الرئيسية / صوت الوطن / حزب العمال و”القيصر” سعيد.. ديمقراطية شعبية ثورية أم بونابارتية شعبوية رجعية؟
حزب العمال و”القيصر” سعيد.. ديمقراطية شعبية ثورية أم بونابارتية شعبوية رجعية؟

حزب العمال و”القيصر” سعيد.. ديمقراطية شعبية ثورية أم بونابارتية شعبوية رجعية؟

عزيز بن جمعة

لم يكن مفاجئا بالنسبة إلى حزب العمال، إعلان رئاسة الجمهورية، من خلال بلاغ إعلامي صدر في عتمات الليل، عن تمديد القرارات الاستثنائية التي اتخذها “القيصر” سعيد في 25 جويلية إلى أجل غير مسمى.
ولا أظن أن الشعب التونسي وعموم قواه الوطنية والديمقراطية والتقدمية سيفاجأ هو الآخر بموقف حزبنا الذي يعتبر هذا التمديد حلقة جديدة في الانقلاب.. لقد تجاوزت حقا نقطة إقناع بعض “اليساريات واليساريين” بصحة موقفنا وبضرورة دق ناقوس الخطر ورصّ الصفوف من أجل التصدي لخطر البونابارتية الشعبوية القيس- سعيدية الناشئة فهؤلاء مازالوا سجناء لوهمهم البرجوازي الصغير وعجزهم الموضوعي وإحباطه الذي تحوّل إلى مواقف مثالية وردية ترى في قيس سعيد منقذا ومحققا لآمال “الشعب” الذي يريد واراد.. أو ترى في أحسن الأحوال ضرورة عدم انتقاده ومجاراة “الرأي العام”.. إنّ هذا النص موجه للعقول لا للعواطف.. إلى من يحمل فكرا لا إلى من يحمل حقدا.. إلى من ينطلق من الفكر الثوري المستقل لا من الرأي العام البرجوازي.. وسأحاول فيه شرح خطورة ما يجري في بلادنا مقارنا ما يطرحه رئيس الجمهورية بما يطرحه حزبنا الماركسي اللينيني الثوري، حزب العمال..

1- البونابارتية الشعبوية.. من المحافظة إلى الرجعية..:
قبل تحليل بعض الوقائع.. دعنا نشرح مفهوم البونابارتية لقارئنا: بالعودة إلى كتاب ماركس “الثامن عشر من برومير لويس بونابارت” الصادر سنة 1852 أي عقب فشل ثورات الربيع الأوروبي، حلل ماركس الصراع الدائر في فرنسا واستعمل مصطلح “البونابارتية” كتوصيف لنظام الحكم الذي يتشكل حين تتخبط الطبقة البرجوازية أو تخسر من جهة، وتعجز الطبقة العاملة عن افتكاك السلطة والحكم في نفس الوقت، من جهة أخرى. إليكم مقتطفا من كلام ماركس في هذا الصدد
” En réalité, c’était la seule forme de gouvernement possible, à une époque où la bourgeoisie avait déjà perdu, – et la classe ouvrière n’avait pas encore acquis, – la capacité de gouverner la nation…”
ولا نقصد بالحكم البونابارتي إسقاط النموذج البونابارتي على تونس كما قد يظن بعض ضيقي الأفق، بل نعني ما يحمله هذا المفهوم (كمفهوم تحليلي) من حمولة سياسية وسوسيولوجية وايديولوجية.

إنّ الحكم البونابارتي كما يعرفه عالم الاجتماع والسياسة الفرنسي فيليب برو في كتابه “علم الإجتماع السياسي” يتصف بالتفوق المطلق للسلطة التنفيذية تحت قيادة حاكم (ملك، امبراطور، رئيس الخ..) يرجع دوما إلى إحياء مبادئ السيادة الوطنية وتوظيف القيم الثقافية، آخذا بعين الإعتبار دور الجماهير الشعبية على المسرح السياسي، مما يسهل تدجينها وتوجيهها في اتجاه لا يخيف المالكين.. إنّ البونابارتية هي استبداد الفرد تحت غطاء شعبي من أجل وهم صنع الملاحم، كما أراد لويس بونابارت صنع ملحمة بونابارتية جديدة فاشلة،..

وانظروا إلى ما فعله قيس سعيد: لقد انقلب على الدستور البرجوازي وأخلى المجال السياسي من فاعليه واحتكر كل السلط (التنفيذية والتشريعية وجزءا من القضائية) ونصّب نفسه حاكما للبلاد على رأس الدولة وقيادة القوات المسلحة وقام بإعفاءات وتعيينات سياسية وإدارية وأخضع الآلاف للإقامة الجبرية وشل الهيئات الدستورية البرجوازية دون حسيب أو رقيب.. وبقدر ما تكثفت لقاءاته واتصالاته ومشاوراته مع القوى الامبريالية الغربية والرجعيات الخليجية، تقلصت مشاوراته مع الاحزاب والمنظمات الوطنية المحلية، حتى الداعمة له.. وقد يذكرنا إقحامه للجيش في الحياة السياسية والمدنية، وسط بهجة الفئات الأكثر سذاجة من الشعب، بنماذج مشابهة: مصطفى كمال في تركيا وجمال عبد الناصر في مصر… وقد عزز قيس سعيد شرعيته ببث خطاباته وأفكاره الشعبوية من خلال تقسيم المجتمع إلى نخب فاسدة ومتآمرة وشعب خالص طاهر ونقي يحتكر هو تمثيليته..

طبقيا، يرتكز قيس سعيد على النزعة الوطنية والأهواء الفاشية للشريحة الأكثر تضررا من الطبقات البرجوازية الصغيرة والمتوسطة.. تلك التي عانت ويلات الانحدار الطبقي خلال العشرية الفارطة.. وليس صدفة أن تهلل الأحزاب البرجوازية الصغيرة، حتى تلك التي تدّعي أنها عمالية وماركسية، لإجراءات سعيد وتعتبرها مكسبا لتصحيح المسار واستجابة لمطالب الشعب، كاملة كانت أو جزئية.. فمطالب “الشعب” الذي يرونه كتلة متجانسة لا طبقية تسير وراء القيصر سعيد، لا تتجاوز في الحقيقة مطالب البرجوازية الصغيرة التي يمثلونها.. أما العمال والشيوعيون فيواجهون قرار تجميد البرلمان بمطلب حله وإسقاط كامل المنظومة الرأسمالية التابعة.. ويواجهون انفراد سعيد بالسلطة بمطلب الديمقراطية الشعبية الكاملة.. ويعارضون لقاء سعيد بماجول رئيس منظمة الأعراف بشعارات الضريبة على الثروات الكبرى.. وغيرها.. إن أبطال العائلة الوطنية الديمقراطية الصغيرة كمنجي الرحوي وأمثاله ونهجها الشيوعي الإصلاحي قد نالهم الأحباط على ما يبدو من عزلتهم وضعفهم الموضوعي، فصاروا يبحثون عن أقصر الطرق إلى قلب “الشعب” وكسب وده من خلال التنازلات النظرية ومقولات “الواقعية السياسية” و”البراغماتية” لاهثين وراء أوهام تحقيق “النتائج السريعة”.. إنهم لم يحسنوا قراءة الصراع الطبقي الجاري في مجتمعنا.. ولا صراع أجنحة الحكم البرجوازي على السلطة والذي انتهى بانقلاب أحد هذه الأجنحة على الآخر.. ولم تصدر عنهم ولا كلمة واحدة تدين ما يفعله قيس سعيد من عربدة.. وفي المقابل نرى سهامهم توجه بقوة وصلابة نحو حزبنا وقياداته، في تدويناتهم وتعليقاتهم.. وليس هذا أيضا بغريب.. فكما تنزعج البرجوازية الصغيرة من إفساد عرسها القيس- سعيدي، ينزعج أصدقاؤنا اليساريون من ضجيج ناقوس الخطر الذي يدقه حزبنا.. إنّ السياسة الثورية شاقة فعلا.. وإنّ اختباراتها صعبة حقا.. فأصدقاؤنا اليساريون لم يفهموا بأننا نقاوم السياسة الرجعية للنهضة وحلفاءها بالسياسة الثورية.. لا بالانقلابات.. ونقاوم العصابات والمافيات والإرهاب بمجالس العمال والفلاحين ولجان الأحياء والتنظم الذاتي الجماهيري.. لا بالانقلابات.. ونقاوم نظام رأس المال التجويعي الإذلالي التابع بالأحزاب الثورية والتنظيمات الجماهيرية والنشاط الجماهيري الثوري.. لا بالانقلابات.. ونقاوم أمراض الديمقراطية وعفنها بمزيد تعميق الديمقراطية وتجذيرها (الديمقراطية الشعبية).. لا بالانقلابات.

إنّ حزب العمال راسخ البنيان، لا تهز قممه رياح الشعبوية والهرسلة والتشويه والتخوين، فهذا قدر من “يقول الحقيقة كما هي للجماهير”..

2- الديمقراطية الشعبية هي استراتيجيتنا الثورية مرحليا وعلى أساسها نبني تكتيكاتنا:

إنّ حزبنا يواجه المنظومة الحالية، التي يتربع على قمتها القيصر سعيد بشعار الديمقراطية الشعبية ذات الخصائص التونسية، فماذا نعني بالديمقراطية الشعبية؟ إنّ الديمقراطية الشعبية تعني 

سياسيا:
– عودة السلطة إلى الشعب العامل والكادح عبر مجالس شعبية محلية/ قطاعية، جهوية ومركزية منتخبة مع إقرار حق الرقابة والمحاسبة وسحب الثقة.
– الانتخاب أساس كل سلطة.. ويشمل كل الأجهزة السياسية والإدارية والعسكرية-الأمنية..
– ضمان الحريات العامة والفردية وتجذيرها والدفاع عنها..
– علمانية الدولة بما يضمن عدم تسييس ودولنة الدين والمعتقدات وعدم تديين السياسة..
اقتصاديا:– تأميم الثروات الطبيعية والقطاعات الاستراتيجية والمصالح الإمبريالية لفائدة الشعب العامل والكادح، وتعليق المديونية ومراجعة الاتفاقيات الدولية التي تمس سيادتنا الوطنية.
– القيام بإصلاح زراعي لفائدة صغار وفقراء الفلاحين ودعم البحارة وصغار التجار والحرفيين، وتشييد صناعة وطنية تحت تسيير العمال.
– إعادة هيكلة الاقتصاد عبر مراجعة القوانين المنظمة لعمل البنك المركزي والنظام الجبائي ومكافحة التهرب الضريبي والفساد.
– فرض ضريبة على الثروات الكبرى وتأميم التجارة الخارجية وتجارة الجملة من قبل السلطة الشعبية، للتحكم في الأسعار وضمان التوزيع العادل للسلع والخدمات وضرب الاحتكار..
اجتماعيا:– مجانية الصحة والنقل والتعليم وضمان السكن لكل مواطن.
– العمل على ضمان الشغل مع توفير منح للمعطلين عن العمل.
– تشجيع النشاط والإبداع الأدبي والفني ودعم البحث العلمي.
– حماية البيئة ومحاربة التلوث.
ومن أجل تحقيق الديمقراطية الشعبية، حذر حزبنا حزب العمال، من انقلاب قيس سعيد وعودته إلى الوراء باتجاه الحكم الرئاسوي الفردي والتسلطي وباتجاه معاداة الحريات والمساواة، وهو ما قطعت معه ثورة 17-14.. فلا عودة إلى الوراء.. لا إلى ماقبل 25 جويلية عبر تسويات ومساومات.. ولا إلى ما قبل 14 جانفي عبر الانقلابات والاستبداد..

إنّ أصدقاءنا اليساريين ومعهم الفئات الأكثر إحباطا من هذا الشعب المذلول والمضطهد (بفتح الهاء) مطالبون بالتخلي عن أوهامهم البرجوازية الصغيرة حول إنقاذ سعيد للبلاد وتصحيحه للمسار الثوري، والالتقاء حول خارطة طريق إلى الثورة.. من أجل سيادة وطنية حقيقة.. وعدالة اجتماعية حقيقة.. وديمقراطية شعبية تونسية جديدة.. تكون نموذجا صلبا لعموم القوى الثورية في المنطقة وفي العالم.. وتعطي للتاريخ دفعة إلى الأمام..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

14 + أربعة عشر =

إلى الأعلى