أخبار عاجلة
الرئيسية / صوت الوطن / تغيير النظام الانتخابي: هجمة إعلامية موجّهة ومغالطات لإعادة إرساء الحكم الفردي

تغيير النظام الانتخابي: هجمة إعلامية موجّهة ومغالطات لإعادة إرساء الحكم الفردي

نظام الاقتراع حجر الزاوية في النظام السياسي

أعلن الباجي قايد السبسي عن خطّة لتغيير النظام الانتخابي الحالي (النسبي على القائمات مع أكبر البقايا)، الذي يضمن التمثيل النسبي للناخبين ولا يقصي أيّ جزء مهم منهم، من التمثيل في مؤسسات الدولة المنتخبة، وتمكين الأحزاب المتوسّطة وحتى البعض من الصغيرة من التواجد في تلك المؤسسات المنتخبة بما أنها تمثل تعبيرة من التعبيرات السياسية التي يرتاح لها وتتوافق مع تطلعات جزء من المواطنين.. وزيادة على ذلك فان هذا النظام، وعلى نقيض ما يروجونه، هو الذي، أكثر من غيره، يترك الباب مفتوحا للمستقلّين (غير االمتحزّبين) الذين لا تتوفّر لديهم “ماكينة” انتخابية مثل الأحزاب لإمكانية الفوز، وهذا حصل في تونس بمناسبة انتخاب المجلس التأسيسي والمجلس التشريعي الحالي…

أصحاب مشروع تغيير النظام الانتخابي يريدون تغييره بنظام التصويت على الأفراد في دورتين، ويقدمون للرأي العام تعلّات تضليلية وديماغوجية استنادا إلى بعض الأساتذة في القانون الدستوري في إطار حملة إعلامية للضغط على الرأي العام.. وقد سقط الكثير في شركهم، حسبما أقرأه يوميا في تدويناتهم… ولذلك يجب الوقوف على هاته المغالطات.

للتذكير فإن اختيار نظام انتخابي هو تكتيك سياسي لا غير، فالأحزاب التي لها أغلبية نسبيّة تريد أن تحوّلها بدون وجه حق إلى أغلبية مطلقة في المجالس المنتخبة عن طريق النظام الانتخابي الأغلبي …

ولكنه موقف ديمقراطي مبدئي بالنسبة للأحزاب والفعاليات السياسية الذين يحترمون إرادة مختلف مكونات الشعب، حتى أولئك الذين يختلفون معهم، عن طريق انتخاب ممثلين لهم في الهياكل المنتخبة، والذي، بدوره لن يكون إلا بواسطة النظام النسبي…

الجميع يعلم أن العبرة بالنتائج في مسألة كهذه، وليس بالمغالطات وبالتنظير السفسطائي وحتى بالكذب كما سمعته من بعضهم لغرض في نفس يعقوب… فالنظام الانتخابي موضوع علمي تجريبي بخواتمه ونتائجه وليس بالتنظير الدّوغمائي…

لندقّق في بعض ادّعاءاتهم

قالوا أن التصويت على الأفراد في دورتين يمكّن الشخصيات المعروفة في مناطقها من تمثيل المواطنين في تلك المناطق “لأنهم يعرفونهم وهم يعرفون مشاغلهم ومطالبهم”…

هذه خرافة ومحض ادّعاء، سببها جهل بالواقع الانتخابي في البلدان الديمقراطية أو علم بها مع ترويجها عن سوء نيّة…

فكل مواطن اليوم، مهتمّ بالموضوع، له القدرة على الاطّلاع على نتائج الانتخابات في الدول الديمقراطية التي تعتمد نظام التصويت الأغلبي على الأفراد في دورتين، مثل فرنسا على سبيل الذّكر، سيكتشف المفارقة الواقعية العجيبة المتمثّلة في أن التصويت على الأفراد هو تصويت للأحزاب دون سواهم…ولا ينجح فيه سوى الأفراد الذين تسندهم “الماكينات” الانتخابية للأحزاب الكبيرة. إمّا بتقديمهم (ترشيحهم) أو بمساندتهم، حتى لو كانوا نكرات في محيطهم الانتخابي. وعادة ما تفشل الشخصيات الجهويّة المترشّحة من خارج الأحزاب أو التي لا تلقى إسنادا من ماكيناتها الانتخابية ، حتّى وإن كانوا شخصيات معتبرة جدّ ولهم إشعاع  في دائرتهم الانتخابية…

الجامعيّون المحمولون على النزاهة والعلمية والخبرة يعرفون هذا بالضرورة، ولكنهم يدافعون على هذا النظام الانتخابي.. وهذا عين النّفاق…حتى أبقى في حدود اللياقة…

في الانتخابات الفرنسية الأخيرة لم تنجح أية شخصية جهوية لم يقدّمها أو ساندها حزب، سقطوا أمام مترشّحين نكرات في دائراتهم الانتخابية الصغيرة قدّمها حزب ماكرون الذي كان الأوّل بنسبة تصويت لم تصل لثلاثين في المائة في الدور الأول ولكنّه تحصل بعد الدور الثاني على حوالي 400 نائب من جملة 577 نائبا، مما يبيّن أن التجربة التونسية بعد الثورة، بالتصويت على القائمات مع أكبر البقايا، وهي من مكاسب الثورة ويجب أن نعتز بذلك، متقدمة ديمقراطيّا على التجربة الفرنسية التي فرضها العسكري الجنرال” ديقول” الذي أسّس شبه حكم فردي للرئيس وجعل النواب “des godillots” في جمهوريته الخامسة ومازالت متواصلة إلى حد الآن، رغم مطالبة العديد من القوى الديمقراطية والتقدمية الفرنسية بضرورة المرور للجمهورية السادسة المؤسسة على المزيد من الديمقراطية وعلى النظام الانتخابي النسبي…

لا يجب أن ننسى أن تونس تقدّمت تاريخيا وحضاريا على فرنسا في عديد المجالات مثل منع الرق، وحق الزوجة في الطلاق، مساواة مع الزوج وحقها في موانع الحمل وحقّها في الإجهاض، وبعد الثورة إضافة للنظام النسبي وجوب التناصف العمودي، ثم الأفقي….الخ، بمعنى، في موضوع الحال عليها أن تأخذ المثال عنّا، لا أن نقتدي بها ممّا هي متخلفة عنّا فيه، كما يدعو لذلك “جماعة السّبسي”…

التجربة التونسية الجديدة الرّائدة يا أكارم هي التي مكّنت الشعب، صاحب السيادة، من التمثيليّة حسب ما يريده، ففوّض عنه مختلف الأحزاب والمستقلّين وفق ما يبتغيه… وهي التي، عبر نظامها الانتخابي الحالي، فتحت الباب للمترشحين من خارج الأحزاب للفوز، والدّليل على ذلك عدد القائمات المستقلة المترشّحة في كل انتخابات وعدد الفائزين منها بمقاعد في المجلس التأسيسي ومجلس النواب، خلافا لما يحصل في النظام الانتخابي الأغلبي على الأفراد بدورتين…

وهذا مفهوم، لأن مجموعة مستقلّين في قائمة مع بعضهم ودون ماكينة انتخابية لهم مع بعضهم إمكانية تجميع مختلف مناصبهم وتجميعها لفائدة القائمة لتمرير رئيس القائمة في أضعف الحالات. “فليّسْ مع فليسّْ يعملوا كْديّسْ” كما يقول المثل التونسي، وهذا ما حصل بعد الثورة…

أنور القوصري

ناشط حقوقي وسياسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى