الرئيسية / صوت الوطن / جدل حول المساواة بين النساء والرجال// بقلم: حمه الهمامي

جدل حول المساواة بين النساء والرجال// بقلم: حمه الهمامي

 

 “إن امرأة مضطهدة هي أمة مضطهدة”

جبران خليل جبران

 هذا الفصل كتب في شهر ماي من عام 2000. كنت أعيش وقتها في السرّية وطلب مني رفاقي كتابة ردّ على بيان مشترك أصدره كل من مواعدة والغنوشي دعيا فيه إلى تشكيل “جبهة وطنية ديمقراطية” لمعارضة نظام بن علي. وقد كنّا في حزب العمال رفضنا التوقيع على هذا البيان وكانت مسألة حقوق المرأة أحد أهم البنود التي برّرنا بها رفضنا هذا. وهو ما تناولناه بالشرح في الفصل التالي من الكتاب الذي يحمل عنوان: “الحد الأدنى الديمقراطي لتحالفنا اليوم وغدا”. ونحن إذ نعيد نشر هذا الفصل في الذّكرى 62 من صدور مجلّة الأحوال الشخصية فلأن الجدل حول موضوع المساواة احتدّ من جديد بمناسبة صدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، وكالعادة فقد أشهر أعداء حقوق المرأة سلاح التكفير في محاولة منهم لتحويل مجرى النقاش من مجاله السياسي والاجتماعي إلى المجال الديني. فعسى أن يجد القارئ في هذا النص بعضا من فائدة لأنّ ما يردّد اليوم ضد المساواة هو نفسه الذي رُدّدَ بالأمس. وفيما يلي النص:

 مسألة محورية   

ننتقل الآن إلى النّقطة الأخيرة في موقفنا هذا. وهي تتعلّق بمسألة الاعتراف بالمساواة القانونيّة التّامة في الحقوق بين جميع التّونسيّين كقاعدة دنيا ينتفي في غيابها الحديث عن الحرية والديمقراطية. وما يهمّنا في هذه النقطة بالذّات هو الموقف من حقوق المرأة، ومن مساواتها بالرّجل. وما من شكّ في أنّ “حركة النّهضة” تعلم أنّ هذه النقطة مثّلت محورا أساسيّا من محاور الخلاف بينها وبين حزب العمّال ومعظم فصائل الحركة الديمقراطيّة، بل يمكن القول إنّ المسألة النّسائيّة تحوّلت في بعض الفترات إلى المسألة التي تستقطب كلّ الخلافات القائمة بين الطّرفين. فإذا كان “الإسلاميّون” يعتبرون أنّ “حرية المرأة” هي البوّابة التي دخلت منها العلمانيّة لـ”ضرب الإسلام”، وبالتّالي ينبغي سدّها بضرب ما اكتُسِب في إطار تلك الحرّية، فإنّ القوى الدّيمقراطيّة بمختلف نزعاتها اليساريّة واللّيبراليّة والإصلاحيّة والقوميّة كانت تعتبر (ولا تزال في الحقيقة) موقف “الإسلاميّين” من حقوق المرأة المقياس الذي تحدّد به مدى تقدّمهم في تبنّي مبادئ الحرّية والدّيمقراطيّة والمساواة في مختلف الميادين. لقد جعل “الإسلاميّون” منذ ظهورهم في السّاحة، المكاسب المحقّقة للنّساء التّونسيات في مجلّة الأحوال الشّخصيّة، وخاصّة ما تعلّق منها بتعدّد الزّوجات الذي ألغته تلك المجلّة واعتبرته مخالفة يعاقب عليها القانون، هدفا من أهدافهم الأساسيّة ومجالا من المجالات التي يزايدون بها على النّظام وعلى القوى الدّيمقراطيّة حول “الالتزام بالدّين الإسلامي” مُعتبرين من يتبنّى تلك المكتسبات القانونية مارقا عن هذا الدّين. وفي هذا السّياق طالبت الحركة في ندوة صحفيّة سنة 1985 بتنظيم استفتاء حول أحكام مجلّة الأحوال الشخصيّة “المنافية للإسلام”، ولكنّها سرعان ما تراجعت عن دعوتها بسبب ردّة الفعل القويّة للأوساط الدّيمقراطيّة. ورغم أنّ الخطاب “النّهضوي” تغيّر نوعا ما منذ تلك الفترة فإنّ ذلك لا يعني أنّ الحركة عدّلت مواقفها الجوهريّة وتبنّت بدون لُبس مبدأ المساواة الحقوقيّة بين الجنسين. ففي جويلية 1988 نشر راشد الغنّوشي بيانا في جريدة “الصّباح” أوضح فيه موقف الحركة من عدّة قضايا من بينها مجلّة الأحوال الشّخصيّة، مُعربا عن “احترام الحركة لها” مع ترك الباب مفتوحــا لإمكــانيّة معــارضة بعض أحكــامهــا. وقد ارتبطت هذه الخطوة بمســاعي الحركة إلى الحصول على اعتراف السّلطات بها، خاصّة أنّ الفصل الثّاني من قانون الأحزاب الذي سنّه بن علي يشترط “احترام المبادئ المتعلّقة بالأحوال الشّخصيّة والدّفاع عنها”. وفي نوفمبر 1988، أمضت “الحركة”، في شخص نورالدّين البحيري على الميثاق الوطني (وهو ميثاق رفض حزب العمّال توقيعه لأسباب لا يمكن شرحها هنا) الذي أكّد “مبدأ المساواة بين المواطنين رجالا ونساء بدون تمييز بسبب الدّين أو اللّون أو الرّأي أو الانتماء السّياسي”، وأخيرا فإنّ راشد الغنّوشي صرّح في مهجره حسب بعض الوثائق أنّ الحركة التي يتزعّمها لا ترفض كلّ الإصلاحات البورقيبيّة في مجال حقوق المرأة.

أمّا البيان المشترك الذي وقّعه محمد مواعدة وراشد الغنّوشي بمناسبة الذّكرى 45 لـ”استقلال تونس” فقد جاء في النّقطة التّاسعة منه (النّسخة العربيّة) ما يلي: “… وفي هذا الإطار دعم الخطوات الإيجابيّة التي قطعها مجتمعنا في عدد من المجالات كالتّعليم وحقوق المرأة والمساواة بين الجنسين”. وهذه أوّل مرّة تمضي فيها “حركة النّهضة” بيانا فيه مثل هذا الكلام. ولكن لا أحد يخفى عليه طابع هذا الكلام العامّ، إذ أنّ الموافقة عليه لا تعني بالضّرورة اتّفاقا حول التّفاصيل. ولسائل أن يسأل: ما المقصود بـ”الخطوات الإيجابيّة المقطوعة” في مجال “حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين”: هل أنّ منع تعدّد الزّوجات يندرج ضمن تلك الخطوات؟ وكذلك حقّ المرأة في اختيار زوجها وتنظيم نسلها (الإجهاض) والسّفر بمفردها والشّهادة وفي طلب الطّلاق وفي التّمتّع بالولاية وفي ممارسة مهنة القضاء؟ وهل أنّ إقرار مبدأ التّبنّي يندرج هو أيضا ضمن تلك الخطوات؟ وكذلك الاختلاط في المدارس والكلّيات ومراكز العمل والأماكن العموميّة؟ ثمّ ما هي الخطوات التي لم تُقطع بعدُ من أجل تحقيق المساواة الحقوقيّة بين الجنسين؟ فنحن نعلم جيّدا أنّ التّشريع التّونسي لم يسوِّ بعد بين الجنسين: فالدّستور يخلو من أيّ فصل ينصّ صراحة على المساواة بين النّساء والرّجال في الحقوق والواجبات ويجرّم التّمييز. وبالنّظر إلى انعدام الحرّية السيّاسيّة في بلادنا ومنها حرّية التّرشّح لكافّة وظائف الدّولة، فإنّنا لا نعرف إلى حدّ الآن إن كان الفصل 40 من الدّستور الخاصّ بانتخاب رئيس الدّولة، يشمل النّساء أم لا يشملهنّ؟ فهل أنّ “حركة النّهضة” مع حقّهنّ في التّرشّح للرّئاسة ومع ضرورة وضع بند في الدّستور (اليوم أو غدا) يلغي التّمييز بين الجنسين؟ وفي مجال الأحوال الشّخصيّة، هل أنّ حقّ المرأة في الزّواج بدون تمييز بسبب الجنس أو الدّين (مثلما هو منصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي اتّفاقيّة الأمم المتّحدة للقضاء على جميع أشكال التّمييز ضدّ المرأة وفي ميثاق الرّابطة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الإنسان). وإلغاء مؤسّسة المهر وإقرار المسؤولية المشتركة في العــائلة وحقّ الزوجة في الولاية على أطفــالهــا مثلها مثل الزوج والمســاواة في الإرث، يدخل ضمن الخطوات الجديدة التي ينبغي دعم المكاسب بها لتحقيق المساواة الحقوقية التامة بينها وبين الرجل؟ وإلى ذلك فهل أن “حركة النهضة” لا تزال تعتبر الحجاب “اللباس الإسلامي” أو “الشرعي” الذي ينبغي إلزام النساء بارتدائه أم هل أنها أصبحت تعتبره مجرّد لباس شخصي اختياري لا يفرض على الغير، بل إن محاولة فرضه انتهاك للحرية الشخصيّة مثلها مثل محاولة منعه من قبل نظام بن علي البوليسي (المنشور 108)؟ وأخيرا وليس آخرا هل أن “حركة النهضة” تعتبر شغل النساء حقّا غير قابل للتصرّف أم أنها تربطه بشروط؟ ونفس السؤال يُثار بالطبع في علاقة بكل المجالات التي اقتحمتها المرأة التونسية من تعليم وغيره.

إنّ ما يشرّع طرح هذه الأسئلة وما يحمل على الاعتقاد بأنّ الكلمات والعبارات والمبادئ العامّة قد لا تعني نفس الشّيء بالنّسبة إلى مختلف الأطراف، وهو ما يحتّم مناقشتها بدقّة وتفصيل، ما يلاحظه المرء من أنّ البيان الختامي للمؤتمر السّابع “لحركة النّهضة” أهمل الحديث عن حقوق المرأة وعن المساواة بين الجنسين، بل إنّ البيان سكت سكوتا تامّا عن موضوع المرأة التّونسيّة في حين كان من المنتظر أن يعيد على الأقلّ في بند من بنوده ما كان وقّعه راشد الغنّوشي مع محمد مواعدة في بيانهما المشترك. إنّ كلّ ما جاء في البيان الختامي للمؤتمر فقرة عن مكانة المرأة داخل “حركة النّهضة” و”ضرورة تعزيز صورتها وتمثيلها في مختلف المؤسّسات القياديّة وإنزالها المنزلة الرّفيعة التي خصّها بها ديننا الإسلامي”. فالأمر كما نرى يتعلّق بالمرأة في تنظيم “النّهضة” وليس المرأة التّونسيّة بشكل عامّ. وهو لا يعني بأيّة صورة من الصّور اعترافا من الحركة بحقوقها وبالمساواة بينها وبين الرّجل داخل العائلة والمجتمع، أمّا عبارة “المنزلة الرّفيعة التي خصّ بها الإسلام المرأة” فهي لا تفيد شيئا إذا عرفنا أنّ الحركات الإسلاميّة لا تعتبر أنّ التمييز الجنسي الوارد في أحكام الشّريعة الإسلاميّة ينال من حقوق المرأة أو ينتهك مبدأ المساواة بينها وبين الرّجل، بل تعتبره “عدلا” يندرج في إطار مراعاة “الاختلاف في الوظائف والمسؤوليات”.

أمّا العامل الثّاني الذي يشرّع تلك الأسئلة فيتمثّل في إحجام البيان الختامي عن إدراج أسماء المصلحين المسلمين الذين نادوا بتحرير المرأة المسلمة من استبداد الرّجل والمجتمع وعلى رأسهم المصري قاسم أمين والتّونسي الطّاهر الحدّاد ضمن قائمة من اعتبرتهم الحركة “مصلحين” في عصرنا الحديث، بل إنّنا لا نجد في هذه القائمة مصلحا واحدا مناصرا للمساواة الحقوقيّة بين الجنسين وإن كان البعض منهم (محمد عبده…) أفضل من غيره إذ يوجد في القائمة من هم يعادون تلك المساواة عداء تامّا. ومن بين هؤلاء يذكر البيان شيخين تونسيّين تعتبرهما “حركة النّهضة” من “العلمــاء والمشــايخ الذين مثّلــوا جسر التّواصــل بين حركة الإصــلاح الإســلامي والحركة الإسلاميّة المعاصرة…”. وهذان الشّيخان هُما: محمّد الصّالح النّيفر المعروف بعدائه الشّديد للطّاهر الحدّاد، ومحمد الأخوة الذي لم يتردّد سنة 1989 بمناسبة ترشّحه للانتخابات التّشريعيّة ضمن قائمة تساندها “حركة النّهضة”، في التّصريح بأنّ الدّعوة إلى المساواة بين الجنسين في الحقوق مساواة تامّة تمثّل “حربا على الإسلام” وطالب في هذا الصّدد بمراجعة بنود مجلّة الأحوال الشّخصيّة التي تلغي تعدّد الزّوجات وتمنح المرأة حقّ طلب الطّلاق وتقرّ مبدأ التّبنّي، كما نفى بالمناسبة حقّ المرأة في التّرشّح للرّئاسة.(المغرب العربي -العدد 147- 14 أفريل 1989).

تقديس التاريخ

وخلاصة القول إنّ موقف “حركة النّهضة” من قضيّة المرأة لا يزال يكتنفه الغموض. فهو يتأرجح بين خطاب عام يناصر ظاهريا “المساواة بين الجنسين” و”تكريم المرأة التي كرّمها الإسلام” وبين الدّفاع في الواقع عن العديد من مظاهر التّمييز بين الجنسين، ويعود السّبب في هذا التّأرجح إلى نفس السّبب الذي جعل الحركة تتأرجح في مجال حقوق الإنسان بين الدّفاع عنها بشكل عامّ ومواصلة تبنّي “الحدود الشّرعيّة” رغم تناقضها مع تلك الحقوق. وهذا السّبب يتمثّل في كونها أسيرة نظرة مثاليّة، ميتافيزيقيّة، ثبوتيّة، للأحكام المتعلّقة بالمرأة والأسرة في الإسلام.

لقد دأبت الحركات الإسلاميّة، ومنها “حركة النّهضة”، على تقديم تلك الأحكام كأنّها استحدثها الإسلام. وعلى هذا الأساس أضفت عليها صبغة قدسيّة وجعلتها صالحة لكلّ زمان ومكان متّهمة من يجرؤ على نقدها والمطالبة بتغييرها “بالخروج عن الملّة” أي الكفر، فضلا عن اتّهام النّساء اللّواتي يدافعن عن المساواة بتهم أخلاقيّة هابطة. وهذا السّلوك خاطئ بمختلف المقاييس ويؤدّي إلى رفض التّطوّر والتّقدّم والحكم على المجتمعات العربيّة والإسلاميّة بالتّخلّف المزمن باعتبار أنّ مجتمعات نصفها مشلول لا يمكن أن تقدر على الحركة والنّمو بصورة طبيعيّة. فالمتمعّن في أحكام الإسلام المعنيّة أي في مجال الأحوال الشّخصيّة خاصّة يلاحظ بيسر أنّها مأخوذة بدون استثناء من أعراف وتقاليد القبائل العربيّة (في مكّة ويثرب ومن سكن في جوارهما من بدو…) في “الجاهليّة” وقد كان بعض هذه الأعراف والتّقاليد شائعا، كما كان بعضها الآخر، جديدا ناشئا. وقد أخذ الإسلام من هذا وذاك مع بعض التّعديل (في حالات قليلة جدّا بالنسبة إلى نقاط موضوعنا وليس بالنّسبة إلى موضوع المرأة والعائلة عامّة…) وصاغ منها أحكاما اعتمدها الفقهاء لاحقا لبلورة منظومة أحوال شخصيّة أُمثلت مع الزّمن وأحيطت بالتّقديس. ولا يزال يروّج إلى اليوم أنّها “الحقيقة المطلقة”.
إنّ الولاية على البنت وتزويجها، وإن كانت صغيرة، بمن يريده وليّها أو يوافق عليه والمهر (الصّداق) وتعدّد الزّوجات والتّمتع بالإماء (ما ملكت اليمين) وزواج المتعة وقوامة الرّجـال على النّساء (زواج البعولة) وطاعة الزّوجة للزّوج طاعة كاملة وولاية الأب على الأبناء وانتسابهم إليه (الولد للفراش وللعاهر الحجر حسب عبارة أكتم بن صيفي حكيم العرب) وتفضيل الذّكور على الإناث واستئثار الرّجل بالطّلاق (ليس للمرأة الحقّ إلاّ في الخلع وهو مفارقة الزّوج مقابل مال تفدي به نفسها) وطلاق المرأة ثلاثا على التّفرقة وتحليل الزّواج منها بعد ذلك بزواجها بغريب وضرب النّساء (خاصّة في قريش) وتوريث البنت وفق مبدأ وللذّكر مثل حظّ الأنثيين (كانت المرأة لا ترث عادة لأنّها لا تقاتل ولا تحوز الغنيمة ولكن “ذو المجاسد” عامر بن خشم بن عتم بن حبيب بن كعب ين يشكر القرشي أورث بناته فأعطاهنّ نصف ما أعطى لأبنائه…) وقتل “الزّانية” (الرّجم: الإسلام عمّم العقوبة، شأنه شأن اليهوديّة على الزّاني والزّانية) وعدم إشهاد المرأة وعدم تحمّلها المسؤوليّة على رأس القبيلة ولباس الحجاب وقذف الزّوج زوجته بـ”الزّنى” كلّها كانت أعرافا وتقاليد عربيّة ما قبل إسلاميّة.

وبعبارة أخرى فهي كلّها منتجات تاريخيّة، وكما هو واضح فهي قائمة على الميز، ولا غرابة في ذلك فهي تحمل سمات المجتمع العربي القبلي “الجاهلي” القائم على الحرب والغنيمة في الأساس والذي كانت تحتلّ فيه المرأة بشكل عامّ (نقول بشكل عامّ لوجود خصوصيات في وضع النّساء: بين الشّريفة، من الأشراف، والمرأة العادية، بين المرأة في مكّة والمرأة في اليمن، أو في المدينة…) مكانة دونيّة. فهي أداة متعة مسخّرة للرّجال ولم تكن ثمّة بالتّالي أيّة حكمة في تعدّد الزّوجات والتسرّي أو في قوامة الرّجل على المرأة أو في استئثاره بالطّلاق أو في أي عرف أو تقليد من الأعراف والتّقاليد التي ذكرناها أعلاه غير “حكمة” البنى الاجتماعية العربيّة “الجاهليّة” المتخلّفة، مع علم أنّ بعض تلك الأعراف والتّقاليد (الحريم، الحجاب أو النّقاب، اعتبار المرأة مخلوقة للرّجل إلخ…) كان شائعا وسائدا في مجتمعات أخرى سابقة لظهور الإسلام.

وهكذا فإنّ تبنّي الإسلام (قرآنا وسنّة وفقها) تلك الأعراف والتّقاليد (مع علم أنّ الإسلام لم يأخذ دائما الأعراف والتّقاليد الأكثر تقدّما في تلك الفترة، إذ كان لقريش التي كان وضع المرأة فيها وضع أسوأ ممّا هو في المدينة مثلا، ثقل هامّ في تبنّي هذا العرف أو ذاك) وإدراجها ضمن منظومة أحوال شخصيّة متميّزة لا ينزع عنها تاريخيّتها ولا طابعها التّمييزي الواضح. فالإسلام ذاته لم يكن بمعزل عن الظّرفيّة التّاريخيّة التي ظهر فيها والتي حمل خصائصها، كما هو الحال في قضيّة المرأة هنا. فالأحكام التي تبنّاها، والتي تسمّى شرعيّة، قائمة على عدم المساواة. وقد كانت اللاّمساواة بين الجنسين ظاهرة تاريخيّة عامّة في مجتمعات ذلك الوقت، بل تعتبر، طبيعيّة بقطع النّظر عن الأغلفة الإيديولوجيّة التي تغلّف بها. ولم تطرح المساواة الحقوقيّة إلاّ في العصر الحديث نتيجة الانقــلابـات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والفكريّة والعلميّة التي شهدتها الإنسانيّة، وبطبيعة الحال فإنّ ذلك لا ينفي وجود خطوات جزئيّة قطعتها البشريّة قبل ذلك، وساهم فيها العرب والمسلمون، في اتّجاه تحسين مكانة المرأة معنويّا ومادّيا. ولكنّ السّمة العامّة لوضع المرأة، وخاصّة في المجتمع العربي الإسلامي في العصور الوسطى كانت سلبيّة. وكُتب التّاريخ والتّفسير والفقه والأدب موجودة للتّدليل على ذلك.

لا مفرّ من التقدم

وعلى هذا الأساس فنحن نعتقد أنه لا مفرّ بالنّسبة إلى كلّ عاقل من أن يتعامل مع منظومة الأحوال الشّخصيّة العربيّة الإسلاميّة تعاملا يراعي طابعها التّاريخي وبالتّالي النّسبي والانتقالي، وليست المسألة هنا مسألة عقيدة وإيمان بل المسألة مسألة اجتماعيّة وسياسيّة وقيميّة، فإمّا أنّ المرء سيقرّ هذه الحقيقة ويراعي ما حصل من تغيّرات كبيرة في العصور الحديثة، كان لها انعكاس على مكانة المرأة في العائلة والمجتمع، ممّا ساعد على طرح قضيّة حقوقها والمساواة بينها وبين الرّجل مساواة تامّة وفق المعايير المعاصرة، كما ساعدت على إظهار خور كلّ الأفكار المسبقة حول دونيتها، سواء كانت دينيّة أو فلسفيّة، أو اجتماعيّة أو “علمويّة”، أو أنّه سينكرها ويظلّ يدافع عن اضطهاد النّساء ويقف ضدّ حريتهنّ وحقوقهنّ مهما كانت الأغلفة التي سيغلّف بها موقفه هذا، والتي لن تقنع، بل لن تصمد أمام تيّار الحرّية والتّقدّم الجارف حتّى وإن ساعد هذا الظّرف أو ذاك على إعادة بريق زائف لها، لأنّ الاضطهاد يبقى الاضطهاد و اللاّمساواة تبقى اللاّمساواة، وما يتبيّن أنّه لا منطق فيه، ستتكفّل الحياة بإزالته.

المساواة لا تفقد المسلم هوّيته 

وإنّنا لنتساءل كما سبق أن تساءلنا عندما تعرّضنا لمسألة الحدود: هل أنّ المسلم متضرّر حقّا في إيمانه وهويّته ومتنكّر لهما حين يتخلّى عن تعدّد الزّوجات وكافّة مظاهر امتهان المرأة واضطهادها ويعترف لها بحقوقها وبالمساواة بينها وبينه في مختلف المجالات بدون استثناء، لأنّه ما من شيء يحقّ للرّجل إلاّ وكان يحقّ للمرأة أيضا باعتباره، أي الرّجل، لا يختصّ عنها بأيّ شيء يفضّله عنها أو يمنحه حقوق زائدة عليها؟ فهل الإيمان في هذه الحالة لا يستقيم إلاّ باضطهاد المرأة وعدم الاعتراف لها بحقوقها؟ أفلا يعني هذا أنّ الإيمان بالنّسبة إليهم لا يمكن أن يبقى في ظلّ العدل والمساواة أو أنّ اللّه حسبما يصوّرونه لا يحتمل أن تنتهي اللاّمساواة بين البشر كما لا يحتمل أن يسْمُو بعلاقتهم إلى مستوى يتخلّصون فيه من طبائعهم الوحشيّة التي يمثّل اضطهاد الرّجل للمرأة واحدة من أهمّ تلك الطّبائع؟ أليست هذه رغبة القوى الرجعية في الحقيقة مغلّفة بغلاف سماوي؟ ثمّ أيّة هويّة هذه إذا كانت رموزها أو من رموزها تعدّد الزّوجات وضرب المرأة تأديبا لها والتّصرّف فيها كبضاعة تطليقا ومراجعة، وحرمانها من حقوقها السّياسيّة بدعوى أنّها “ناقصة عقل ودين” إلى جانب ما ذكرنا من جلد وقطع يد وتقطيع أوصال ورجم؟ أهذه هي الهويّة التي يريدها المسلم أو العربي لنفسه؟ هل الهويّة تحدّد بالأحكــام النسبيّة والانتقالية؟ من له في حقيقة الأمر مصلحة في استمرار اضطهاد المرأة وعدم تمتّعها بحقوقها الأساسيّة؟ المؤمن العادي، البسيط، الكادح أم أصحاب السّلطان الذين لهم مصلحة في تلويث وعيه حتى يحافظوا على السّيطرة عليه وعلى مصيره، في الوقت الذي نراهم فيه يستدعون الجيوش الأمريكيّة على أراضيهم لضرب أشقّائهم، ويتفرّجون على الكيان الصّهيوني الغاشم يصفّي الشّعب الفلسطيني الشّهيد ولا يتحرّكون قيد أنملة؟

وأخيرا وليس آخرا هل أنّ الشّعب التّونسي الذي ألغى، من بين جميع الشّعوب العربيّة والإسلاميّة تعدّد الزّوجات قد أضاع هويّته؟ أم هل أنّه سما بنفسه وخطى خطوة نحو تحقيق إنسانيّته وهو أمر عليه أن يفخر به؟ ألم يحوّل التّمسّك بمختلف أشكال اضطهاد المرأة الدّول العربيّة خصوصا إلى “مهزلة” بين دول العالم؟ أفلا يلاحظ المرء إلى أيّ مدى يرتبط الاستبداد السّياسي والاستغلال الاقتصادي والاجتماعي والتّخلّف بشكل عامّ في الدّول العربيّة والإسلاميّة بمكانة المرأة الدّونيّة؟ أليس من علامات تخلّف شعب ما أو أمّة ما تخلّف وضع المرأة فيها؟

تكريم المرأة في ضمان حقوقها   

إنّ تكريم المرأة الحقيقي هو في الاعتراف لها بحقوقها الفعليّة الملموسة، الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافيّة وبالمساواة التّامة بينها وبين الرّجل وإلاّ فإنّ الحديث عن “قيم الحرّية والمساواة” يصبح لغْوًا. لأنّه لا حرّية دون حقوق ومساواة. ولأنّ المجتمع الذي لا مساواة فيه بين الجنسين ولا حقوق فعليّة فيه للنّساء ليس مجتمعا حرّا، بل إنّ الاعتراف بالمساواة بين المرأة والرّجل يمثّل المعيار الحقيقي لمدى تأصّل قيمة الحرّية داخل الإنسان ولمدى تحضّره وتمدّنه وانتصار الطّبيعة الإنسانيّة فيه على الطّبيعة الحيوانيّة، وعلى هذا الأساس فهي معيار لقياس مدى ديمقراطيّة برنامج أيّة قوّة سياسيّة، وهذا ما يدعونا إلى اعتبار أنّ الدّفاع عن حقوق المرأة وعن المساواة التّامة بين الجنسين يمثّل بندا من أهمّ بنود أيّة أرضيّة دنيا قد تجمع أحزاب المعارضة التّونسيّة. فالمطلوب ليس شيئا أدنى ممّا تحقّق في تونس على المستوى القانوني فيما يتعلّق بتلك الحقوق والمساواة، بل المطلوب هو المضيّ قدما في اتّجاه استكمال المساواة التّامة بين الجنسين في الحقوق، وإلاّ فأيّة شرعيّة للمعارضة التي تواجه الدّكتاتوريّة النّوفمبريّة التي نراها توظّف قضيّة حقوق المرأة توظيفا سياسويّا لإخفاء أعوارها؟ وممّا سيستمدّ النّظام المنشود ديمقراطيّته إن لم يكن من الاعتراف للمرأة التّونسيّة بحقوقها وبالمساواة بينها وبين الرّجل أيضا؟ إنّنا لا نعالج هنا بالطّبع مختلف أوجه واقع المرأة التّونسيّة، ولكنّنا نعالج فقط الحدّ الأدنى منه، القانوني، المتمثّل في الاعتراف بها قانونا كمواطنة، كاملة الحقوق.

ونحن نقول ختاما لهذه النّقطة إنّ ارتقاء المرأة في السّلم التّنظيمي صلب “حركة النّهضة” ليس هو التّكريم الحقيقي المطلوب لها، فالمسألة فكريّة وسياسيّة واجتماعيّة قبل أن تكون تنظيميّة.
فأيّة فائدة ستعود إلى نساء تونس المضطهدات والمستغلاّت والطّامحات إلى الحرّية والمساواة من وجود امرأة قياديّة في الحركة الإسلاميّة وهي تقنعهم مثلا أنّهنّ “ناقصات عقل ودين” وأنّ “طبيعتهنّ” لا تؤهّلهنّ لتحمّل المسؤوليّة عدْلاً مع الرّجل في العائلة والمجتمع، وأنّهنّ مدعوّات، لحكمة “ربّانية”، بأن يقبلن زواج أزواجهنّ عليهنّ بثانيّة وثالثة ورابعة، وبأنّ الاحتجاب من “الإيمان” إلى غير ذلك من الدّعوات المنافية لحرّية المرأة وحقوقها. نقول هذا ونحن نعتقد أنّ النّساء “النّهضويات” وزوجات “النّهضويّين” المسجونين والمنفيّين قد أظهرن من الجرأة والشّجاعة في الدّفاع عن ذواتهنّ وأزواجهنّ وأطفالهنّ، وقدّمن من التّضحيات، ما يجعل المرء يستغرب شديد الاستغراب أن يتوجّه إليهنّ أزواجهنّ أو زملاؤهنّ في الحركة بعد ذلك كلّه، بالقول: إنّكنّ لا تستحقّن “شريعةً” التّمتع بالمساواة التّامّة في الحقوق أو إنّكنّ لستنّ مؤهّلات لتحمّل عبء هذه المسؤوليّة أو تلك!

وإلى ذلك فنحن لا نعتقد اليوم أنه سيكون من السّهل لأية قوّة سياسية أن تعود بالنساء التونسيات إلى الوراء وأن تفعل بهنّ ما يفعله بهنّ “طالبان” أو حركات أخرى أقلّ تشددا. إن ذلك سيقتضي عنفا ضدّ النساء لا سابق له. وهو أمر لن يبقى المجتمع يتفرّج عليه.


تونس: أفريل – ماي 2001

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى