الرئيسية / صوت الوطن / ما وراء تعثّر إصلاح المنظومة التّربويّة صراع ايديولوجي خفيّ وغير معلن
ما وراء تعثّر إصلاح المنظومة التّربويّة  صراع ايديولوجي خفيّ وغير معلن

ما وراء تعثّر إصلاح المنظومة التّربويّة صراع ايديولوجي خفيّ وغير معلن

لقد مثّلت عمليّة الإصلاح إحدى الأسباب الرئيسيّة لتصدّع العلاقة بين نقابتي التّعليم الأساسي والثّانوي من جهة والوزير المُقال من جهة ثانية، حيث عمد هذا الأخير إلى الاستئثار 249000 -10بالمشروع وإقصاء الطّرفين الاجتماعيّين اللّذين اتّهماه بالاقتصار على الشكل وتغييب المضمون، علاوة على سعيه المحموم إلى خصخصة المدرسة العمومية على غرار ما يحدث في عدّة قطاعات استراتيجيّة تنفيذا لتعليمات المؤسّسات الماليّة الدّوليّة.

 روزنامة جديدة توائم الزّمن المدرسي مع الزّمن الاجتماعي

 للتّذكير فإنّه في السنة الفارطة وبمجرد إقرار العمل بالنّظام السّداسي من قبل لجنة الزمن المدرسي، بدأ وزير التربية السابق حملته الإعلامية لإيهام الرأي العام الوطني بأنّ عمليّة الإصلاح قد تمّت. في حين أنها لم تبدأ بعد بما أنّ المضامين ما تزال على حالها. ونظرا إلى الانتقادات التي وُجّهت من بعض الأطراف إلى هذا النظام الجديد اجتمعت مجدّدا هذه اللّجنة في غضون الأسبوع الفارط للقيام ببعض التّعديلات حتى يوائم الزّمن المدرسي الجديد الزّمن الاجتماعي وتعديل الاختلاف الحالي بين المؤسّستين الابتدائية والثانوية والجامعة، وذلك بإعادة العطلة الشتوية بأسبوعين إلى تاريخها القديم أي نهاية شهر ديسمبر وكذلك عطلة الربيع لكن بأسبوع فقط بسبب تقسيم السداسي الثاني إلى ثلاثة فترات تتخلّلها عطلتان بأسبوع واحد، وقد صدرت الروزنامة الجديدة الرسمية للسنة الدراسية 2017/2018 يوم الإثنين الفارط.

لكن رغم هذا الإنجاز المهم، الذي تحقّق بفضل التّوافق بين الأطراف الثّلاثة المشرفة على عمليّة الإصلاح، أي سلطة الإشراف والاتّحاد العام التونسي للشغل ممثّلا بنقابتي التعليم والمعهد العربي لحقوق الإنسان، والذي لم يكن يَرَ النّور لو بقي جلول، فإنّ العمل يبقى منقوصا ولن يكتمل إلاّ بتحديد الزّمن المدرسي الأسبوعي واليومي الذي لا يمكن صياغته قبل أن تُنهي لجنة البرامج والتّقييم أشغالها. وكأنّنا بالوزير المؤقّت يريد توريث المهمّة لسلفه وتأجيل عمل هذه اللّجنة إلى أجل غير مسمّى والاكتفاء بالعمل المنقوص الدي حقّقته لجنة الزّمن المدرسي والذي يُعَدّ الأكثر بروزا للعيان في العملية الإصلاحيّة نظرا إلى تأثيره المباشر على الحياة المدرسيّة والاجتماعيّة، وبالتّالي اختزال إصلاح المنظومة التعليمية في مسألة شكليّة.

 ضرورة تحصين المتعلّمين فكريّا

 في حقيقة الأمر إنّ هذا التّلكّؤ وهذه المماطلة يعكسان صراعا ايديولوجيا خفيّا وغير يتمحور حول جوهر عمليّة الإصلاح يدور رحاه بين القوى التقدمية والديمقراطية التي تدافع عن برامج تعليمية تنير 249-10الفكر وتنهض بالإنسان والقوى الرجعية والظلامية التي تريد تعميم الجهل والتخلف. أصحاب الطّرح الأوّل يقترحون إلغاء تدريس المادة الدينية في المرحلة الابتدائية معلّلين طرحهم بحماية المصلحة العليا للمتلقّين الذين يكونون في تلك السن قابلين لأي اختراق فكري وثقافي لأنهم لا يمتلكون وسائل دفاعية فكريّة.

إنه من المفروض أن يتابع الأطفال في هذه المرحلة مسارا تكوينيا سليما يمكّنهم من مراكمة المعارف والمعلومات والمهارات المختلفة لكي يكتسبوا فيما بعد زادا فكريّا ينمّي لديهم ملكة التفكير النقدي ويسمح لهم بفهم الواقع وتحديد مواقفهم بكلّ وعي ومسؤوليّة من كلّ ما يحدث حولهم ومن جميع الأطراف التي يتعاملون معها. عندما تسير الأمور بهذا الشكل نستطيع القول، حسب رأي أصحاب هذا الرأي، بأنّ التّوجّهات الايديولوجية والسياسية نابعة من مواقف شخصية للأفراد الذين يكونون بهذه الطريقة قد نحتوا شخصيتهم بأنفسهم ودون الخضوع لأية مؤثرات خارجية.

إنّ غياب هذه الأرضية الفكرية يجعل المتعلّمين لقمة سائغة أمام دعاة التطرّف والتّخلّف الذين يمكن لهم عندئذ جعلهم أداة طيّعة بين أيديهم لخدمة مشاريعهم الظلامية الهدّامة. إنّ إخضاع أطفال في سنّ مبكّرة وكذلك شبابا في سنّ المراهقة إلى دراسة المواد الدينيّة من شأنه تضييق الأفق الفكري لديهم وحملهم على معاداة كلّ من لا يعتنق ديانتهم وبالتالي المضيّ بهم قُدما نحو طريق التطرّف والإرهاب.

 محاولة وضع اليد على المدرسة من قبل الإخوان

 إنّ المتأمّل في الجداول المدرسية والبرامج التعليمية يلاحظ أنّ المواد الأدبيّة ومواد العلوم الإنسانية توجد خارج دائرة اهتمامات تلامذة الشعب العلمية والتقنية، وفي المقابل يحتلّ التعليم الديني نصيب الأسد بداية من السنة الأولى للتعليم الابتدائي ودون انقطاع إلى حدود السنوات النهائية للتعليم الثانوي.

إذا الاختلال بين المواد يبدأ منذ هذه المرحلة الابتدائية بما أنّ تدريس التاريخ والجغرافيا والتربية المدنية، على سبيل المثال، يُستهلّ في الدرجة الثالثة من هذا التعليم، أي في مستوى السنتين الخامسة والسادسة، وبطريقة خجولة جدا حيث لا يتجاوز الساعة أسبوعيا بالنسبة إلى كلّ مادّة. أمّا بالنسبة إلى المواد الترفيهية مثل الموسيقى والرسم والتربية البدنية فإنها تقبع في مرتبة متدنّية ولا تتجاوز دور الكمبرس وذلك بالنظر إلى المكانة التي تبوّأها ضمن جدول الأوقات، وبالتالي فهي ليست قادرة على لعب دور مهم والتأثير إيجابا على التلاميذ بمنحهم التوازن النفسي المطلوب وصقل مواهبهم بالقدر الكافي.

لقد تفطّن وزير التربية الأسبق محمد الشرفي إلى الخطورة التي تمثّلها مادة التربية الإسلامية في المناهج التعليمية والدّور الذي تلعبه في تغذية التطرّف ونشرها للأفكار المنغلقة فسارع بإحداث تغييرات في صلبها ممّا دفع آنذاك قياديي حركة النهضة على غرار حمادي الجبالي إلى اتّهامه بـ”تجفيف المنابع”  خلال نقاش في العدد 215 لمجلة  “حقائق” حول مشروع الإصلاح، كما صرّح قبله القيادي النهضاوي الآخر عبد الفتاح مورو في العدد 62 لنفس المجلة أنّ “وزارة التربية التي تهتمّ بأكثر من مليون فرد تمثّل حجر الزاوية في البلاد”، قبل أن يدعم هذه الفكرة خلال السنوات الأخيرة عندما كشف للوهابي وجدي غنيم بأنّ ما يهمّهم هو أبناء التونسيّين.

وتجدر الإشارة أيضا في هذا السياق إلى أنّ “الاتجاه الإسلامي” ركّز منذ بدايته على التربية والتعليم باعتبارهما أهمّ الوسائل لنشر وغرس الفكر الإسلامي لدى المتعلّمين الجدد والشباب، مبيّنا من خلال ذلك أنّ الإسلاميّين استوعبوا كما يجب مقولة المفكّر لويس التوسير:”المدرسة هي الجهاز الإيديولوجي للدولة “.

إنّ هذه الوضعية التي تشهدها المدرسة التونسية تجعل من التّسريع في إصلاح المنظومة التربويّة المعطّل مسألة ملحّة وأساسية، إذ لم نر منه إلى حدّ الآن سوى تغيير الزّمن المدرسي جزئيا كما بيّنّا ذلك. إنّ هذا التعطّل مدعاة للقلق والتشكيك في نوايا بعض الأطراف السياسية الماسكة بالحكم خصوصا منها الإسلامية، سيّما وأنّ هنالك بعض التحويرات التي قام بها الوزير المقال تمثّل مدعاة للقلق، من أهمّها إزاحة السيد عادل الحداد المحسوب على اليسار من إدارة البرامج والتكوين المستمر في وزار ة التربية تنفيذا لأجندات معيّنة لا تخفى على المتتبّعين لشأن التّعليم بتونس.

كلّ هذه الأسباب تتطّلب يقظة عالية من قبل القوى التقدمية والديمقراطية وفي مقدّمتها الجبهة الشعبية حتى تنخرط في هذا المشروع الإصلاحي للمنظومة التربوية والعمل على تصويبها في الاتّجاه الصحيح حتى نتمكّن من معالجة الانغلاق الفكري ومحاربة التطرّف الديني الذي يتطلّب مقاربة شاملة يُعدّ التعليم من أهمّ ركائزها إلى جانب العناصر الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية. هنا تكمن أهمية استكمال أشغال لجنة الزمن المدرسي فيما يتعلق بالزمن اليومي والأسبوعي وأشغال اللّجان الأخرى وعلى رأسها لجنة البرامج والتقييم. هنا يكمن موطن الداء وتُحدّد ساحة الصّراع ضدّ القوى الظلاميّة من أجل الدفاع عن المؤسسة التعليمية الشعبية والعمل على إرساء تعليم ديمقراطي وثقافة وطنيّة.

فوزي القصيبي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×