أخبار عاجلة
الرئيسية / صوت الوطن / بعد 61 عاما على صدور مجلة الأحوال الشخصية: إلى الأمام نحو تحقيق المساواة التامة والفعلية

بعد 61 عاما على صدور مجلة الأحوال الشخصية: إلى الأمام نحو تحقيق المساواة التامة والفعلية

بقلم : حمّه الهمامي 

واحد وستون سنة مرّت على صدور مجلة الأحوال الشخصية.

وما من شك في أنّ صدور هذه المجلة وما احتوته من فصول تحرّرية مثّل، تاريخيّا، حدثا مهما، ليس في تونس فحسب، بل كذلك في معظم الدول العربية والإسلامية. لقد شكّلت مجلة الأحوال الشخصية خطوة مهمّة على طريق نيل المرأة التونسية حقوقها المدنية، وهو ما أكسبها “الريادة” في عالم عربي وإسلامي يشكو من تخلّف كبير في مجال حقوق المرأة خاصة والحريات والحقوق المدنية والسياسية عامة.

 “إصلاح” لم يُلغ سلطة الذّكور

 ولكن هذه المجلة لم تكن “ثورة” تشريعية كما يزعم البعض. كانت، في الواقع، إصلاحا في المنظومة الأبويّة، الذكوريّة، القائمة، لأنّها قنّنت التمييز بين الجنسين في أكثر من مجال، محافظة على “تفوّق” الرجل في العائلة والمجتمع والحياة العامة.

لقد ألغت المجلة تعدّد الزوجات وأكسبت الزواج طابعا مدنيّا نسبيّا وأعطت المرأة حقّ اختيار شريك حياتها. كما منحتها الحق في الطلاق. لكنها حافظت على مؤسّسة المهر (وهو شرعا وتقليدا ما يدفعه الرجل مقابل التمتع بزوجته). ومنحت رئاسة العائلة للرجل مع ما ينجرّ عن ذلك من واجب الطاعة وخدمة الزوجة الزوج وولاية على الأطفال ومن اختيار لمقر السكنى وتلقب العائلة بلقب الزوج. كما كرّست الميز في الإرث وتعاملت معه كتشريع قدسي، لا كمنتوج اجتماعي، تاريخي ونسبي، مثله مثل كل التشريعات المحدّدة في الزمان والمكان.

ولم تكن هذه المجلة “مسقطة” على المجتمع من بورقيبة كما يروّج لذلك أنصاره، من باب التمجيد، وخصومه، من باب التشهير، بل عكست ما يعتمل في المجتمع من تطورات هيكلية، أدّت إلى انحلال نمط العائلة التقليدية وترسّخ نمط “العائلة النواتية”، وليد التغلغل الرأسمالي الاستعماري في تونس الذي ضرب الملكية القبائلية والعشائرية ممّا أدّى إلى تفكّك نمط العائلة التقليدي واضطرار أعداد كبيرة من السكان، بسبب ذلك وبسبب المجاعات والأوبئة أيضا، إلى النزوح. إنّ نسبة تعدّد الزوجات لم تكن تتجاوز الـ 2 بالمائة من الزيجات القائمة عام صدور المجلة.

وإلى ذلك فإنّ جذور الحركة الإصلاحية والمطالبة بتحسين أوضاع المرأة والعائلة سابقة لبورقيبة. ويعود الفضل إلى الطاهر الحداد الذي تأثّر ببعض مناخات عصره التقدمية والتحديثية، في طرح المسألة النسائية، بشكل عام ومنهجي، في مؤلّف خاص: “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” عام 1930. ولم يطالب، هذا الشيخ الزيتوني، باحترام حقّ الفتاة في اختيار شريك حياتها وفي طلب الطلاق وفي الشغل والمشاركة في الحياة العامة فحسب، بل كانت له الجرأة على تناول موضوع الإرث، وهو من أعقد المواضيع في الذهنية الإسلامية السّنّيّة، والمطالبة بتجاوز قاعدة “وللذكر مثل حظ الأنثيين” وإقرار مبدأ المساواة، تماشيا مع “سنّة التطور”.

لذلك فعندما صدرت مجلة الأحوال الشخصية يوم 13 أوت 1956، لم تلق معارضة مهمة، بل إنّ المعارضة انحصرت في أوساط محافظة قليلة، في بعض الجهات، سرعان ما جرفها سيل التحديث في البلاد الذي شمل حل منظومة الحبس وتوحيد التعليم والقضاء على حساب كل من التعليم والقضاء التقليديّين.

ولئن أسهمت هذه المجلة في إحداث تغييرات في واقع المرأة التي خرجت بكثافة نسبية إلى المدرسة والشغل وبدأت تفرض نفسها في العائلة وفي الحياة العامة والمجتمع، فإنّ حدودها سرعان ما انكشفت. لقد وجدت المرأة التونسية نفسها شيئا فشيئا مكبّلة بهذه المجلة وبالتشريعات الأخرى ذات الطابع الأبوي التي ظلت، رغم ما فيها من تقدّم، تعتبرها مواطنة “تحت الوصاية”، غير كاملة الحقوق. كما وجدت نفسها مكبّلة بالعوائق المادية، التي يفرضها الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي والديني وهي عوائق تحول أحيانا حتى دون تمتّع المرأة بما يمنحه لها القانون والتشريعات من حقوق.

 “إصلاحات” محدودة

 إنّ مجلة الأحوال الشخصية التي فتحت باب الإصلاح في عام 1956، فقدت، تدريجيا، ريادتها في العالم العربي والإسلامي ولم تعد، منذ أواخر ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي تستجيب إلى تطلّعات نساء تونس ورغبتهن في التحرر. لقد خرجت النساء إلى المدرسة والجامعات. كما أنهن خرجن إلى العمل سواء في القطاع العمومي (الوظيفة والمؤسسات العمومية) أو القطاع الخاص (النسيج والصناعات الغذائية خاصة…) وشاركن في العمل النقابي، الطلابي والعمالي، وفي النشاط الثقافي وشاركن في أهم الحركات الشبابية والعمالية التي شهدتها تلك الفترة (حركة فيفري 1972 الطلابية والإضراب العام الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1978 …) وهو ما ساعد على نماء وعيهن.

ومن جهة أخرى فقد كان المناخ العالمي كله مؤاتيا لقيام حركة نسائية مناضلة جديدة بحكم بروز حركات نسوية في مختلف أصقاع العالم وخاصة في العالم الغربي تثير بحدة مسألة التمييز ضد النساء وتشنّ حربا لا هوادة فيها ضد مظاهره المختلفة وتضغط في كافة المستويات من أجل إلغائها، وهو ما حدا بالجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى إصدار “اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة” (سيداو) في ديسمبر 1979 وعرضها على التوقيع والتصديق والانضمام. وهذه الاتفاقية متجاوزة بالطبع لمجمل نقائص مجلة الأحوال الشخصية التونسية التي تظهر، بالمقارنة معها، متخلّفة في أكثر من مجال. ولم تكن نساء تونس، المثقفات منهن بالخصوص، معزولات عن هذا الحراك العالمي.

في هذا السياق، المحلي والدولي، تشكّلت أولى نواتات الحركة النسائية التونسية الجديدة، حركة ما بعد “إعلان الاستقلال”. كان ذلك في أواخر سبعينات القرن الماضي بـ «النادي الثقافي الطاهر الحداد”. وقد تميزت هذه الحركة التي كانت تنشّطها نساء يساريات، بالمطالبة بمساواة تامة وفعلية بين النساء، مساواة في المستوى التشريعي، ومساواة في الواقع أيضا، وبهذه الصورة نزعت هذه الحركة كلّ “قدسية” عما كان يعتبر أهم “إنجاز بورقيبي” في العالمين العربي والإسلامي وسلّطت عليه نيران النقد وكشفت حدوده وتناقضاته وطرحت بالمقابل مفهوما ثوريا متكاملا لتحرير المرأة في تونس، مفهوما مرتبطا بتغيير بنى المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي تعرقل تحرير المجتمع عامة والنساء خاصة.

لقد كسبت هذه الحركة إشعاعا سريعا في مختلف الأوساط، وشجعت على ظهور أطر عديدة للدفاع عن حقوق المرأة بمعناها الشامل والمطالبة بتحقيق المساواة. فتعددت النوادي النسائية في دور الثقافة وفي الأحياء الجامعية، كما بادر هذا الجيل من المناضلات النسويات بدفع الهياكل النقابية للاتحاد العام التونسي للشغل إلى بعث “لجان المرأة العاملة”، تؤطرها لجنة عامة، وطنية، وهو ما كان يعكس في الواقع تعاظم دور النساء العاملات في النضال النقابي وفي مواجهة الاستغلال الفاحش الذي تتعرضن إليه في القطاع الخاص، خاصة. ولم يتأخر قطاع المحاماة عن بعث لجنة تعنى بالمرأة هو أيضا. كما اهتمت بذات الموضوع رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان وأنشأت لجنة خاصة به. ومن ناحية أخرى لم تتأخر بعض رائدات “نادي الطاهر الحداد” في إطلاق جريدة نسائية (نساء)، في مطلع الثمانينات. وما هي إلا سنوات قليلة حتى بعثن (1988) جمعية نسوية، (الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات)، منافسة للمنظمة الرسمية التابعة للحزب الحاكم، الاتحاد الوطني للمرأة التونسية. وانتقل الاهتمام بقضية المرأة إلى رحاب الجامعة لتشكّل موضوعا للدراسات والرسائل الأكاديمية.

 وفي كلمة فقد أصبحت مسألة استكمال النساء حقوقهن، لتحقيق المساواة، في القانون على الأقل، مسألة محورية، لا يمكن لأيّ طرف أن يتجاهلها.

  خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء

 ولكن هذا المسار عرف تراجعا مع ظهور “حركة الاتجاه الإسلامي” (فرع الإخوان المسلمين في تونس)، في أواخر ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي. إنّ هذه الحركة التي وظّفها نظام الحكم المتأزم ضد الحركة اليسارية وضد الحركة العمالية والنقابية، وجّهت سهامها بشكل مباشر إلى مكاسب المرأة التونسية ومن ضمنها مجلة الأحوال الشخصية وتخصيصا الفصول التحررية الواردة فيها التي اعتبرتها “منافية لشرع الله” و”للإسلام” ومضت تهاجمها في المساجد وفي بعض المجلات التي رخّص لها فيها نظام الحكم (“المعرفة” و”المجتمع”) إضافة إلى كتابات راشد الغنوشي ذاته، وتطالب بإلغائها وبالعودة إلى تعدّد الزوجات والتّطليق، بل إنّ بعض أتباع هذا الاتّجاه، لم يتحرّج من الدّفاع عن مبدأ “تأديب المرأة”، معتبرا ذلك من باب “العلاج النفسي” الخ….

في هذا الوضع الجديد وخاصة مع تنامي تأثير “الإخوان” في الحياة العامة والمجتمع، وجدت الحركة النسائية الجديدة نفسها، في وضع لا تُحسد عليه، وهو وضع سيتواصل طيلة فترة حكمي بورقيبة وبن علي. لقد تحوّلت المعركة من معركة لتطوير مكتسبات النساء التونسيات في اتجاه مساواة تامة وفعلية إلى معركة من أجل الحفاظ أوّلا على المكتسبات المحقّقة التي يريد “الإخوان” التشكيك في مشروعيتها ويدعون إلى الارتداد عنها، وقد وصل بهم الأمر، في ذكرى تأسيس حركتهم، عام 1985، إلى المطالبة، على لسان أحد أبرز مؤسّسيها، عبد الفتاح مورو، بإجراء استفتاء حول مجلة الأحوال الشخصية بغرض إلغاء ما ورد فيها من بنود تحرّريّة.

وهكذا وجدت الحركة النسائية الجديدة نفسها مجبرة من ناحية أولى على الدفاع عمّا تحقّق للمرأة من مكاسب بما فيها مجلة الأحوال الشخصية، لمواجهة حركة الاتجاه الإسلامي التي ستصبح بداية من 1988، بضغط من بن علي، حركة النهضة والتي تحاول الالتفاف على هذه المكاسب، رغم ما تبديه حين تكون في حالة دفاع وتراجع، من قبول شكلي بها (في عام 1988 نشر راشد الغنوشي مثلا، بطلب من أطراف قريبة من بن علي، موقفا بجريدة الصباح يلتزم فيه علنيا بـ”مكاسب المجلة”). ومن ناحية ثانية على مواجهة الدكتاتورية، التي توظّف قضية المرأة لإضفاء صبغة حداثية كاذبة على نظامها وتبرير القمع الذي تسلّطه على معارضيها، ورفع راية التحرّر الحقيقي لنساء تونس.

 لذلك لم يكن موقع الحركة النسائية التقدمية مريحا. فهي حين تواجه “النهضة” وتدافع عن المكاسب تُتّهم بـ «التواطؤ” مع بن علي ونظامه، وحين تواجه هذا الأخير وتفضح توظيفه لقضية المرأة وتطالب بمساواة تامة وفعلية، تُتّهم بـ”التواطؤ” مع “الإخوان” والعمل لحسابهم. ولكن نساء تونس التقدميات، واجهن هذا الوضع بشجاعة ورسمن طريقهن المستقل رغم ما فيه من مصاعب ومتاعب وتجرّأن، رغم الحصار المضروب عليهن لإبقائهن داخل الفضاءات المغلقة، على مواجهة نظام بن علي في أوج قوّته وفضحن طابعه القمعي المعادي للنساء.

 الثّورة تُنصف النّساء التّقدّميّات… ولكن

 وقد جاءت الثورة لتنصف هذا الخط النضالي المستقل الذي ينتصر لتحرير المرأة التونسية من كافة أشكال الميز قانونا وواقعا. إنّ نساء تونس اللواتي واجهن الاستغلال والقمع في ظل الدكتاتورية، كانت لهن مشاركة كبيرة في الثورة التونسية التي أسقطت هذه الدكتاتورية، وبالطبع فقد كنّ وهنّ يساهمن في هذا الإنجاز التاريخي، يطمحن إلى تحقيق مطلبهن في التحرّر التام والحقيقي.

ولكنهن وجدن أنفسهن، كما وجد الشعب التونسي نفسه، بعد انتخابات 2011 التي أنتجت المجلس الوطني التأسيسي، في مواجهة مع من كان بالأمس لا يعرقل مسيرتهن التحررية فحسب، بل يهدّد حتى بإلغاء مكاسبهن والرجوع بهنّ قرونا إلى الوراء. فقد فازت حركة النهضة بالانتخابات وشكّلت، مع “حزب المؤتمر” (المنصف المرزوقي) و”التكتل الديمقراطي” (مصطفى بن جعفر)، الأغلبية بالمجلس الوطني التأسيسي الذي عهدت إليه صياغة الدستور الجديد لتونس، كما شكّلت معهما الحكومة الانتقالية التي عهد إليها تسيير البلاد إلى حدّ إجراء الانتخابات على قاعدة الدستور الجديد.

وكما كان منتظرا نكثت حركة النهضة، التي كانت، مثلها مثل “الإخوان” في مصر وليبيا وغيرهما من الأقطار العربية، تتلقّى الدّعم من قطر وتركيا والسعودية، نكثت عهودها السابقة ولفت حولها أكثر الفصائل رجعية وتطرّفا في معاداة حرّيّة المرأة بشكل خاص والتقدم الاجتماعي بشكل عام أي حزب التحرير الإسلامي وأنصار الشريعة وغيرهم من الجماعات السلفية الوهابية التي انتعشت في مناخ الحريات الذي عقب سقوط الدكتاتورية في جانفي 2011 وجنّدتهم للقيام بثورة مضادة.

لقد كان الشعار الذي التفّ حوله كلّ هؤلاء: “تطبيق الشريعة”. وبدأوا يهيّجون الشارع، وينظّمون المسيرات ويخطبون في المساجد ويضغطون على نوّاب التأسيسي. في نفس الفترة أصبحت تونس قبلة لشيوخ التطرّف الوهّابي الذين كان يستقبلهم بعض قادة “النهضة” ويجوبون بهم البلاد وهم يبثّون سموم الفتنة بين التونسيّين، ويعملون على تقسيمهم وكان، أحد أهم محاور هجومهم، ما اكتسبته نساء تونس من حقوق، مروّجين أنّ تلك الحقوق “كفر”، داعين إلى استعباد نساء تونس من جديد حتى “يعود” الإسلام إلى البلاد.

وفي نفس الوقت انتظمت ميليشات في الشارع وخاصة في الأحياء الشعبية، لإكراه النساء على الالتزام بالتقاليد الوهابية الرجعية ومن بينها ارتداء النقاب. وكانت هذه الميليشيات تلقى الدعم مباشرة من أتباع حركة النهضة الحاكمة الذين وضعوا أيديهم على الأجهزة الأمنية والإدارية والذين كانوا يغضّون الطرف عن ممارسات تلك الميليشيات، هذا إن لم يعمدوا هم أنفسهم إلى التّضييق على النساء في الشارع وفي المحلات العمومية.

كان الشق “النهضاوي” المتطرّف يدعم بشكل سافر هذا التوجّه في البرلمان وخارجه، ناهيك أنّ أحد رموز هذا الشق لم يتورّع عن تمجيد ختان البنات معتبرا ذلك من باب “التجميل”، لا من باب الممارسات الوحشية ضدّ النساء. أمّا الشق “النهضاوي/الإخواني” الناعم، الذي يتقن فنّ “التقيّة” والتّكيّف مع الواقع، في انتظار تغيّر “الظروف”، فقد كان يناور لتمرير أفكاره، بأسلوب خبيث. فعند مناقشة الدستور الجديد في المجلس الوطني التأسيسي، سعى نواب “حركة النهضة”، إلى فرض مصطلح “التكامل بين الرجل والمرأة” بدل “المساواة” بينهما، وإلى فرض الإشارة إلى الطابع الديني للدولة، بهدف التصدي لاحقا إلى كلّ ما تعتبره “النهضة” “مخالفا” للدّين ومن بينه مكتسبات النساء. أمّا في الحياة العامة فقد كان هذا الشق يغضّ الطرف عمّا كان يرتكبه الشق الآخر والجماعات المتطرفة، من اعتداءات ضد النساء كما كان يغضّ الطرف عمّا ينشره عدد من أئمة المساجد المتحزّبين لحركة النهضة ولتلك الجماعات المتطرّفة من خطاب رجعي معاد بالكامل لتحرّر النساء.

 مواصلة المعركة…

   لقد حتّم هذا الوضع على طلائع نساء تونس وعلى كل القوى الديمقراطية والتقدمية خوض معركة لا هوادة فيها ضدّ هذا الاستبداد الجديد المغلّف بالدّين: معركة في المجلس الوطني التأسيسي وأخرى في الشارع لمنع حركة النهضة المدعومة من كل القوى الرجعية المحافظة، أحزابا وجمعيات وأئمة مساجد موالين، من الانقلاب على الثورة التونسية وعلى مكاسب نساء تونس وتطلّعهن إلى التحرر والانعتاق. وقد نجحت النساء التقدميات، مدعومة بكل ما في المجتمع من قوى حية، في إفشال مخطّطات “الإخوان”. لقد تمّت مراجعة دستور 1 جوان 2013 وإقرار التّنصيص على مبدأ المساواة بين النساء والرجال في الحقوق. فقد نصّ الفصل 20 على أنّ المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز. كما نصّ الفصل 40 على ضمان الحق في العمل على أساس الكفاءة والإنصاف. وأخيرا فقد نصّ الفصل 46 على التزام الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة والعمل على دعمها وتطويرها كالعمل على تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة واتخاذ التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد النساء.

كما نجحت النساء التقدميات وكل القوى الحية في البلاد في إسقاط حكومة الترويكا وبذلك يمكن القول إنّ هذه القوى تمكّنت من تجنيب تونس انقلابا شنيعا على مكاسبها الحضارية والثقافية والاجتماعية وعلى مكاسب ثورتها السياسية وتصدّت لقيام دكتاتورية جديدة، هي من بعض الوجوه، أشنع من الدكتاتورية القديمة. ولكن معركة الحرية بالنسبة إلى نساء تونس لم تتوقف عند هذا الحد. فقد أفرزت انتخابات 2014 فوزا لليمين الليبرالي بقيادة حزب “نداء تونس”، متبوعا بحركة النهضة التي فقدت الكثير من تأثيرها مقارنة بانتخابات 2011. وقد حصل “النداء” على المركز الأول في التشريعية والرئاسية على حد سواء، بفضل أصوات النساء خاصة. فقد طرح نفسه “نقيضا” لحركة النهضة و”منقذا” لتونس من هيمنتها وخطرها بما في ذلك على مكاسب المرأة. واغترّت فئات واسعة بخطاب السبسي وحزبه كما اغترّت بشعار “التصويت المفيد” لسد الطريق أمام حركة النهضة.

وقد حصلت الجبهة الشعبية في هذه الانتخابات على 15 مقعدا في مجلس النواب. وخلال الحملة الانتخابية دافع مرشّحات الجبهة ومرشّحوها عن مبدأ المساواة التامة والفعلية بين النساء والرجال.

 تحالف رجعي لغير صالح النّساء

 ولكن حصل ما كانت الجبهة الشعبية نبّهت إليه واعتبرته أخطر سيناريو يمكن أن يحصل بعد الانتخابات وهو تحالف طرفي اليمين، “النداء” و”النهضة”، على حساب مصالح الشعب عامة والنساء خاصة. لقد مارست القوى الدولية وخاصة المؤسسات المالية الضغط على السبسي والغنوشي كي يتحالفا، خدمة لمصالح رأس المال، فلبّيا النداء. فكانت الطعنة للمليون امرأة اللواتي صوّتن للسبسي “المنقذ” من حركة النهضة و”الحامي” لحرية النساء وحقوقهن من الهجمة الظلامية. وقد نتج عن هذا التحالف الرجعي ما كان منتظرا. فبعد أكثر من عام ونصف من أخذه زمام الحكم ومن استلام السبسي مقاليد رئاسة الجمهورية ما يزال الدستور حبرا على ورق. فهو لم يترجم إلى تشريعات تكرّس المساواة التامة بين الجنسين.

 إنّ الخطوة الجزئية الوحيدة المحققة في المجال التشريعي على مدى السنوات الأربع ونصف الأولى بعد سقوط الدكتاتورية، تتمثل في السماح للأم باستخراج جواز سفر أطفالها مع إبقاء حق الولاية للأب. وفي شهر أوت من عام 2016 صدر بالرائد الرسمي القانون الأساسي لمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته وهو قانون يعني النساء والأطفال خاصة. وفي القانون الانتخابي المصادق عليه في شهر فيفري من هذا العام تمّ إقرار التناصف العمودي والأفقي. وفي الأيام الأخيرة تمّت المصادقة، بعد طول انتظار، على القانون الأساسي الذي يجرّم العنف ضد المرأة والذي ناضلت من أجله أجيال من النساء ومن التقدميّين التونسيّين. وفيما عدا هذا فإنّ التشريعات القديمة، بما فيها من ميز، (مجلة الأحوال الشخصية، مجلة الشغل، قانون الوظيفة العمومية، المجلة الجزائية الخ…) ما تزال سارية المفعول. وليس ثمة ما يؤشّر لكون الائتلاف اليميني الحاكم يسعى بجدية إلى ملاءمة مختلف التشريعات مع الدستور، وإلى استكمال المصادقة على بعض التشريعات الدولية المناهضة للتمييز ضد المرأة (الاتفاقية 183 الخاصة بالأمومة) وتطوير القوانين والنصوص الشُّغلية ومجلة الطفولة وإلغاء منشور 1973 الذي يمنع زواج المسلمة بغير المسلم. ومن البديهي أنّ سلوك الائتلاف الحاكم هذا يعرقل حصول المرأة التونسية على حقوقها المواطنية كاملة.

  أمّا في الواقع الذي يبقى الجانب الحاسم في إنزال المساواة من عالم القانون إلى عالم الممارسة، فإنّ المعطيات التي تتّصل بتشغيل النساء (نسبتهن إلى القوى العاملة، فرص العمل، البطالة، ظروف العمل…) وتعليمهن (الأمية) ومشاركتهن في مراكز القرار وتواجدهنّ في المؤسسات التمثيلية وتعرّضهن للعنف وتعاطي الدولة والمجتمع مع الأمومة وتربية الأطفال، تؤكد كلها أنّ الهوة بين الجنسين ما تزال واسعة، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية فإنّ النساء هنّ اللواتي يدفعن، أكثر فأكثر، فاتورة هذه الأزمة في كافة المستويات. وهو ما يبيّن أنّ أحوال النساء في المستويين القانوني والواقعي لم تتغير في جوهرها مقارنة بما قبل الثورة. وإنه لمن الوهم الاعتقاد أنّ مثل هذا التغيير يمكن أن يحصل في ظل حكم التحالف الحالي. فلا حزب “نداء تونس” ولا “حركة النهضة”، قادرتان أو بالأحرى من مصلحتهما تحرير النساء التونسيات وتحقيق المساواة التامة والفعلية لصالحهن. إنّ النظام الاجتماعي، الذي يسهران عليه ويعملان على تأبيده لا يولّد إلاّ استمرار اضطهاد النساء. ففي أوت 2015 وخلال الاحتفال الذي انتظم بقصر قرطاج بمناسبة ذكرى صدور مجلة الأحوال الشخصية، لم يتردّد الباجي قائد السبسي في الردّ على النساء اللواتي جئن لمطالبته باتخاذ المبادرات التشريعية الضرورية لوضح حدّ للتمييز ضدّ النساء، بما في ذلك في مجال الإرث، بقوله: “ما زال بكري…” (أي سابق لأوانه). أمّا حركة النهضة فكلّما أثيرت مسألة المساواة التامة في الحقوق إلاّ وأخرجت من جرابها “حجّة” الدّين أو “عدم استعداد الرأي العام” لتبرّر اعتراضها على ذلك.

 إنّ طريق النساء إلى التحرّر ما يزال طويلا وشاقّا. لقد جرّب نساء تونس خلال الست سنوات الأخيرة التي تلت سقوط الدكتاتورية 9 حكومات دون أن ينلن حقوقهن ودون أن تحصل تغييرات جوهرية في واقعهن بشكل خاص وفي واقع الشعب التونسي بشكل عام. وقد بات من الضروري استخلاص العبرة من ذلك. فتحرّر نساء تونس مرتبط اليوم بمواصلة النضال من أجل تحقيق أهداف الثورة التونسية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتصدي لكل محاولات الالتفاف على المسار الثوري وإجهاضه نهائيا. فلا حقوق للنساء ولا مساواة تامة، دون ثورة تشريعية تضع حدّا لكافّة مظاهر التّمييز ودون إعادة تنظيم الدولة على أسس ديمقراطية تسمح للنساء بالتمتع بكامل حقوقهن المدنية والسياسية وبالمشاركة في إدارة الدولة على قدم المساواة مع الرجال. ولا تحرّر للنساء أيضا دون إعادة تنظيم الاقتصاد اليوم على أسس جديدة، ديمقراطية وعصرية، تضع حدّا لسيطرة الرجعية المحلية والشركات والمؤسسات والدول الأجنبية على مقدّرات البلاد، وتسمح بإدماج النساء في الدورة الإنتاجية وبتحسين ظروف عيشهن وعيش كافة أبناء الطبقات والفئات الكادحة، وتوفير الخدمات الضرورية لهن كأمهات أثناء الحمل وبعده، ما تعلق بالصحة والتوليد والعلاج أو بمحاضن ورياض الأطفال الخ…

 ومن هذا المنطلق فعلى نساء تونس أن يفهمن أنّ العقبة الرئيسية أمام تحرّرهن اليوم هو الائتلاف اليميني الحالي الحاكم المعبّر عن مصالح أقلية السماسرة والمافيوزيين والفاسدين والنهّابين. فالنضال كله ينبغي أن يوجّه بقوة وصرامة ضد هذا الائتلاف، رأس حربة الثورة المضادة.

 تعبئة كبيرة

 وما من شك في أنّ تحقيق هذا الهدف يتطلب اليوم تعبئة كبيرة للنساء التونسيات وعلى رأسهن النساء العاملات والأجيرات والكادحات والفقيرات في المدن والأرياف، وتنظيم صفوفهن من أجل ربط نضالهن بنضال الشعب عامة من أجل وضع حدّ لحكم الائتلاف اليميني الرجعي الحالي وإقامة حكم جمهوري، وطني، ديمقراطي، شعبي، حقيقي. إنّ تحقيق هذه المهمة يتطلّب أوّلا وقبل كلّ شيء توحيد كل القوى النسائية الديمقراطية والتقدمية، ومن باب أولى وأحرى توحيد الفصائل النسائية التابعة لمكونات الجبهة الشعبية. إنّ استمرار حالة التشتت التي عليها هذه الفصائل يعكس عدم الوعي برهانات المرحلة وتواصل العقلية الفئوية المقيتة. فإذا لم تتوحّد الفصائل النسائية للجبهة الشعبية، وهي التي تصرّح بالانتماء إلى هذه الجبهة، فكيف من الممكن تصوّر إقامة جبهة نسائيّة واسعة ضدّ الرجعية؟

إنّ نساء الجبهة الشعبية الموحّدات، مطالبات بتقديم الأرضية التي تجمّع غالبية النساء من العاملات والأجيرات والكادحات في المدينة والريف والمثقّفات والمبدعات. ومن جهة أخرى فإنّ المبدأ الذي ينبغي أن يشقّ هذه الأرضية من أوّلها إلى آخرها هو المساواة التامة والفعلية بين النساء والرجال. إنّ الجبهة الشعبية المتماسكة المدافعة عن المبادئ والقيم الديمقراطية لا يمكن أن تكون إلاّ مع المساواة التامة والفعلية بين النساء والرجال. فالديمقراطية لا يمكن أن تستقيم وأن تتحقق فعليا إلاّ إذا قامت على هذه المساواة. ومن هذا المنطلق فعلى نساء الجبهة الشعبية أن يكرّسن كلّ جهدهن في الظرف الحالي للعمل في صلب جماهير النساء للرفع من درجة وعيهن وتوحيدهن وتنظيمهن. ولا بدّ من الانتباه في هذا الصدد إلى أنّ الدفاع عن مكاسب النساء التونسيات في المجال الحقوقي وتطويرها تعني غالبية النساء، كما رأينا في فترة 2012 و2013، عندما شنّ اليمين “الديني” بمختلف فصائله هجوما شرسا على هذه المكاسب مطالبا بتطبيق الشريعة. ومن هذا المنطلق فإنّه من واجب نساء الجبهة الشعبية أن يكنّ في مقدّمة الدفاع عن تلك المكاسب مهما كانت جزئية، وحتى إن انحصرت في المستوى الحقوقي أساسا. فمن يقدر على الأكثر، يقدر على الأقل، وبالتالي فمن واجب نساء الجبهة أن يجمعّن في هذه المرحلة لا النساء العاملات والكادحات فحسب بل كلّ النساء المعنيات بالمساواة حتى وإن كنّ من أوساط بورجوازية وبورجوازية صغيرة معنيات بالأساس بالمساواة في الحقوق، فهذا الجانب ليس بالهيّن ولا يمكن، في مجتمع كمجتمعنا، الاستهانة به إذ أن نيل النساء لحقوقهن في الدستور وفي التشريعات، خطوة ذات أهمية تسهّل النضال من أجل المساواة الفعلية.

إن مراجعة كافة التشريعات القديمة القائمة على الميز (مجلة الأحوال الشخصية، المجلة الجنائية، مجلة الجنسية، قانون الشغل، قانون الوظيفة العمومية….) لكي تتلاءم مع الدستور ومع التشريعات الدولية، تمثل اليوم الحدّ الأدنى الذي يمكن أن يجمّع غالبية النساء، بل تمثّل الأرضية الدنيا التي يمكن لنساء الجبهة أن يجنّدن حولها ميدانيا غالبية التونسيات من مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية لمواجهة الائتلاف اليميني الحاكم وخاصة طرفه الأكثر عداء لحرية النساء وحقوقهن أي “حركة النهضة” وحلفائها من اليمين الديني، حزب التحرير، والسلفيين وغيرهم الخ…

إنّ الوضع أصعب وأعقد من أن يتصور طرف واحد أنه قادر على مواجهته بمفرده. فإذا كان على نساء الجبهة الشعبية أن يوحدن صفوفهن فإنّ هذه الوحدة تصبح لا معنى لها إذا لم يكن الهدف منها توحيد غالبية نساء تونس وخاصة منهن العاملات والكادحات في المدن والأرياف. إنّ هذه المهمة تُطرح الآن وهنا ولا يمكن تأجيلها بأية ذريعة كانت. فالأزمة السياسية تشتدّ والفرصة سانحة لطرح بديل مجتمعي شامل لتونس وشعبها ومن باب أولى وأحرى لنسائها، الطامحات إلى التحرر والانعتاق دون تأجيل.

إن إنسانية أي مجتمع من المجتمعات إنما تقاس في النهاية بدرجة تحرّر النساء وحصولهن على حقوقهن وممارستهن لها.

 ملحق

 1ـ تؤكد الإحصائيات أنّ النساء لا يمثّلن سوى الثلث من مجموع الشغالين، كما تؤكد أنّ عدد النساء المشتغلات تراجع سنة 2015 مقارنة بسنة 2014 (في الثلاثي الأول من عام 2015 تراجع عدد المشتغلات بـ 12500 عاملة مقارنة بنفس الفترة من العام السابق). وهو ما يعبّر عن تراجع فرص الشغل بالنسبة إلى النساء مقارنة بالرجال (12,5% للإناث مقابل 2,6% للذكور). وتنتشر البطالة في صفوف الإناث بشكل خاص إذ بلغت 21,5% مقابل 7،12% للذكور، وفي صفوف حاملي الشهادات العليا تبلغ نسبة البطالة في صفوف الإناث 39% مقابل 20,8       % في صفوف الذكور. وفي نفس الوقت فإنّ معظم النساء مازلن يشتغلن في القطاعات التقليدية من خدمات وفلاحة وصناعات معملية (نسيج). وهن يتعرضن للعديد من أشكال التمييز الظاهرة والمقنعة في مجال الأجور والترقيات المهنية. وتتعرض العاملات الفلاحيات بشكل خاص (80 %من مجموع اليد العاملة الفلاحية) إلى استغلال فاحش، فهن يعملن في ظروف صعبة وبأجور بخسة ولا يتمتعن في الغالب بالتغطية الاجتماعية. وتصل نسبة الفقر في صفوف النساء إلى 24,7% وهي نسبة تفوق نسبة الفقر لدى الذكور.

2ـ إن الأمومة ما يزال ينظر إليها على أنها شأن يهم المرأة لا شأنا يهم المجتمع والدولة. لذلك فإنّ الحمل والولادة تتحملهما في الأساس المرأة والعائلة، مع العلم أن تكاليفهما ما انفكت ترتفع مع تراجع الخدمات العمومية وانتشار المصحات الخاصة القائمة على الربح في إطار الخيارات النيوليبرالية المتوحشة المملاة من المؤسسات المالية الدولية والتي تهدف إلى ضرب كل الخدمات العمومية وتحويلها إلى أنشطة تجارية مدرّة للربح. وقد سجلت بلادنا في أكثر من مناسبة وفاة حوامل أثناء الوضع بسبب غياب الرعاية الصحية. وإلى حد اليوم ما تزال المرأة العاملة لا تتمتع بعطلة ما قبل الولادة، في حين أنّ عطلة ما بعد الولادة لا تتجاوز الشهر في القطاع الخاص والشهرين في القطاع العام. ومن ناحية أخرى فقد تفككت تقريبا منظومة المحاضن ورياض الأطفال التابعة للبلديات لتحلّ محلها المحاضن ورياض الأطفال الخاصة باهظة التكاليف. كما أنّ المؤسسات الخاصة لا تحترم مقتضيات مجلة الشغل فيما يتعلق بقاعات الرضاعة….

3ـ تنتشر الأمية في صفوف النساء. فهي تبلغ %25 مقابل 12,4% في صفوف الذكور و19% نسبة أمية وطنية. وتصل نسبة الأمية في صفوف النساء في الوسط غير البلدي إلى 32,2% مقابل 12,5% لدى الذكور. وترتفع نسبة الأمية في الولايات الغربية لتصل إل 41,2 أما نسبة الانقطاع عن الدراسة بالنسبة إلى الفتيات فقد ارتفعت إلى معدلات مفزعة حيث فاق 40% خاصة في الوسط الريفي. ومن جهة أخرى لم تتغير جوهريا صورة المرأة في المنتوجات الثقافية، بل إنّ هذه الصورة تدهورت، إذ تعمد اللوبيات المسيطرة على أهم القنوات الفضائية وشركات الإنتاج إلى تبضيع المرأة التونسية وتشويه صورتها بحثا عن الإثارة وعن الربح ، مقدمة خدمة جليلة للتيارات الظلامية والإرهابية التي تستعمل هذه الصورة لتشويه مبدأ حرية المرأة ومبدأ المساواة بينها وبين الرجل وتسويقهما على أنهما مرادفان للفساد وخراب العائلة ومن ثمة الترويج لأكثر الأفكار رجعية أي الأفكار الداعية إلى إعادة المرأة إلى المنزل وتحجيبها أو تنقيبها وحصر دورها في الإنجاب والعناية بالبيت. وما تزال برامج التعليم على حالها، إذ هي تعيد إنتاج السيطرة الذكورية وتعزّز الموروثات التمييزية ضد النساء.

4ـ رغم كثرة الكفاءات النسائية فإنّ النساء التونسيات مازلن مقصيّات من مراكز القرار. ففي سنة 2012 تمثل النساء 72% من الصيادلة و42 % من الأطباء و31% من المحامين و29% من القضاة و34% من الصحفيين و40% من أساتذة التعليم العالي و21% من العاملين بالقطاع العام. كما تمثل الإناث 60% من طلبة الجامعات وفي سنة 2014 يمثل العاملات والموظفات الحاصلات على مستوى ثانوي وجامعي60% من النساء المشتغلات. ومع ذلك فإنّ النساء اللواتي يشغلن مواقع قرار لا تتجاوز نسبتهن في القطاع العمومي 2,03% بالنسبة إلى مجموع النساء الموظفات و0,76% بالنسبة إلى مجموع الموظفين. ومن جهة أخرى فإنّ أكبر 30 مؤسسة في البلاد لا توجد سوى 4 نساء في مجالس إدارتها. وفي المجال السياسي يكاد يكون حضور النساء في الحكومة شكليا وهن مغيّبات بالكامل في رئاسة الولايات. ولا تتجاوز نسبتهن الثلث في مجلس نواب الشعب. وماتزال الأحزاب السياسية وكبريات المنظمات الوطنية يسيطر على قياداتها العنصر الذكوري.

 5ـ إنّ النساء التونسيات عرضة للعنف. وتكشف الأرقام المنشورة إثر تحقيق شمل 20 ولاية من ولايات الجمهورية قبل بضع سنوات أنّ نصف النساء تقريبا (47,6 %) تعرضن للعنف البدني على الأقل مرة واحدة في حياتهن، في حين أنّ النسبة العالمية لا تتجاوز الـ 20% وتبلغ نسبة النساء اللواتي تعرضن للعنف من الزوج 78% وبالنظر إلى غياب آليات جدية لمقاومة العنف المسلط على النساء فإنّ 42 %من المعنّفات لا يتجرّأن عن الحديث عن ذلك في حين تغادر 40% منهن منزل الزوجية ولا تتقدم بشكوى إلاّ 17,8% فقط. يضاف إلى كل هذا مختلف أشكال العنف التي يتعرض لها النساء في مراكز العمل ومن بين هذه الأشكال التحرش الجنسي.  ومايزال القانون الإطاري لمقاومة العنف المسلط على النساء وحمايتهن منه لم يصدر إلى حد الآن رغم الوعد بإصداره قبل موفي السنة المنقضية.

13 اوت 2017 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى