الرئيسية / صوت الاقتصاد / معركة أخرى في مسلسل التّنازع حول الصّلاحيّات

معركة أخرى في مسلسل التّنازع حول الصّلاحيّات

طلبت الحكومة بصفة رسمية من مجلس النواب التفويض لها بإصدار مراسيم لتسهيل اتخاذ إجراءات استثنائية في مجالات تتطلب قوانين هي من اختصاص السلطة التشريعية، وذلك اعتمادا على الفقرة الثانية من الفصل 70 من الدستور. وقد عدّدت الحكومة المجالات التي ترغب في أن يشملها تفويض المجلس لإصدار مراسيم بشأنها. وهي تتعلّق بالاقتصاد والمالية والجباية والأمن والحريات والعلاقات الخارجية والديبلوماسية والصحة والثقافة والصناديق الاجتماعية وبعث المؤسسات… والقائمة تطول. وقد أحال مكتب المجلس مشروع القانون المقترح من الحكومة على لجنة النظام الداخلي والقوانين الانتخابية مع طلب استعجال النظر. ويُنتظر أن يعرض في إحدى الجلسات العامة القادمة إذا تمكنت اللجنة من الاتفاق بسرعة حول المشروع، إذ يبدو أنه من الصعب أن يحصل هذا المشروع على الأغلبية المعزّزة المطلوبة للمصادقة عليه (ثلاثة أخماس) في ضوء الخلافات الموجودة الآن بين مختلف الكتل.

قبل أن نتطرّق إلى ذلك يجدر التّذكير بأنّ يوسف الشاهد سعى في المدة الأخيرة من تواجده على رأس الحكومة إلى الحصول على هذا التفويض. ولكنّه صرف عنه النظر لعدم تجاوب عديد الأطراف معه.  كما يجدر التذكير بأنّ رئيس الجمهورية اعتمد يوم 18 مارس الماضي على الفصل 80 من الدستور لإعلان حالة الطوارئ، الأمر الذي اعتبره البعض بمثابة خرق للدستور لسببين: الأوّل أنه لم يذكر صراحة في بيانه للشعب مستنده القانوني عند اتخاذ القرار وهو ما كان عليه القيام به، والثاني أنه لم يستشر في ذلك الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين التي تقوم مقام المحكمة الدستورية (غير الموجودة حاليا) منذ أن حُسم الجدل، الذي جرى إثر وفاة الرئيس الأسبق الباجي قائد السبسي، حول هذه المسألة. ومع ذلك فقد صدر يوم 20 مارس بالرائد الرسمي الأمر الرئاسي الذي تدارك نقيصة ذكر المستند القانوني المعتمد.

مواقف مختلفة تعبيرا عن مصالح متضاربة

بالعودة إلى مواقف الكتل النيابية فقد أبدت كل من “حركة الشعب” و”التيار الديمقراطي” حماسهما لمنح الحكومة التفويض رغم تأكيد “حركة الشعب” مثلا أنها تشرط ذلك بضرورة حصر التفويض فيما يتعلق بمجابهة فيروس “الكورونا” دون سواها من الصلاحيات. وألمح زهير المغزاوي في معرض شرح موقف حركته إلى تحفظاته على قرارات رئيس الحكومة التي، حسبما يُفهم من كلامه، لم يستشر بشأنها الأطراف الشريكة في الحكومة. وقال صراحة إنّ الكثير من الإجراءات لا يتّفق معها ويعتبرها سخية لفائدة أصحاب المؤسسات ومجحفة في حق شرائح اجتماعية أخرى.

وفي مقابل ذلك امتنع حزب “قلب تونس” عن اتخاذ موقف صريح من المسألة في انتظار التئام “اللجنة” للاطلاع على تفاصيل تعليل الحكومة لطلبها وتدقيق غاياتها منه. وهو تقريبا ما عبّرت عنه “حركة النهضة”، مع الإشارة إلى أنّ المجلس يشتغل “بصورة طبيعية”، إذ أنّه وضع الآليات لمواصلة عمله في مستوى اللجان والجلسات العامة حتى في ظروف انتشار الوباء ممّا يعني أن ليس هناك من موجب لمنح الحكومة هذا التفويض.

ورغم أنّ الخلافات مازالت في طور جس النبض ولم تنكشف بصورة واضحة ونهائية فإنّ الأكيد، حسب ما يروج في الأروقة السياسية، أنّ “حركة النهضة” ليست متحمّسة لتلبية طلب الحكومة. ولكنها تجد حرجا في تبرير موقفها خشية أن يضعها الفخفاخ في مواجهة مع الرأي العام في ظرف حسّاس يحرص فيه كلّ طرف من أطراف الحكم على تلافي الأخطاء، سياسية كانت أو اتصالية. لكن الأكيد أنّ التجاذبات التي عاينها التونسيون في سلوك كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس المجلس لم تنته بعد. فقيس سعيد مستمرّ في “طلعاته” التي تطبخ في كواليس قصره. وهو لا يتردّد في الخروج بها للرأي العام دون علم “شركائه” في المنظومة (مثل بعث مساعدة طبية إلى إيطاليا الخ…).

أمّا رئيس الحكومة فهو يشتغل من جهته على توسيع نفوذ حكومته ما أمكن بما في ذلك تولّيها شرح إجراءات الرئيس الغامضة. وفي الجهة الثالثة ينشط الغنوشي في استقبال الوزراء ورؤساء المنظمات (ماجول وطارق الشريف والزار الخ…) ومسؤولي الهيئات الدستورية (النفاذ إلى المعلومة الخ…) والمؤسسات الإدارية والاقتصادية المحلية (المدير العام للبريد الخ…) والأجنبية (أحد كبار مسؤولي فايسبوك…) والفنانين والمثقفين والإعلاميين (جمعية مديري الصحف…) وحتى السفراء. وبطبيعة الحال فإنّ كلّ طرف من هذه الأطراف الثلاثة على وعي تام بما يريده الطرف الآخر وبما يخطّط له.

ماذا يريد رئيس الحكومة؟ 

في هذه الأجواء من التسابق والصراعات الخفية يندرج سعي رئيس الحكومة إلى تمتين أركان نفوذه في منظومة الحكم مستغلا الأزمة الحالية لإحراج مؤسسات الحكم الأخرى وفرض تمرير قرار توسيع صلاحياته حتى وإن كان بشكل مؤقت ولمدة شهرين فقط. فلولا هذا الصراع لما كان ضروريا، في الحقيقة، اللّجوء إلى الفصل 70 من الدستور. ولو كانت الأجواء سليمة داخل المنظومة ولو توفّر الحد الأدنى من الانسجام فيما بين مكوناتها لوقع الاكتفاء بمبادرة الرئيس الذي بموجب الفصل 80 من الدستور يمكنه بالتنسيق مع الحكومة إصدار الأوامر الرئاسية في كل القضايا والمسائل. وبعبارة أخرى كان من الممكن أن تكتفي السلطة التنفيذية بهذا المخرج الدستوري على أن توحّد العمل بين طرفيها، الرئاسة من جهة والحكومة من جهة ثانية. لكنّ الأمور ليست على هذا النحو.

إنّ ما يُفهم من اللائحة الطويلة للاختصاصات والقطاعات الواردة بمشروع الحكومة والتي تتجاوز ما تقتضيه مواجهة وباء “الكورونا”، هو أنّ الفخفاخ يخطّط بالفعل لتوسيع نطاق نفوذه وتعزيز صلاحياته بصلاحيات أخرى من اختصاص المجلس. وما يُخشى هو أن يقع في غضون ذلك تمرير الكثير من القرارات والإجراءات بعنوان مواجهة “أزمة الكورونا” فيقع بواسطتها الالتفاف على الكثير من المكاسب (خاصة في مجال الحريات) أو الزّجّ بالبلاد في خيارات لا يقوى أحد على مراقبتها بفضل التفويض الممنوح. وليس هذا بالأمر المستحيل، فلطالما استغلت الحكومات الرجعية الأزمات الطارئة لتمرير ما لا تقدر على تمريره في الأوقات العادية.

“الاستثناء” للتّمهيد لتغيير النّظام السّياسي

هذا من جهة. ومن جهة أخرى فمن غير المستبعد أن يقع استعمال اللجوء إلى هذه الإجراءات الاستثنائية في وقت لاحق من هذا الطرف أو ذاك (قيس سعيد الذي لا يخفي عداءه للنظام البرلماني أو شبه البرلماني ولِمَ لا إلياس الفخفاخ نفسه إذا كبرت طموحاته؟) كحجة لإقناع “الجميع” بالخلل الذي يميز النظام السياسي الحالي وبالتالي لتبرير الدعوة إلى مراجعته ولكن باتجاه نظام “رئاسوي” يكون المقدمة الطبيعية لعودة نظام الحكم الفردي والاستبداد. ومن النافل القول إنّ الدليل الذي سيقع استعماله بقوة في مثل هذه الحال هو أنّ النظام المزدوج، أي النظام الحالي، كان عقبة في وجه “جهود الدولة” لمجابهة أزمة “الكورونا” وأنّ ما “أنقذ” البلاد هو اللجوء إلى الإجراءات الاستثنائية.

وبالنظر إلى استمرار الأزمة الاقتصادية طيلة عشر سنوات تقريبا وهي ماضية باتجاه الاستفحال ولا أمل في الخروج منها، لا نستغرب أن يتصاعد نسق المطالبة بتغيير نظام الحكم، كلّ من منظوره الخاص، وفي الأثناء ستتحوّل الحالات الاستثنائية الواردة في الدستور إلى قاعدة ونظام حكم رسمي. من هذه الزاوية نعتقد أنّ الإلحاح على استعمال الفصل 70 من الدستور ليست بالبراءة التي يتصوّرها البعض وأنّ هذه الخطوة تحمل في طياتها أبعادا خطيرة وتشكّل طريقة ملتوية لتعبيد الطريق باتجاه إدخال تغييرات جوهرية على نظام الحكم وبموازاة لذلك للالتفاف على مكاسب الثورة.

وفي انتظار أن تتّضح الأمور أكثر، فإنّ ما يمكن الجزم به هو أنّ هيئات الحكم الأساسية، الرئاسة والبرلمان والحكومة، ستستمر في هذا النوع من الصراع بما سيجعل البلاد تعيش على وقع تنازع الصلاحيات وهي تعاني من وباء “الكورونا” وربما بأشكال أكثر حدة حتى بعد تعافيها وشفائها منه.

جيلاني الهمامي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى