الرئيسية / صوت الجهات / بن عروس: الوضع البيئيّ كارثي ومصبّ برج شاكير جريمة دولة بامتياز
بن عروس: الوضع البيئيّ كارثي ومصبّ برج شاكير جريمة دولة بامتياز

بن عروس: الوضع البيئيّ كارثي ومصبّ برج شاكير جريمة دولة بامتياز

إيناس ميعادي
عضو مجلس بلدي ببلدية الزهراء

جاء في دستور البلاد لسنة 2014 الفصل 45:”تضمن الدولة الحق في بيئة سليمة ومتوازنة والمساهمة في سلامة المناخ وعلى الدولة توفير الوسائل الكفيلة بالقضاء على التلوث البيئي”. لكن تظلّ هذه الفصول حبرا على ورق الطبقة السياسية الحاكمة والفاشلة في ظلّ الخيارات السياسية التي تشجّع الرأسمال الجشع والإجرام الذي تمارسه الدولة عبر مؤسساتها.

مياه الصّرف الصحّي تُبيد شواطئ الضاحية الجنوبيّة
لعل أكبر دليل على ذلك ما قامت به مصالح الديوان الوطني للتطهير في حمام الشط في بداية شهر جوان 2021 من تجاوزات خطيرة بصبّ مياه الصرف الصحّي في قنوات تصريف مياه الأمطار التي تصب مباشرة في شاطئ حمام الشط، بتعلّة أنّ المصفاة الموجودة بمنطقة الزهراء قبالة بطحاء السوق الأسبوعي، معطّبة، وأنه لا يمكن تشغيل المصفاة الموجودة بمنطقة حمام الأنف على مستوى منطقة “الشّعبية” وكذلك مصفاة حمام الشط، إلا لمدة ساعتين فقط يوميا، وهو ما تسبب في فيضان عديد النقاط بالمنطقة وانسياب المياه المستعملة الى البحر.
أمام هذه التصرفات اللاّمسؤولة قامت بلدية حمام الشط بالاتصال بمصالح الديوان بحمام الأنف، وبالمدير الجهوي ببن عروس، تحت ضغط حالة من الاحتقان في صفوف متساكني مدينة حمام الشط وحملات على شبكات التواصل الاجتماعي المطالبة بالحق في بيئة سليمة ونظيفة وبمتابعة المسار القضائي ضد الديوان الوطني للتطهير.
ما أقدم عليه “الدّيوان” يجعل مفهوم “الحكم المحلي والتدبير الحرّ” في مساءلة يومية من قبل المواطن، علما وأنه في هذا الإطار وبتاريخ 14 نوفمبر 2019 تم إمضاء اتفاقية شراكة بين بلديات ولاية بن عروس (13 بلدية) والتي تنصّ على إحداث لجان مشتركة للتعاون ضمن برنامج ومشاريع تتعلق بالنظافة والعناية بالبيئة والصحة وغيرها. هذا وتعقد جلسات كل ثلاثة أشهر وكلما دعت الحاجة إلى ذلك مع إحداث لجان تعاون مشتركة بين البلديات وهو مالم يقع على أرض الواقع ولم يقع التنسيق مع البلديات المجاورة في بن عروس خاصة في ظلّ تعطّل أغلب اللجان بالمجالس البلدية التي تُعنى بالنظافة والصحة والبيئة التي خضعت لمحاصصة الأغلبية داخل المجلس وفشلت في مساعدة المجالس في إرساء استراتيجية مع الأطراف المعنية في مجال النظافة والعناية بالبيئة والصحة ووضعها حيّز التنفيذ ومتابعة ومراقبة تنفيذها وضعف تحديد الأهداف المرسومة في هذا المجال..

وفي ظلّ عدم محاسبة الجناة والمعتدين على البيئة ومتابعتهم قضائيا فإنّ هياكل الدولة والسلط الجهوية والمتدخّلين العموميّين هم أيضا في قفص الاتّهام، رغم تنظيم بعض الجلسات واللقاءات والزيارات بحضور رؤساء البلديات والمعتمدين في مقرّ ولاية بن عروس “لتعميق النظر” في الانعكاسات السّلبية لتسرّب مياه الصرف الصحي إلى البحر و”التجاوزات” التي يقوم بها الديوان الوطني للتطهير خاصة بهذه البلديات السّاحلية وإقرار بعض الحلول الترقيعية.. لكنّ المعالجة تظلّ منقوصة ولم توقف النّزيف.
عديدة هي الحوادث التي تؤكّد الاعتداء على البيئة. فقد شبّ حريق يوم الأحد 20 جوان 2021 إثر المقابلة الرياضية ضمن الدور النصف النهائي لكأس تونس في كرة القدم بين النادي الإفريقي والاتحاد المنستيري بالملعب الأولمبي حمادي العقربي برادس، حريق اِلْتهم أجزاء واسعة من غابة رادس والتي تعادل مساحتها 3 مرات غابة البلفيدير (غابة رادس هي اكبر متنفس في تونس الكبرى) حيث تعرضت الأخيرة إلى التخريب والحريق كفعل إجرامي في حق الطبيعة وفي حق المتساكنين في ظل غياب الحماية والأمن وغياب الحراس أو أشخاص مكلفون بخطة (démarcheurs).
وزارة الصحة يوم الثلاثاء 15 جوان 2021 أعلنت في بلاغها أنّ 17 شاطئا في تونس غير صالح للسباحة هذه الصائفة، كما قدمت الوزارة قائمة في هذه الشواطئ وهي موزّعة على 6 جهات وقد تضمنت ولاية بن عروس 3 شواطئ: 100 متر جنوب شط مروان برادس وقبالة مبنى الحماية المدنية، و100 متر شمال مصب وادي مليان برادس، وادي مليان..
مجموع هذه الأحداث، مضاف إليها تكاثر الحشرات والناموس في المناطق البلدية، وعدم برمجة حملات نظافة للقضاء على المصبّات العشوائية والنقاط السوداء مع الجرائم المختلفة من حرق وصبٍّ لمياه الصرف الصحي في شاطئ حمام الشط وانسياب مياه ملوّثة في اتّجاه البحر وعدم برمجة جلسات مشتركة مع متساكني بلديات بن عروس يجعلنا نقر بأنّ الوضع البيئي كارثي للشريط الساحلي ببن عروس.
الأسباب المباشرة لتلوّث مياه الشواطئ والجهات المتورّطة؟
دون شكٍّ، مؤسسات الدولة تلعب دورا كبيرا، خاصّة الوكالة الوطنية لحماية المحيط والديوان الوطني للتطهير ووكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي.
من جهتها، تتحمّل السلطات الجهوية والمحلية مسؤولية كبرى من خلال عدم مراجعة المصبّات العشوائية والأودية الحاملة للأوساخ والتي تسكب مباشرة في البحار، عدم مراقبة بعض المصانع التي لا تلتزم بشروط السّلامة المهنية والصحّية، تهاون السلطات في الرّدع وعدم صيانة محطات التطهير دون احترام المعايير الدولية وخاصة ضعف دعم البناء الإيكولوجي ومواكبة البحوث العلمية المستجدّة والاستئناس بالآراء والمقترحات من خلال تشريك الخبراء والجامعيين المختصّين والاستماع والأخذ بمقترحاتهم وآرائهم.
إنّ أحد أهمّ الأسباب كذلك يتعلق بالانجراف السّاحلي أي اهتراء الأرض أو زوال شاطئه بسبب الأمواج وحركة المدّ والجزر، ونقترح في هذا الخصوص، وبشكل عاجل مقاومته بإنجاز كاسرات الأمواج للتقليص من حدّة الأمواج مع غراسة النخيل على الشواطئ وخاصة تجريم رمي الفضلات مع تكثيف وسائل تصفية مياه المصبّات ومعالجتها والدفع بإحداث مجلّة حماية الشواطئ وخاصة منع خوصصة الشواطئ مع الترفيع في ميزانية الدولة لمقاومة الانجراف.

لكن ماذا عن الإحياء الاجتماعي والاقتصادي للشريط الساحلي؟
ليستعيد الشريط الساحلي بريقه لا بدّ أن تتكفّل الدولة، والبلديات تحديدا، بتنظيم فضاءات الصّيد البحري وإنجاز مرافئ للبحّارة على خطّ الضاحية الجنوبية وتأمين أسواق بلدية لبيع الأسماك مع ضرورة التنسيق الفعلي بين البلديات والوكالة الوطنية لحماية المحيط وإعداد أمثلة عمرانية بحرية والتثبت في الرّخص التي تسندها البلديّات لتنمية بعض الأنشطة الصّيفيّة والتّشجيع على الرّياضات الشاطئيّة من أجل تنظيم استغلال الشواطئ والصيد البحري وإعداد كراس شروط ينظم استغلال الشواطئ.
لا يخفى على أحد أنّ حجم التلوث كبير، وذلك نظرا لمخلّفات المناطق الصناعية والموانئ التجارية والفضلات المنزلية وهي تؤثر بشكل كبير في الهواء والماء والتربة ولا يمكن التصدي لها إلّا عبر رسكلة الفضلات الصّناعية التي تحدّ من التلوث وسنّ قوانين صارمة ومراقبة دائمة للمؤسّسات الصناعية وخاصة التخلّص من المواد الطبيّة وابتكار طريقة انصهارها في أماكن خاصة بها..

مصبّ برج شاكير: رفض اجتماعي من قبل المتساكنين والسّلطة في موضع مساءلة
يعدّ مصب برج شاكير الذي أُنشِئ سنة 1999، أكبر مصبّ في إقليم تونس الكبرى (تونس وبن عروس وأريانة ومنوبة)، وهو يمتد على مساحة 120 هكتار ويستقبل يوميا في حدود 3500 طن من النّفايات المختلفة (فواضل منزلية، نفايات البناءات) تتالى من 38 بلدية من ولايات الإقليم.
الجديد أنّ تونس الكبرى ستشهد في الفترة القادمة أكبر كارثة بيئيّة بسبب غلق مصبّ برج شاكير. فمن سنوات، بالتحديد 2013، عرف المصبّ وجود مياه رشح غير معالجة وشكاوي المتساكنين في مارس 2014. فهل تمّ فتح تحقيق جدي في الغرض وتدقيق مالي وإداري في كل الصفقات التي تمّ بموجبها استغلال مصب برج شاكير منذ سنة 2000؟؟؟ الإجابة: طبعا لا.
ورغم حصول اتّفاق بين الوزارة والمتساكنين المجاورين للمصبّ والتعهّد بغلق المصب بطريقة سليمة وعلمية وتعويضه بوحدة تثمين النّفايات في المقابل أصبح التصرف في النفايات وأخرج من مجال تدخل البلديات وأُسنِد إلى وكالة التصرف في النفايات ليبقى دور البلدية هو الرّفع فقط وفشل الوكالة والوزارة في حلّ المشكل البيئي، ممّا جعل البلديات في تصادم مع المتساكنين. مع العلم أنّ عمل المصب يتعطل في كلّ مرة لأسباب فنّية تارة لأسباب اجتماعية تارة أخرى، حيث نظّم المواطنون حركة احتجاجيّة بتاريخ 24 جوان 2021 في إطار مطالبتهم ببيئة سليمة.
وتتواصل التأثيرات السلبية والخطيرة للمصب على البيئة وعلى صحة المواطنين لا سيّما بعد تسرّب عصارة النفايات السّامة. لذاك أطلق سكّان ومواطنو سيدي حسين بالسيجومي صيحة فزع وقاموا باحتجاج على الحرائق والغاز المتسرّب في الجوّ والانزلاقات الأرضية والنفايات السّامة والانعكاس الخطير على صحّة العاملين بالمصبّ والأمراض كالرّبو والروائح الكريهة التي تخنق المكان.
لكلّ ما تمّ تِبيانه وذكره، لا يمكن وصف ذلك إلاّ بالكارثة البيئيّة وبالجريمة الموصوفة من قبل الدّولة تكشف عن حجم الاستهتار بحياة النّاس والإهمال المتعمّد. إنّها منظومة حكم فاشلة وقاتلة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×