأبشع الامبرياليات في العالم.

إنّ المرأة الفلسطينية هي عنوان صمود الشعب الفلسطيني وأساس تماسك مجتمعه بل هي القوة الداعمة لمواجهة العدو والركيزة المتينة المعتمد عليها والسند الذي يدعم المقاومة ويحيي الأمل بالنصر رغم عدم التكافؤ العسكري مع عصابات الاحتلال. فالمرأة الفلسطينية ظلت ماضيا وحاضرا تدفع ضريبة التصدي والتحدّي مضاعفة خاصة في الأزمات وأثناء الحروب.

النساء تتصدرن قائمة الشهداء

تعيش فلسطين عموما وغزة كوارث إنسانية غاية في القسوة سواء تحت الحصار الذي يستمر منذ عقود أو في مواجهة حرب الإبادة الأخيرة. لقد تسبب العدوان الغاشم الممتد من أكتوبر2023 إلى أكتوبر 2025 إلى فقدان حوالي 38000 امرأة و فتاة حسب البيانات الصادرة عن وزارة شؤون المرأة بفلسطين وإصابة 11000 بإعاقات عميقة تستدعي متابعة صحية ونفسية غورية بتكاليف باهظة. وفقدت أكثر من 22 ألف سيدة فلسطينية أزواجهن شهداء، ليصبحن أرامل بلا معيل، كما أن حوالي الخمس (1/5) يتحمّلن بمفردهن أعباء البحث عن لقمة العيش ورعاية الأطفال والمسنّين ويتكبّدن أعباء النزوح والنزوح المتكرر والعيش في خيام تفتقر إلى أدنى مقوّمات الحياة وأبسط ضمانات الكرامة. أمّا من حيث الرعاية الصحية فالحوامل والأمهات يواجهن مخاطر جمة، منهنّ من فقدن الحياة لعدم توفر الوسائل العلاجية والمستلزمات الطبية وخاصة أثناء عملية الولادة، وفي أعقاب عمليات الإجهاض اللاإرادي والناتج عن حالات الرعب والصدمات، ومنهن من تأخذهن يد المنون بسبب المجاعة وسوء التغذية والأمراض وانتشار الأوبئة. إنّ الاحتلال ينتهك حقوق وحريات الفلسطينيات في غزة والضفة، بل يسلبهن حق الحياة بغية إنهاء الإنسان الفلسطيني ككائن وكهوية وحضارة وكوجود أصلا. فقد شكلت النساء والأطفال أعلى نسبة في عدد الشهداء الذين أبيدوا ومازالوا إلى الآن تحت القصف المدفعي والغارات الجوية والقنص الناري وبالأسلحة البيولوجية والكيمياوية وغيرها. ومن لم يطلهن غدر المدافع والصواريخ والرصاص يزجّ بهنّ في السجون والمعتقلات وفي أماكن احتجاز لا تليق حتى بالحيوانات، حيث يقع تعذيبهن جسديا وتدميرهنّ نفسيا، كما يقع تهديدهن ومقايضتهن بحياة أطفالهن وعائلاتهن. وقد تعرضت العديد منهن إلى الاغتصاب والاعتداءات الجنسية المتكررة وهو ما تؤكده يوميا التقارير الفلسطينية والدولية الخاصة بأوضاع الأسرى الذين يتعرضون لأبشع أشكال الاضطهاد خاصة منذ 7 أكتوبر 2023.

إصرار على البقاء والاستمرار في حالة صمود

في القدس، وفي المنطقة المصنفة “ج” تعاني النساء مرارة التهجير القسري وهدم بيوتهن وسرقة أمتعتهنّ والتضييق عليهن اقتصاديا واجتماعيا بفرض قيود على حركتهن وتنقلهنّ وهو ما أثّر على إيجاد فرص عمل وعلى الوصول إلى الخدمات الضرورية، كما أنّ تدمير البنية التحتية خلال العدوان تسبب بارتفاع نسب الفقر والبطالة وأثّر على استقرار الأسر والعائلات وشلّ قدرة النساء على ممارسة أدوارهن داخل المجتمع وهي أساليب أمعن الاحتلال في التعاطي بها لترحيلهن من أراضيهن وتشتيتهن في أنحاء المعمورة.

لقد كشفت التقارير والأرقام لسنة 2026 حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أكبر مأساة إنسانية وانتهاكات صارخة ضد الفلسطينيين عامة وضد النساء خاصة، والعجيب والرائع أنّ الفلسطينيات الحرائر أصرين على البقاء والاستمرار في حالة صمود أسطوري، محاولات التكيف مع الأوضاع المستجدة والعسيرة، لحماية وإعالة أسرهن وذلك بالانخراط في الاقتصاد المنزلي والمشاريع الصغيرة كسبيل للنجاة والمساهمة في العمل الوطني وبالمزيد من النضال لتثبيت الصمود وحفظ الذاكرة ونشر الرواية النضالية والمحافظة على التراث، فالمنظمات النسوية الفلسطينية تواصل نشاطها وتعمل جاهدة على توعية الفلسطينيات ورفع معنوياتهن وتعزيز صمودهن وتصديهن لمشاريع التهجير والاستيطان. ولا يفوتنا أنّ المرأة الفلسطينية إلى جانب وطأة ظلم الاحتلال وقهره، لا تزال تواجه تحديّات مجتمعية متأتّية من موروث التقاليد البائدة ومن ثقافة التمييز القائم على النوع الاجتماعي وهو ما يتطلّب جهودا متواصلة للتصدي لهذه الأفكار الرجعية وللتمكن من حقوقها الإنسانية والقانونية بما أنها حاضرة ومتواجدة تاريخيا في قلب رحى العمل النضالي الوطني والاجتماعي، كما أنّ لها أدوارا هامة في الفعل السياسي وقدّمت تضحيات في ساحات المواجهة مع العدو إلى جانب عطائها اللامحدود داخل الأسرة وفي الميدان الاجتماعي، حيث خلقت مبادرات مجتمعية وإنسانية داخل مراكز النزوح (إنشاء عيادات داخل الخيام، تكوين أقسام تعليمية للأطفال، تشكيل تعاونيات للمد بالماء والغذاء الخ)، فهي تعيد تشكيل الواقع حسب المتوفّر لتتكّيف معه وتحوّل الأزمة إلى فعل قابل للحياة والاستمرار.

إنّ هذا العمل النسائي اليومي والبطولي لا يتناقض مع نضالها من أجل الحقوق والمساواة مع شقيقها ورفيقها الرجل، فالنضال النسائي مع النضال الوطني ضد الاحتلال لا يتعارضان، والنضال الاجتماعي مع النضال الوطني مهمّتان مترابطتان تسند كلّ منها الأخرى. إنّ تحقيق العدالة الاجتماعية وتجسيد المساواة بين المرأة والرجل والتخلص من إرث قديم ينتقص من قيمة النساء وحقوقهن وتجاوز التمييز بين الجنسين ثقافيا واقتصاديا وسياسيا كلّ ذلك يعزّز صمود الفلسطينيات خاصة بإرساء منظومة قوانين متطوّرة تخلّص المرأة من الدونية وتحميها من العنف بكلّ أشكاله وتأخذ بعين الاعتبار كلّ الانتهاكات المرصودة ضدّ النساء ومن ضمنها انتهاكات قطعان المستوطنين التي تمارس أبشع الاعتداءات على شعب فلسطين ونسائه. إنّ قدر الفلسطينيات أن يحملن قضية ثقيلة استدعت صمودا كبيرا ومتواصلا وأشكالا متنوّعة من التصدّي والتحدّي ضدّ كيان الاحتلال النازي ومن أجل العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين.

عاشت الفلسطينيات حرائر صامدات شامخات. عاشت فلسطين حرة مستقلة.

إلى الأعلى
×