الرئيسية / أقلام / ماكرون رئيس لكل الفرنسيين أم للأثرياء فقط؟

ماكرون رئيس لكل الفرنسيين أم للأثرياء فقط؟

الرجّة التي أحدثها الحراك الاجتماعي في فرنسا منذ ما يزيد عن السنة وخاصة منه تحرّكات أصحاب “السترات الصفراء” وما أثارته من طرح لكبرى القضايا التي تؤرّق الشعب الفرنسي، أظهرت لهذا الأخير أنه يعيش في بلد تتعمّق فيه الفوارق الاجتماعية حيث يزداد الأثرياء ثراء والفقراء فقرا. وقد تزامن ذلك مع اكتشاف الطبقات الشعبية أن وعود ماكرون الانتخابية لم تكن سوى طعم لكسب أصواتهم.

ما ان شرعت حكومة ماكرون في تقديم برامجها الاقتصادية والاجتماعية حتى ظهرت طبيعتها الطبقية الحقيقية التي تبرز ماكرون كرئيس لا لكل الفرنسيين بل وفقط للأثرياء منهم ولأرباب العمل وتجّار ا

لسلاح. فالإعفاءات الجبائيّة التي متّع بها أصحاب الثروات الكبرى بحذفه للضريبة على الثّروة وتعويضها بأخرى أقلّ منها لا تشمل إلاّ الأملاك العقارية، وفي ذات الوقت مواصلة الهجوم على لقمة عيش الكادحين ومكاسبهم المحقّقة منذ عشرات السنين والتي تجعل

هم عرضة للهشاشة الشّغلية بدعوى مرونة العمل والمساس الجوهري بمنظومتي التّغطية الاجتماعية والتّقاعد، كل ذلك رفع القناع على خطاب الرئيس الانتخابي والذي وعد فيه الفرنسيين، كل الفرنسيين بالجنّة.

لكن المقاومة التي انخرطت فيها قطاعات كبرى جعلت الرئيس ماكرون يعيد حساباته ويُجبر على الإنصات لنبض الشارع، فانبرت إدارته لتنظيم استشارة واسعة لتحديد كبريات القضايا التي تستحقّ تدخّلا عاجلا، وتداولت وسائل الإعلام على الترويج لصورة الرئيس الشّاب المنصت للجميع والمتحاور معهم، حتى أن هذه الصورة ألهمت بعض السياسيين في بلادنا، فراحوا يقلّدون في شكل هزلي صورة ماكرون عند تنظيم الحوار الوطني حول النهوض بالمنظومة الصحيّة بعدما تتالت الكوارث التي أودت بحياة العديد من التونسيين والتونسيات. وانتظر الجميع اليوم الموعود ليفصح ماكرون عن استنتاجاته وعن الحلول التي يقترحها للمستقبل التي جاءت حسب استطلاعات الرأي مخيّبة لآمال غالبية الفرنسيين.

ففي الملف الاجتماعي، اعتمدت الحلول المقترحة على المغالطات وعلى تعويم القضايا الفعلية في متاهات الأرقام الكاذبة كالحديث عن التخفيض ب

Résultat de recherche d'images pour "macron vs gilet jaune"

قيمة 5 مليار يورو من الدّخل عن الضرائب، وهو إجراء زيادة على أنه لا يهم 57 ℅ من العائلات (أي 21,5 مليون نسمة) باعتبار دخلهم الضعيف أصلا وغير الخاضع للضريبة المباشرة، لكنّهم بالمقابل يكتوون بنيران الضرائب غير المباشرة وغير العادلة مثل الضريبة على القيمة المضافة وغيرها والتي تشكّل لوحدها ثلثي مداخيل الدولة من الضرائب، فهذا النقص في مداخيل الدولة، سيتمّ تسديده  على حساب الأجراء بالتّمديد في سنوات العمل وتأخير سنّ التقاعد للجميع، وكذلك التمطيط في يوم العمل تحت الشّعار الكاذب “اعمل أكثر لتربح أكثر”. وهو تراجع ليس على المكتسبات في القرن الحادي والعشرين فحسب، بل على ما حقّقته الطبقة العاملة بنضالاتها طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى أن فرضت يوم عمل بثماني ساعات.

كما تمّ الترفيع في نسبة الخصم من جرايات المتقاعدين من 6,6 إلى 8,3℅ بما يعني تجميد مستوى جراياتهم إلى حدود 2021. إذن لم تنصف إجراءات ماكرون فقراء الفرنسيين بل أثبتت مجدّدا أنه رئيس الأثرياء والأثرياء وحدهم.

ولم تكن إجاباته المتعلّقة بالملف السياسي أكثر طمأنة. فالحلول المقدّمة لمأزق الديمقراطية جاءت هزيلة وهزليّة مثل اقتراحه تعويض “المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي” بـ “مجلس المشاركة المواطنية” الذي يحافظ على تركيبة المجلس الأول مضاف إليه 150 مواطنا يتمّ تعيينهم بالقرعة. أما بخصوص مقترحاته للإصلاح الدستوري، فهي ترمي أساسا، بدعوى تمكين مختلف العائلات الفكرية والسياسية من التواجد في الهيئات النيابيّة، إلى تشكيل معارضة شكليّة، متعدّدة نظريا، متحكّم فيها فعليا، وبذلك سدّ الطريق أمام أيّ شكل من أشكال المعارضة المارقة وتجريمها أيّ تجريم الحراك الاجتماعي المتنامي. كما أن خطابه، اتّسم بشحنة قوميّة مبالغ فيها لكسب جزء من ناخبي اليمين الذين ما انفكّ حزب مارين لوبان يستهويهم ويجلبهم إلى دائرة تأثيره. فجاء الخطاب صارما فيما يتعلّق بالهجرة والمهاجرين ومحذّرا من خطر التّطرف الديني موجّها إصبع الاتّهام لا إلى الإسلاميين بل إلى كل ما يمتّ بصلة إلى الإسلام والمسلمين.

تلك هي إذن معالجات الرئيس الشاب الذي بشّر في حملته الانتخابية بإنهاء الاستقطاب التقليدي يمين / يسار في فرنسا وشكّل حكومته بعد فوزه من كلا الشقين، واعدا بجعل الجميع يتآزرون لما فيها صالح فرنسا بجميع طبقاتها، متناسيا أن الصراع الطبقي معطى موضوعيا لا يتحكّم فيه هذا أو ذاك وأن الشعب الفرنسي الذي ساهم مساهمة ذات بال في تشكّل الإرث الثوري للبشرية لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يقبل بأن تطحنه آلة النيوليبرالية المتوحشة والمتمثلة لديه اليوم في ماكرون وسلطته.

مرتضى العبيدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى