بقلم سها ميعادي
لا يمكن فهم واقع المرأة الإيرانية اليوم دون النظر إلى شبكة التحديات الكبرى التي تحيط بمنطقة الشرق الأوسط بأكملها. ففي ظل الحصار الاقتصادي والمالي والأمني المشدد الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها لإخضاع البلاد، لا تقف النساء في إيران في موقع الضحية السلبية، بل يبرزن كقوة حقيقية ومؤثرة في صمود المجتمع وتحمّل أعبائه. إنّ نساء إيران يسطّرن اليوم تجربة متميزة، فهنّ يرفضن بوضوح خطط التدخل الأجنبي التي تتستّر خلف شعارات حقوقية براقة، وفي الوقت نفسه، لا يتماهين مع الخيارات البيروقراطية والمحافظة في الداخل. إنهن ينطلقن من موقف وطني تقدمي ينحاز لعامة الشعب والكادحين، إيمانا منهن بأنّ حماية استقلال البلاد وسيادتها هي الأرضية الأساسية والشرط الأول لنيل أيّ حقوق سياسية و اجتماعية أو مدنية حقيقية.
بوصلة الوعي وعقم المراهنة على الحلول الأجنبية
في الأوقات العصيبة، يقاس النضج السياسي للشعوب بمدى قدرتها على التمييز بين من يريد دعم المجتمع ومن يسعى لاستغلال أزماته لتدميره. وتثبت التجربة اليوم أنّ هناك وعيا متقدما لدى الطليعة النسائية والطلابية في إيران يرفض بوضوح محاولات التدخل الأجنبي. فالحصار المالي الشامل وحملات الضغط القصوى لا تضرّ بالسلطة الحاكمة فحسب بقدر ما تضر بلقمة عيش المواطن العادي، وتهدف أساسا إلى إضعاف المجتمع الإيراني وتحويل الوطن إلى فضاء مفتت يسهل التحكم في مقدراته ونهب ثرواته. أمّا المطالب المدنية والاجتماعية والسياسية الداخلية، فهي تمثل قضايا مجتمعية ملحة، لكن الناشطات يدركن أنّ معالجة هذه الملفات وتوسيع المكتسبات لا يمكن أن يمرّا عبر الاستقواء بالقوى الدولية التي تحاصر البلاد. فالارتماء في أحضان تلك الدوائر يعني نسف الاستقرار الاجتماعي وتدمير السقف الوطني الذي يحمي الجميع، وتحويل الحراك الاجتماعي إلى وقود لمشاريع خارجية مشبوهة. لذا، تختار النساء الصمود في خندق الدفاع عن الوطن ضد العدوان، معتبرات أنّ إنقاذ البلاد من الانهيار هو الضمانة الوحيدة المتبقية لمواصلة العمل من أجل الحقوق والحريات بأدوات شعبية وطنية ومستقلة تماما.
الاقتصاد المعيشي وسلاح الصمود اليومي
إنّ العقوبات الاقتصادية الخانقة التي تفرضها واشنطن، والتي تدفع بمعدلات التضخم والأسعار إلى مستويات قياسية، ليست مجرد قرارات سياسية جافة، بل هي سلاح مباشر يهدف إلى إرهاق الأسر الكادحة وإجبارها على الاستسلام. وفي هذه الجبهة المعيشية الشرسة، تتحمل النساء العبء الأكبر لإدارة ميزانيات البيوت وتوفير الاحتياجات الأساسية، وتحويل المعاناة إلى فعل صمود يومي منظم.
وتظهر الشهادات من الأحياء الشعبية والعمالية كيف تحولت النساء إلى خط الدفاع الأول لحماية النسيج الأسري لمجرد البقاء على قيد الحياة وتوفير البدائل بسواعدهن. هذا الصمود لم ينكفئ داخل جدران البيوت، بل امتد ليتجسد في انتشار التعاونيات النسوية المستقلة والمبادرات الجماعية في الأرياف والمناطق العمالية. ونجحت هذه الشبكات التضامنية في إنتاج وتوزيع المواد الغذائية والمنسوجات محليا، متجاوزة احتكار الأسواق والمضاربين، لتضع لبنة حقيقية في دعم الاقتصاد المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
سلاح المعرفة في مواجهة العزلة
تسعى القوى الكبرى دوما إلى فرض عزلة تكنولوجية وعلمية على دول الجنوب لتبقيها دائما في حالة تبعية واحتياج لمراكز رأس المال العالمي. وفي إيران، تحولت قاعات الجامعات ومختبرات الأبحاث إلى ساحات مواجهة حقيقية تقودها سواعد نسائية؛ حيث تشير البيانات الميدانية أنّ الإيرانيات يشكّلن النسبة الأكبر (تتجاوز النصف في كثير من التخصصات) في مجالات الهندسة والتقنيات الحيوية والعلوم الدقيقة. هذا الحضور الكثيف يمثل ردا عمليا يفشل محاولات تجهيل المجتمع وعزله. وتحت وطأة النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية المستوردة، برزت عالمات وباحثات شابات في مشاريع كبرى لتطوير وإنتاج بدائل الأدوية محليا.
إسقاط التضليل الصهيو-أمريكي ورفض تحويل حقوق المرأة إلى سلعة استعمارية
تعتمد الماكينة الدعائية للإمبريالية العالمية والبروباغندا الصهيونية على خطة خبيثة تهدف إلى تجريد نضال المرأة الإيرانية من بعده الوطني والاجتماعي، وتحويله إلى بضاعة استهلاكية تخدم حصرا مشاريع الاختراق وتفتيت الأوطان. يحاول هذا الخطاب الليبرالي المزيف فصل تحديات النساء عن معركة الصراع الطبقي، ليقدم صورة مشوهة تحصر الأزمة في القوانين المحلية فقط، بينما يتجاهل عمدا أنٌ الحصار الاقتصادي الذي يفرضه المحور الصهيو-أمريكي هو أبشع أشكال العنف والاضطهاد الموجّه ضد حياة وعافية النساء العاملات والكادحات. لكنّ الوعي الطبقي والجذري في الأوساط العمالية والطلابية يتصدى بقوة لهذا التزييف. تدرك الناشطات التقدميات في إيران المفارقة الفاضحة للعدو المشترك: فالمنظومة الرأسمالية التي تتباكى نفاقا على حقوقهن، هي نفسها التي تموّل، وتسلّح، وتحمي حرب الإبادة والمجازر اليومية التي ترتكبها الصهيونية بحق النساء والأطفال في فلسطين ولبنان بدعم مطلق من واشنطن. هذا التناقض الصارخ سحق كل أوهام الشعارات الحقوقية الغربية في وجدان الشارع، وأثبت أنّ التحرر الوطني و الاجتماعي الحقيقي لا ينفصل أبداً عن معركة التحرر والسيادة التامة. لذلك، ترفض الحركة النسوية الوطنية تلطيخ مطالبها الوطنية بأجندات الاستعمار، وتؤكد أنّ انتزاع الحقوق وتحسين الواقع المعيشي هو شأن داخلي خالص يخوضه الشغالون والفقراء بأدواتهم الشعبية المستقلة، دون السماح للمحور الصهيو-أمريكي باستخدام قضايا المرأة لضرب الوطن.
جبهة التضامن الشعبي ووحدة المصير مع حركات التحرر الإقليمي
يرتبط الفكر الوطني والتقدمي في إيران ارتباطا وثيقا بقضايا التحرر ومساندة الشعوب المستضعفة، انطلاقا من رؤية واضحة ترى في الكيان الصهيوني المخلب العسكري المتقدم والذراع الضاربة للهيمنة ورأس المال العالمي في الشرق الأوسط. وفي ظل الأزمات والاعتداءات المستمرة، يتجاوز الدور النسوي في إيران حدود الإدانة السياسية اللفظية، ليترجم ماديا وعمليّا إلى فعل تضامني تضعه النساء في خدمة قضايا المنطقة بروح كفاحية تجمع كافة الشعب الإيراني في جبهة واحدة. وقد تجسّد هذا الصمود الميداني في مبادرات شعبية لافتة رصدتها فرق الصحافة الدولية الميدانية ووكالات الأنباء العالمية والتي عاينت تدافع مئات النساء والأمهات في مراكز التجمع الكبرى مثل مصلى طهران ومسجد الإمام الخميني، للمشاركة في حملات تضامنية واسعة النطاق مثل حملة “التعاطف الذهبي”. وفي هذه الحملة، تبرعت النساء بمدخراتهن الشخصية من الحلي لصالح دعم صمود ونزوح العائلات في لبنان وقطاع غزة. إنّ الحركة النسوية التقدمية في إيران تعي جيدا وحدة الجبهات، وترى في مساندة محور المقاومة وسيلة أساسية لتقويض أدوات التمدد الاستعماري الصهيوأمريكي في المنطقة ككل.
نضال مزدوج ضد الرجعيات وإسقاط مؤامرات المحور الصهيو-أمريكي
يكشف التطور المتسارع للأحداث الراهنة في الشرق الأوسط، وتصاعد حروب الإبادة والاعتداءات الشاملة، أنّ المعركة تتجاوز جبهات القتال العسكرية لتصبح حرب استنزاف مجتمعية تسعى إلى تفكيك الأوطان. وفي هذا المنعطف التاريخي، تبرز المرأة الإيرانية كعصب الصمود والعمود الفقري في بنية محور المقاومة، حيث تخوض نضالاً مزدوجا وواعيا. فهي تقف بصلابة خط دفاع أول في وجه مؤامرات المحور الصهيو-أمريكي التي تستهدف تجويع الشعب وحصاره، وفي الوقت نفسه، تخوض نضالاً مبدئيا ضد الرجعيات المحلية والخيارات البيروقراطية المحافظة التي تحاول تقييد طاقات المجتمع أو سحق حقوق الكادحين والشغيلة.
إنّ هذا الصمود النسوي المنظم يعيد صياغة مفهوم التحرر بروح تقدمية، فالمرأة الإيرانية لا تنتظر حريتها من بوارج الاستعمار، بل تصنعها يوميا بوعيها الطبقي وإنتاجها المستقل داخل التعاونيات والمختبرات العلمية، وعليه فإنّ إسقاط مشاريع التركيع المفروضة من الخارج تصطدم بجدار كفاحي صلب وطنيا وطبقيا لانتزاع الحقوق السياسية والاجتماعية في الداخل، مما يجعل من الحركة النسوية الوطنية ركيزة استراتيجية صلبة تضمن سلامة الجبهة الداخلية، وتؤكد في الميدان أنّ وعي النساء وعملهنّ الدؤوب هو الضمانة الحقيقية لإفشال مخططات التدجين، وبناء مستقبل المنطقة بأيدي شعوبها الحرة، بعيدا عن غطرسة الهيمنة الأجنبية الصهيو-أمريكية أو قيود القوى الرجعية والمحافظة المحلية أو الإقليمية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
