الرئيسية / صوت العالم / النضال من أجل الحق في السكن استحقاق آني (من وحي قضية الخالة محرزية)
النضال من أجل الحق في السكن استحقاق آني  (من وحي قضية الخالة محرزية)

النضال من أجل الحق في السكن استحقاق آني (من وحي قضية الخالة محرزية)

مرتضى العبيدي

لعلّ البعض مازال يذكر معركة الانتخابات المحلية في إسبانيا لسنة 2015 (انظر مقالنا في صوت الشعب عدد 180 بتاريخ 12 جوان 2015) والتي من بين إفرازاتها هزيمة الأحزاب التقليدية المهيمنة على المشهد السياسي في البلاد منذ رحيل الدكتاتور فرانكو أي حزب الشعب اليميني والحزب الاشتراكي المحسوب على اليسار، في أكبر مدينتين أي العاصمة مدريد  وعاصمة مقاطعة كاتالونيا برشلونة اللتين فازت في كليهما امرأتان يساريتان برئاسة البلدية:  القاضية المتقاعدة مانويلا كارمينا                 (Manuela Carmena)  في مدريد والمحامية الشابة (ذات الـ40 سنة) “آدا كولو” (Ada Colau )، والتي أعيد انتخابها سنة 2019 لدورة جديدة، وهي المعنية بحديثنا عن الحق في السكن. إذ أنّ بروزها على الساحة السياسية جاء  من خلال نضالها مع فقراء مدينتها ومهمّشيها حول حقهم في السكن. فلم تكتف بالنضال على الواجهة القانونية بحكم مهنتها إذ خصصت جزءً مهما منها للدفاع في المحاكم على إبطال أحكام الإخلاء التي كانت المحاكم تصدرها في حق المعوزين الذين أصبحوا عاجزين عن دفع الإيجار أو مواصلة سداد قروض السكن، بل سريعا ما اقتنعت ـ وهي امرأة القانون ـ أنّ الواجهة القانونية وحدها غير كافية لإنفاذ هذا الحق الدستوري والذي تقرّه التشريعات والمواثيق الدولية وعلى رأسها “العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية”. لذلك كانت تعتقد أنه لا بدّ من دعم الواجهة القانونية بحركة نضالية ميدانية ينخرط فيها المعنيّون أنفسهم. فبادرت بتأسيس جمعية أطلقت عليها اسم “تجمع ضحايا الرهن العقاري” (Plataforma de Afectados por la Hipoteca )

تجمّع ضحايا الرّهن العقاري

وهي جمعية إسبانية تناضل من أجل الحق في السكن، تأسست في شهر فيفري 2009 في برشلونة. ثمّ امتدّ نشاطها إلى جميع أنحاء إسبانيا. وجاء إنشاؤها في إطار أزمة العقارات الإسبانية التي عرفتها البلاد بين 2008 و2013 نتيجة انفجار فقاعة العقارات، وحركات الاحتجاج اللاحقة التي شهدتها إسبانيا خلال سنتي 2011-2012. وقد أمكن تجميع أعداد كبيرة من الأشخاص الذين يجدون صعوبة في سداد قرض الرهن العقاري لمنازلهم أو الذين يجدون أنفسهم عالقين في عملية تنفيذ حقوق الرهن العقاري، وبالتالي مجبرين على الإخلاء. وقد تطوّع لمآزرتهم جمع من المحامين والمناضلين الحقوقيين العارفين بأبعاد هذه المشكلة، والواعين بأنّ الإطار القانوني القائم يضمن فقط  استرداد البنوك لديونها، ولا يقيم أيّ وزن للمواطنين العاجزين عن خلاص هذه الديون بحكم استفحال الأزمة الاقتصادية  التي أحالتهم عن البطالة، فأصبحوا عاجزين بالتالي عن سداد مدفوعاتهم الشهرية. وحرصت الجمعية لا على التوعية القانونية فحسب، بل أردفتها بالعمل على شرح الأبعاد السياسية لما كان هؤلاء يعيشونه من مشاكل، وحفزتهم على المساهمة النشيطة في تصوّر الحلول واتخاذ القرارات المناسبة بصفة جماعية. فكان الأعضاء يجتمعون بشكل دوري لعرض الحالات المختلفة للمتضررين ومناقشة النصائح والمساعدة في تقديم الدعم العملي والعاطفي والتخطيط للتحركات وأشكالها.

وعرفت عديد بلدان العالم حركات مشابهة لا يتسع المجال لاستعراضها هنا، لذلك سنكتفي بمثالي البرازيل وجنوب إفريقيا.

في البرازيل، حركة احتلال المساكن الشاغرة

وصلت أزمة السكن في المدن البرازيلية الكبرى وخاصة في ساو باولو وريو دي جينيرو حدا لا يطاق إلى درجة أنّ البديل الوحيد الذي بقي قائما أمام آلاف العائلات هو اقتحام المساكن الشاغرة والإقامة فيها، وهي في العادة عمارات قديمة آيلة للسقوط، ورغم ذلك يخاطر هؤلاء البؤساء بحياتهم لعجزهم عن توفير معلوم كراء مسكن محترم.  ففي ساو باولو مثلا، استحوذ ما لا يقل عن 46000 أسرة على 206 مبنى شاغر، وهي أرقام عالية تشهد على استفحال أزمة الإسكان والتفاوتات الصارخة في العاصمة التي يبلغ عدد سكانها 12 مليون نسمة والتي يسكنها إلى جانب هؤلاء أثرياء البلاد التي تفوق ثرواتهم ميليارات الدولارات وهي التي تحتضن أكبر البورصات. 

وهنا أيضا، تأسست جمعيات لمساعدة هؤلاء السكان على إدارة العيش المشترك في هذه المباني التعيسة وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الضرورية مثل “حركة الإسكان من أجل العدالة” التي تحرص على تدبير شؤون العمارات الشهيرة في المدينة والشديدة الاكتظاظ مثل عمارة  “Maua” التي يقال أنها الأكبر في كامل أمريكا اللاتينية والتي تقطنها 500 أسرة والتي تمّ احتلالها منذ 2006 وعجزت البلدية عن إخلائها نظرا لضراوة المقاومة التي أبداها سكانها. وهو ما خلق روحا من التضامن لديهم جعلتهم يتفقون على تنظيم حياتهم على أفضل وجه ممكن من ذلك التناوب بين العائلات لتنظيف المناطق المشتركة، ومساهمتهم في تأمين أمن المباني التي يقطنون، إلى غير ذلك.

جنوب إفريقيا: حركة سكان الأكواخ   Abahalali baseMjondolo

  وهي حركة اجتماعية لسكان الأحياء الفقيرة في جنوب إفريقيا. انطلقت من مدينة ديربان الساحلية الكبيرة في أوائل عام 2005، في مستوطنة طريق كينيدي، ببناء مساكن غير قارّة، كما يحدث في أجزاء كثيرة من البلاد. في وقت لاحق، انتشرت الحركة إلى العديد من المستوطنات أو المخيمات العابرة في منطقة ديربان، ولكن أيضًا في مناطق أبعد في كوازولو ناتال وبقية البلاد. وقد أدّى النضال من أجل الأرض، والمسكن، والمشاركة السياسية، والوصول إلى الخدمات (المياه، والتعليم، والصرف الصحي، وما إلى ذلك) للمقيمين الذين ليس لديهم سند ملكية، إلى قيام  مناضلي الحركة بالعديد من النضالات مثل إغلاق الطرقات، والمظاهرات، والإجراءات القضائية، والتعليم الذاتي (جامعة أبهلالي) ومكافحة إجراءات الإخلاء إلخ. إنّ تصميم الحركة جعلها تصطدم بقوة بالسلطات. ففي عام 2009، حصلت الحركة على إدانة من قبل المحكمة العليا في جوهانسبرغ لقانون الأحياء الفقيرة لحكومة كوازولو ناتال، والذي لا يحترم حقوق السكان. وبعد فترة، تعرضت الحركة إلى هجوم على مقرها في طريق كينيدي وضد أعضائها، قتل اثنان منهم. وفي السنوات الأخيرة، أدّت أعمال القمع الأخرى إلى إزهاق أرواح بعض القادة واضطرار بعضهم الآخر إلى اللجوء إلى العمل السري، دون أن يمسّ ذلك من تصميم الحركة وعزيمة مناضليها. وللحركة اليوم الآلاف من الأعضاء، ورابطة نسائية، ورابطة شبابية.

والواضح أنّ النضال من أجل الحق في السكن لم تعد تختصّ به بلاد دون أخرى وأنّ هذا المطلب أصبح يحشد أعدادا متزايدة من الفاقدين للسكن أو القاطنين في ظروف غير لائقة. وقد تعددت في بلادنا خاصة منذ 2011 حالات الإخلاء القسري للمواطنين (حي البراطل في حلق الوادي، قصر الباي في حمام الأنف، حي الفرينة في المنستير…) دون أن تبادر السلط إلى إيجاد الحلول لجميع هؤلاء. لكنّ النضال من أجل هذا الحق عندنا مازال لم يأخذ طريقه بعد إلى إيجاد الأشكال التنظيمية الملائمة حتى يأخذ مكانه ضمن الحراك الاجتماعي الشعبي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

16 + ثمانية =

إلى الأعلى