الرئيسية / صوت الوطن / الأزمة السّياسية والانهيار الوشيك: أفكار للإنقاذ بقلم: حمه الهمامي

الأزمة السّياسية والانهيار الوشيك: أفكار للإنقاذ بقلم: حمه الهمامي

إن الأزمة السياسية التي تضرب بلادنا منذ أكثر من عام ماتزال مستمرة. ومن الصّعب القول إنها ستنتهي على الفور، أي في القريب العاجل. فالصّراع داخل الائتلاف الحاكم لم يشهد تطورات حاسمة في المدّة الأخيرة لفائدة هذا الطرف أو ذاك من الأطراف المتصارعة في قرطاج والقصبة رغم ما يظهر أحيانا من مؤشّرات توحي بأن الكفّة مالت أو بدأت تميل لصالح هذا الطرف أو ذاك. فكلّما سجّل طرف نقطة على حساب غريمه إلّا وردّ عليه هذا الغريم بتسجيل نقطة أو أنه برز حدث يعيد الحالة إلى ما كنت عليه من غموض، الأمر الذي يُبقي موازين القوى متعادلة نسبيّا في انتظار ما سيحصل من تقلّبات جديدة في القادم من الأيام.

ومن هنا إلى ذلك الوقت فالباجي قايد السّبسي عاجز عن كسب أغلبيّة في البرلمان يزيح بها الشاهد بل هو عاجز حتّى عن إيقاف نزيف الاستقالات داخل كتلة “النداء” لصالح غريمه. أما الشاهد فهو متمترس في مكانه مراهنا على تعمّق الخلافات داخل النداء وعلى دعم “حركة النهضة” ولكن تنتظره موجة احتجاجات اجتماعية من جهة واحتمالات غدر حركة النهضة به من جهة أخرى، قد تطيح بحساباته في الماء. وأخيرا فإن “حركة النهضة” تواصل، كالعادة، مناوراتها ربحا للوقت وابتزاز كل الأطراف المحيطة بها، فلا هي تريد قطع شعرة معاوية مع السبسي لحاجتها مرحليا لاستمرار “التوافق”، ولا هي تأتمن جانب الشاهد بالكامل لذلك هي تشترط بقاءه بالالتزام بعدم الترشح لانتخابات 2019.

هذه تقريبا الحالة داخل الائتلاف الحاكم. فالصّراع مستمرّ حول كسب المواقع استعدادا لانتخابات 2019 الرئاسية والتشريعية التي ستحدّد من سيقود التحالف الطبقي القائم. ونتيجة ذلك فالتعطّل هو السّمة البارزة في مؤسّسات الدولة التي هي محلّ صراع بين مختلف الأطراف المتناحرة على السّلطة والتي طالها بدورها فيروس الاصطفاف. فلكلٍّ ذراعه في هذا الجهاز أو ذلك. والكلّ يوظّف ما لديه من قوّة لتصفية الآخر ولو بأقذر الطرق مثل فبركة الملفات وتنظيم حملات التشويه التي تُسخّر فيها إمكانات الدولة وشراء الذمم وهو ما عفّن الحياة السياسية بشكل غير مسبوق. أضف إلى ذلك كلّه الحضور الأجنبي في هذه الصراعات، فمختلف الأطراف وعلى رأسها الشاهد تتنافس على تقديم الولاء للعواصم الغربية وللمؤسسات المالية الدولية منتهِكة أبسط قواعد سيادة البلاد الأمر الذي جعل سفارات تلك البلدان لا تتحرّج من التدخّل المباشر والسّافر في الشأن الوطني.

وفي نفس الوقت فإن الأزمة الاقتصادية والمالية تستفحل. فكلّ المؤشرات في مختلف المجالات تفنّد مزاعم الشاهد حول تحسّن الحالة الاقتصادية والمالية للبلاد وتؤكّد فشل حكومته الذريع. وهو فشل ينعكس بشكل خطير على المستوى الاجتماعي: تفاقم البطالة والتهميش والبؤس وتدهور المقدرة الشّرائية وتردّي الخدمات العامة (صحة، تعليم، ماء صالح للشراب الخ…) إضافة إلى تفاقم هجرة الكفاءات وتواصل كوارث الهجرة السرّية نحو أوروبا بدافع اليأس والانتشار المريع للجريمة (اغتصاب، قتل، سرقة، الخ…) والمخدّرات الخ…

ومن الواضح أنّ الائتلاف الحاكم وفي مقدّمته حكومة الشاهد، رأس حربة السلطة التنفيذية، لا معالجة له لهذه الأزمة إلا بمزيد الخضوع لإملاءات المؤسسات المالية الدولية والتسريع في نسق تنفيذها بما تعنيه من هتكٍ للسيادة الوطنية وتخريبٍ لما تبقّى من نسيج اقتصادي تونسي (خوصصة المؤسسات العمومية إنتاجا ومالا وخدمات الخ…) وتدميرٍ للمكاسب الاجتماعية للعمال والأجراء ولمقدرتهم الشرائية الهزيلة أصلا (تجميد الأجور، رفع الدعم، الزيادة في الأسعار وفي الضرائب الخ…) وتفقيرٍ للفئات الوسطى وتخريبٍ للرّيف ومصالح الفلاحين (خاصة إذا تمّت المصادقة على “الأليكا” مع الاتحاد الأوروبي)، وتيئيسٍ لجماهير المعطلين عن العمل والمهمّشين (وقف الانتدابات في الوظيفة العمومية، غياب مشاريع تنموية وطنية وجهوية الخ…) واعتداء على حقوق المتقاعدين وتراجع عن الاتفاقيات الممضاة مع الأطراف الاجتماعية (عملة الحظائر والآليات والمفروزين أمنيا…)

وما من شكّ في أن لازمة هذه السياسة الاقتصادية والاجتماعية المعادية للوطن والشعب هي القمع والسّير بالبلاد نحو الاستبداد من جديد. وهو ما يشهد عليه تراجع الإعلام اليوم نتيجة الضغط والابتزاز والشّراء والتوظيف، وتجريم التحركات الاحتجاجية والاجتماعية، وحملات التشويه والتهديد ضدّ المعارضة الديمقراطية، وضد الاتحاد العام التونسي للشغل بوجه خاصّ في المدّة الأخيرة. يضاف إلى كل ذلك المساعي المحمومة لمراجعة القانوني الانتخابي (الرّفع في العتبة من 3 إلى 5 في المائة الخ…) بقصد تقليص وجود المعارضة الوطنية، الجدّية والحقيقيّة، في المؤسّسات التمثيلية وفتح الطريق أمام مراجعة الدستور بهدف العودة إلى نظام رئاسوي يضرب ما تحقّق من مكتسبات في مجال الفصل بين السّلطات وإقامة هيئات رقابيّة مستقلّة. كما يضاف أيضا تفكير بعض الجهات في تأخير المواعيد الانتخابية انطلاقا من حسابات خاصة ضيّقة.

وخلاصة القول إن المرحلة التي وصلت إليها البلاد اليوم هي مرحلة خطيرة بما يتهدّد الوطن من فقدان تام للسيادة، والشعب من تصفية لحريته ومكاسبه الديمقراطية والعودة به إلى مربع الاستبداد، وأمن البلاد من استمرار مخاطر الإرهاب، ومختلف الطبقات والفئات الكادحة والشعبية والمتوسطة من تدمير لمكاسبها ومفاقمة وضعها. وما من شك في أن أحد العوامل الأساسية التي ساعدت على وصول البلاد إلى هذه الحالة وسمح لقوى الثورة المضادة بأن تتصرّف بنوع من الأريحيّة، هو، دون الدخول في التفاصيل، ضعف قوى المعارضة الوطنية، الثورية والديمقراطية والتقدمية، من جهة، وتراجع الحركة الاجتماعية والشعبية من جهة أخرى. واليوم فإن أي تعديل لموازين القوى لكبح جماح القوى الرجعية ورأس حربتها الشاهد وحكومته يمرّ عبر تطوير أوضاع المعارضة الوطنية والتقدمية من جهة واستنهاض الحركة الاجتماعية والشعبية من جهة ثانية.

وإذا كان المجال لا يسمح هنا بالخوض في النقائص والهنات التي يتّسم بها وضع المعارضة، فمن الممكن على الأقل التأكيد على ما ينبغي القيام به سياسيا وبشكل مستعجل في هذا الظرف الحرج عساه يُشكّلُ مدخلا لعمل مشترك وقاعدة لاستنهاض الحركة الاجتماعية والشعبية لمواجهة ما يتهدّدها ويتهدّد البلاد من مخاطر في كافة المستويات. وفي هذا السياق فإن أولى المسائل التي تطرح سياسيا هي الموقف من الصراع الحالي داخل الائتلاف الحاكم وقد أوضحنا طبيعته الرجعية وبيّنا أن لا اصطفاف وراء هذا الشق أو ذاك. ولكن هذا لا يعفينا من أن يكون لنا موقف من رحيل حكومة الشاهد أو بقائها فهذه المسألة مطروحة بشكل مُلحٍّ ومباشر وهي أحد الرهانات التي يرتبط بها المستقبل القريب للبلاد.

إن الشاهد اليوم هو رأس حربة السلطة التنفيذية. وهو من هذه الزاوية الأكثر اندفاعا لتنفيذ إملاءات المؤسسات المالية الدولية وإبرام اتفاق “الأليكا”، وفي كلمة، الأكثر اندفاعا لبيع البلاد والتفريط في سيادتها علاوة على تفكيك القطاع العام وتفقير الشعب بمختلف طبقاته وفئاته خدمة للرأسمال الأجنبي وأقليّة السماسرة المحلّيين الذين يدعمونه ويدعمون الائتلاف الحاكم. وهو الأكثر اندفاعا لتدمير الحريات وفي مقدّمتها حرية الإعلام. وإلى ذلك كلّه فهو يتحالف مع أكثر القوى رجعية في الساحة السياسية، أي حركة النهضة، التي تستعمله مطيّة لتحقيق أهدافها في السيطرة على مفاصل الدولة وأخونة المجتمع بطريقة “ناعمة” تحضيرا لشروط الاستيلاء على السلطة وإقامة مشروع دولة الاستبداد “الإخواني”.

وعليه فإن مصلحة بلادنا وشعبنا هي في رحيل حكومة الشاهد رأس حربة السلطة التنفيذية والائتلاف الحاكم ككل ضدّ مصلحة الوطن والشعب. ولكن الوقوف عند هذا الحد غير كافٍ، إذ لا بدّ من الجواب على السؤال الملحّ التالي: وماذا بعد حكومة الشاهد؟ أيُّ مقترح لتعويضها؟ أو بالأحرى ما هي طبيعة الحكومة المدعوّة لتعويضها؟ وهنا لا بدّ من تأكيد حقيقتين مهمّتين: أولاهما هي أنّ قوى المعارضة الديمقراطية والتقدميّة لا تتحكّم، بالنظر إلى حجمها في البرلمان، في تشكيل أية حكومة جديدة. وثانيهما هي أن أية حكومة أخرى خارجة من رحم الائتلاف/الأغلبية البرلمانية الحاكم الحالي بنفس التوجّهات وبنفس البرنامج لن تغيّر شيئا في واقع البلاد والطبقات والفئات الكادحة والشعبية والمتوسّطة. ولكن هل يعني ذلك ملازمة موقع المتفرّج؟ بالطبع لا.

إنّنا ندرك أن خلاص بلادنا غير ممكن التّحقيق بالائتلاف الحاكم الحالي ولا بالتحالف الطبقي، الداخلي والخارجي الذي يسنده، فبلادنا تحتاج إلى اختيارات جديدة، وطنية وديمقراطية وشعبية، إلى مشروع وطني، كبير وجامع يعبّر عن مصالح كل الطبقات والفئات الاجتماعية المتضرّرة من هذا التحالف والتي لها مصلحة حقيقيّة في تغيير جذري وجوهري. وهو ما يتطلب برنامجا واضحا يكرّس هذه الاختيارات وتحالفات وتكتيكات وأطرٍ لتحقيقها. ولكن هذا، على أهميّته المصيريّة وإلحاحيّة مناقشته في أسرع وقت، لا يعفينا من ضرورة تحديد ما ينبغي القيام به الآن وهنا كحدٍّ أدنى ومباشر، لوقف الانهيار وسدّ الباب أمام عبث أيّ حكومة جديدة بمصائر الوطن والشعب.

إن القوى الوطنية، الثورية والديمقراطية والتقدمية، مطالبة بالعمل، بجديّة ومسؤولية، على أن تعبّئ نفسها بشكل مستعجل، بما في ذلك في البرلمان، وتعبّئ الشارع للضغط من أجل وقف الاعتداء على الحريات (حرية الإعلام…) وحملات التشهير والتشويه (المعارضة، الاتّحاد العام التونسي للشغل وقوى المجتمع المدني عامّة…) واستكمال بناء المؤسسات الدستورية وعدم مراجعة القانون الانتخابي لضرب ما فيه من جرعة من النسبيّة، وعدم تأجيل الموعد الانتخابي الدستوري والكشف عن الحقيقة في الاغتيالات السياسية، والكف عن توريط البلاد في محاور إقليمية رجعية، ووقف المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي حول “الأليكا” وعدم إمضاء قروض جديدة تثقل كاهل البلاد، وعدم خوصصة أيّة مؤسسة أو مرفق عام وعدم الزيادة في الأسعار بل وتجميد أسعار المواد الأساسية وعدم غلق باب الانتداب في الوظيفة العمومية وعدم المساس بجرايات المتقاعدين وحقوقهم وتوفير الأدوية الأساسية اللازمة والتخلّي عن توظيف أية أداءات أو ضرائب جديدة تضرّ بالمؤسسات الصغرى والمتوسّطة والوقف الفوري للتوريد العشوائي والتصدّي للتهريب وللاقتصاد الموازي الخ…

هذه إجمالا محاور أو مطالب مستعجلة قابلة للمراجعة والتطوير، إذ الهدف منها تحديد التوجّه لإنقاذ بلادنا من الانهيار أكثر منه شيئا آخر. فنحن إن كنّا لا نتحكّم وحدنا في تشكيل الحكومة الجديدة، فلنناضل على الأقلّ من أجل التصدّي لأيّة حكومة جديدة تريد السّير في نفس النهج في الوقت الذي نجهّز فيه أنفسنا على قاعدة برنامج/مشروع أوسع وأشمل وأعمق نواجه به المرحلة القادمة بما ستحمله من مستجدّات اجتماعية وسياسية، وبالطبع نواجه به أيضا الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة التي تمثل فرصة، بل معركة سياسية، من أجل خلق موازين قوى جديدة لصالح الشّعب والثورة.

     بقلم حمّه الهمامي

نشر الثلاثاء 11 سبتمبر 2018 في أسبوعية “الشارع المغاربي” 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى