الرئيسية / صوت الوطن / ملاحظات حول السلوك الانتخابي في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية

ملاحظات حول السلوك الانتخابي في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية

3

يتّجه الشعب التونسي يوم الاحد 20ديسمبر 2014 لحسم الخيار بين مرشحي الدور الثاني للانتخابات الرئاسية السيدين منصف المرزوقي والباجي قائد السبسي، ان هذا الوضع المستجد في بلادنا خلق ولازال يخلق جدلا واسعا في الساحة السياسية ومتتبعي الشأن العام من المواطنين الذين حسم جزء منهم خيارهم في هذا الاتجاه أو ذاك، ومازال جزء هام من اللفيف الديمقراطي يخوض نقاشا لبلورة السلوك الانتخابي في الدور الثاني.

• الدور الاول وانتصار البرجوازية:

تقدم للدور الاول 27 مترشحا يمكن تقسيمهم كمايلي: 26 منهم هم مرشحين بهذا الوعي أو ذاك للبرجوازية التي تريد الحفاظ او العودة لسدة الحكم، وترشح مقابل هؤلاء مرشّح الطبقات الشعبية الرفيق حمة الهمامي الذي حاز الموقع الثالث بعد أن قدر وقدرت الجبهة الشعبية ان تخلق استقطابا اجتماعيا حوله باعتباره حامل راية الفقراء والكادحين، وبانزياحه مرّ للدور الثاني مرشحي القوتين السياسيتين التين صنع حولهما استقطاب ثنائي مغشوش حرصت القوى الطبقية والسياسية والإعلامية الساهرة عليه باعطائه رداء ايديولوجيا ،قوة تدعي الحداثة والتقدم و”النمط المجتمعي” المعاصر والديمقراطي وأخرى تدعي تمثيل الهوية والأصالة والضمير الجمعي للشعب، وهي طبعا ادعاءات غير صحيحة تهدف الى اخفاء الجوهر الطبقي وحقيقة الارتباطات المحلية والاقليمية والدولية لهذه القوى. ان حركتي النداء والنهضة هما تعبيرتان تنظيميتان/سياسيتان للبرجوازية الكبيرة، يعبران عن مطالبها و تطلعاتها، ومهما كانت الاختلافات الجزئية فان الجوهر واحد ولا أدل على ذلك أكثر من التصويت الجماعي المنضبط لكتلتيهما في مجلس نواب الشعب على ميزانية وقانون المالية للعام الجديد. ان هذا الاشتراك في الجوهر الطبقي والاختلاف الجزئي في القناع الإيديولوجي، يعسّر على البعض الاصطفاف الانتخابي في الدور الثاني للرئاسية.

• الدور الثاني ومرجعيات الخيار:

ان الموقف المنطقي والمنسجم للجبهة الشعبية ولقوى اليسار بشكل عام هو رفض الاصطفاف وراء أي من المرشحين، فكليهما يرتبط بالطبقة المسيطرة التي لا هدف لها سوى الحفاظ على سيطرتها، وكليهما يرتبط بارتباطات اقليمية و خارجية لا علاقة لها بمصلحة الشعب التونسي، فلا التبعية لحلف قطر وتركيا والاخوان، ولا التبعية لحلف السعودية والإمارات ومصر والغرب تفيد شعبنا الذي ثار ضد التبعية، ولا الارتباط بروابط العنف وميليشياته ولا كذلك الارتباط بمنظومة الحكم القديم والدولة العميقة تفيد شعبنا. ان مصلحة الشعب كما نراها هي في الخيار المستقل،الوطني،الشعبي والتقدمي، وفي اعتقادنا لا المرزوقي ولا السبسي يرمزان لهذا التوجه. ان ادعاءات جزء من الديمقراطيين ان السبسي يبقى أفضل لانه يؤمن بمدنية الدولة وبالحريات، يبقى في اعتقادنا في حاجة للإثبات، فالوجه العصراني الذي يريد أنصاره ابرازه ليس ضرورة ان يكون في اتجاه ديمقراطي، بل يمكن أن يكون في اتجاه استبدادي دكتاتوري، فلا يجب أن ننسى أو نغفل أن الدكتاتورية يمكن أن تأخذ لها غطاء شعاراتيا يركز على خطاب حقوق الانسان والحريات ووو، لكن الممارسة أبعد ما يمكن أن تكون على ذلك وتجربة نظام بن علي دليل على ذلك، وما يزيد شكنا في ديمقراطية السبسي وحزبه هو الحضور المتنامي لقيادات الحزب الدستوري الذي حكم تونس بالحديد والعصا منذ اليوم الاول لتربعه على الحكم في بلادنا الى حدود ثورة الشعب ضده وضد حكمه التابع والفاسد والمستبد. وحجة البعض أن النداء فيه ديمقراطيون هي حجة مغلوطة، فديمقراطية جزء من هؤلاء في حاجة لإثبات لان الديمقراطي هو من ناضل ضد الاستبداد من أجل الديمقراطية وليس من صمت أو عمل أو تواطئ مع الدكتاتورية، اضافة لكون هؤلاء(مع احترام الذوات) ليسوا سوى صورة ووجوه اعلامية لا حول لهم ولا قوة، فالحاكم بأمره في النداء هو القوة الاقتصادية والمالية ممثلة في رجال الاعمال ومتنفذي العهد البائد الظاهر منهم والخفي، علما وأن مصالح هؤلاء قد تقتضي تحالفا مع النهضة وهو ما بدأت خيوطه في البروز(اقتسام مكتب رئاسة مجلس نواب الشعب، بعض التصريحات من الجهتين…)، علما وأن قادة النداء يحرصون على تسويق هذا تحت مسميات التعايش والتوافق.

ان الموقف الذي أعلنته الجبهة الشعبية يوم 11ديسمبر الجاري هو موقف واضح ومنسجم مع أرضيتها ومع هويتها كخيار مستقل يفرّق جيدا بين تقاطع المهمات وبين التصويت الذي يعكس انحيازا ما مهما كانت جزئيته. ان الانحياز لدى الجبهة (والتقاطع أيضا) هو برنامجي بالأساس وليس اطلاقا احتكاما لاصطفافات ايديولوجية هي ذاتها في حاجة للتدقيق. ان الخلفية الاساسية للجبهة هي مطالب الشعب وتطلعاته التي عكستها شعارات الثورة وتضمنتها برامج الجبهة. ان وضعا لن نُحسد عليه ان صوتنا اليوم لأحد مرشحي البرجوازية التابعة ونجد أنفسنا بعد ايام نتظاهر ضد حكمه وخياراته وسياساته بما فيها انتهاكه المنتظر للحريات العامة والفردية وفي مقدمتها حق التظاهر والاحتجاج التي ننتظر اعتداءات عليها بمناسبة تصاعد الاحتجاج الشعبي ضد خيارات التفقير التي ستتضاعف في المدة القريبة القادمة. ان الحفاظ على الاستقلالية سيمكّن الجبهة من الاضطلاع بمهمتها الاصلية كصوت لمن لا صوت لهم، أما الصيغة العملية لترجمة هذا الموقف فتبقى مجال اجتهاد من قيادة الجبهة ومختلف أطرها. ان التهافت عند بعض مناضلي الجبهة نحو التذيل ومن ثمة التفسخ سيربك صفوف الجبهة وهو ما يسعى اليه أعدائها وخصومها بمن فيهم أنصار المترشحين.

علي الجلولي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى