الرئيسية / صوت الوطن / حكومة المشيشي في الميزان
حكومة المشيشي في الميزان

حكومة المشيشي في الميزان

علي البعزاوي

كثر الحديث هذه الأيام حول شكل الحكومة القادمة. هل هي حكومة حزبية أم حكومة كفاءات؟ وهل سيقع تشريك حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة صلب هذه الحكومة ام سيقع الاستغناء عنهم؟ وهل ستمر الحكومة وترى النور مثل سابقتها أم ستسقط؟

ويرجّح العديدون أنّ حكومة المشيشي ستفوز بمصادقة البرلمان خوفا من الذهاب إلى انتخابات تشريعية جديدة قد تقلب الموازين رأسا على عقب.

اسئلة كثيرة في الحقيقة ومشروعة بمعنى ما، لكنها غير ذات قيمة إذا نظرنا إلى المسالة من زاوية الاستحقاقات الأساسية في هذه المرحلة. ونعني قدرة هذه الحكومة على انقاذ البلاد من أزمتها الخانقة ومعالجة الملفات الحارقة التي تتعلق بالتنمية – وما يتطلبه ذلك من تمويلات – وبتشغيل الآلاف المؤلفة ممّن طالت بطالتهم وبإحياء المؤسسات التي أفلست بفعل تداعيات جائحة كورونا إلى جانب تحسين القدرة الشرائية لعموم التونسيين وتوفير الخدمات الأساسية الدنيا من صحة وتعليم وبيئة وبالمحافظة على المؤسسات العمومية، إضافة إلى وقف نزيف بيع مقدرات البلاد وسدّ الباب أمام اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي والاتفاقية الممضاة مع قطر وتركيا التي تنتظر مصادقة البرلمان لتصبح نافذة. وهي في عمومها اتفاقيات خطيرة على سيادة تونس ولا ترجى منها فوائد اقتصادية أو اجتماعية تُذكر.

حكومة كباقي حكومات المنظومة
لا نعتقد أنّ رئيس الحكومة المكلف سيأتي بالجديد على مستوى البرنامج والخيارات مهما كان شكل حكومته وتركيبتها، ولا هو يُعتبر من الكفاءات الوطنية صاحبة التجربة والخبرة. ولعل تجربته الوحيدة هي الأشهر التي قضاها على رأس وزارة الداخلية والتي تميزت بالتدخلات القمعية في ملفات الكامور والمكناسي والدكاترة المعتصمين ومعتصمي القصرين امام وزارة الشؤون الاجتماعية وغيرها. هذا السلوك سيكون الغالب في التعاطي مع الاحتجاجات والأزمات مستقبلا لأنّ الخيارات والبرنامج والميزانية مفصلة على قياس مصالح كبار السماسرة بتدخل مباشر من صندوق النقد الدولي المموّل الأساسي للميزانية. ومصالح الأغلبية الشعبية ستظل على الهامش وسيضحى بها كالعادة ضمانا لمصالح الأقلية المافيوزية.

المشيشي لن يكون مختلفا عن الشاهد والفخفاخ مهما كانت أسماء الوزراء وعددهم ومكونات الحكومة وتواجد الأحزاب صلبها من عدمه وبمشاركة حركة النهضة والدستوري الحر أو من دونها.
“الحلول” ستبقى في مستوى الترقيع مثل توفير التمويلات الدنيا وضمان خلاص المرتبات وتوفير السلع الضرورية إلى جانب مساعي معالجة الإخلالات المالية المتراكمة منذ 2012 والتصدي للخطر الإرهابي بهذه النسبة أو تلك من النجاح وللجريمة المنظمة ومحاولة الحد من التهريب دون القضاء عليه نهائيا لأنّ الأحزاب “الكبيرة ” الممثلة في البرلمان لها مصلحة في استمرار التهريب لأنّ أباطرته يموّلونها ويشدون أزرها خلال الانتخابات. وحكومة المشيشي مثلها مثل حكومة الفخفاخ ستمارس مهامها كحكومة تصريف أعمال لا غير.

قيس سعيد يتحمل المسؤولية
إنّ صراعات قيس سعيد مع النهضة واختلافاته معها لا تنفي مسؤوليته في الأزمة. فهو من عين الفخفاخ كرئيس حكومة وراهن عليه رغم أنّ الرجل فشل سياسيا وانتخابيا وشطب اسمه من قاموس الشخصيات السياسية التي لها دور ما في الشان العام. ومثلما وقع نفض الغبار عن السبسي في 2012 ووقع الاستنجاد به للمساهمة في الالتفاف على الثورة فإنّ قيس سعيد نفض بدوره الغبار على وزير مالية الترويكا ليحمّله مسؤولية تشكيل الحكومة التي كرّست الحيف الاجتماعي والانحياز الطبقي والتبعية والفساد والاستغلال. وسيتحمل بالطبع مسؤولية تعيين المشيشي لتشكيل الحكومة الجديدة وما سيترتب عن هذا التعيين وعن الحكومة المرتقبة التي من المرجح ان تحظى بمصادقة البرلمان للأسباب التي سبق ذكرها.

قيس سعيد يمكن أن يستغل هذا التكليف لتسجيل نقاط على حساب النهضة في مسار الإعداد للهيمنة على السلطة وقد ينجح بهذه الدرجة او تلك في هذا المسعى. لكن الشعب التونسي لن يستفيد من ذلك ولن تتحقق مطالبه الأساسية في الشغل والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية لأنّ قيس سعيد ليس ثوريا وليس له مشروع وطني ديمقراطي ولا علاقة له بثورة الشعب التونسي التي استفاد منها. بل ركبها مثله مثل النهضة ونداء تونس في ظروف معينة ولأسباب مختلفة ليس هنا مجال توضيحها.

تونس بحاجة إلى منظومة جديدة بديمقراطية أوسع وأشمل مكرسة لسلطة الشعب وببرنامج اقتصادي واجتماعي خادم لمصالح الأغلبية على حساب الأقلية الكمبرادورية، أي نقيض ما تكرسه المنظومة الحالية وبعدالة اجتماعية بين الفئات والجهات.

ومثلما اضطرّ الشعب التونسي إلى ترحيل الدكتاتورية النوفمبرية سيئة السمعة لتحقيق الحريات السياسية فهو مضطر هذه المرة إلى التخلص من منظومة الاستغلال والتبعية والفساد الحالية لتحقيق الديمقراطية الشعبية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى