الرئيسية / صوت الوطن / البناء القاعدي في ميزان الديمقراطية
البناء القاعدي في ميزان الديمقراطية

البناء القاعدي في ميزان الديمقراطية

علي البعزاوي

بات واضحا وجليا أنّ الرئيس قيس سعيد بصدد استغلال العشرية السوداء وحالة الأزمة العميقة والشاملة التي سببتها منظومة النهضة وكل من حكموا معها للمضي قدما نحو تحقيق مشروعه السياسي الخاص وتنظيم السلطة الجديدة وفق ما سمّي بالبناء القاعدي الذي انطلق المفسرون والدعاة في توضيحه للرأي العام.

كما بات واضحا أنّ دوافع الرئيس لا تتمثل في الخروج من الأزمة ومعالجة أسبابها بإرساء اقتصاد وطني منتج للثروة وقادر على استيعاب المعطلين والمهمشين وبمعالجة المالية العمومية وأزمة المديونية التي بلغت معدلات خيالية في وقت تراجع فيه الإنتاج وأغلقت مئات المؤسسات ووقع تسريح مئات آلاف العمال بلا مبالغة. ولا تتمثل في وضع اليد على المؤسسات الوطنية والقطاعات الاستراتيجية بهدف استغلالها لصالح الشعب والبلاد ولا في مواجهة الفساد الكبير رغم رفع الشعارات وإطلاق صواريخ التهديد والوعيد التي لم تتعدّ مستوى الخطابات المتشنجة.

الأزمة وهموم الشعب في واد وأفكار ومخططات الرئيس في وادٍ آخر تماما. وهذا ما يدعو حقا إلى الحيرة ويطرح السؤال التالي: هل تونس وشعبها حقل تجارب لمختلف المشاريع (المشروع الإخواني-المشروع الليبرالي- والآن مشروع البناء القاعدي الشعبوي). وهي كلها تجارب حاملة لمشاريع لا شعبية ولا وطنية خادمة للأقلية الثرية وللقوى والمؤسسات الاستعمارية.

ما المقصود بالبناء القاعدي
يختار التونسيون والتونسيات في انتخابات على الأفراد ممثلا أو نائبا عن كل عمادة. والفائزون في هذه الانتخابات يشكلون المجالس المحلية في المعتمديات. ويقع فيما بعد المزج بين الانتخاب والقرعة لتشكيل المجالس الجهوية من النواب المنتخبين وكذلك المجلس الوطني الذي يلعب دورا شبيها بدور البرلمان. والمزج هنا هو لمحو الشرعية الشعبية الانتخابية عن المجالس حتى لا تصبح سلطة قرار فعلية.

وبالموازاة مع هذا المسار يقع انتخاب رئيس الجمهورية الذي يحتكر كل السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية بمساعدة المجلس الوطني الذي يقدم اقتراحات ومقاربات حول مختلف القضايا. ولا يتمتع بسلطة تقريرية أو رقابية.

الهرم إذا واضح ظاهره ديمقراطية قاعدية تنطلق من العمادات والمحليات وجوهره حكم رئاسوي يختزل كل السلطات لدى الرئيس المنتخب مباشرة من الشعب دون أن تكون للمجالس المحلية والجهوية أو المجلس الوطني أي سلطة عليه فلا توجه له اللوم ولا تقاضيه ولا تعزله. فهي الشخص المعصوم من الخطأ والملهم والقادر على كل شيء. أما المجالس فتكتفي بتقديم المقترحات والمقاربات ومشاريع الحلول والباقي على الرئيس الذي سيستعين بحكومة لا تملك أي سلطة تقريرية لأنّ وزراءها من اختيار الرئيس وهي تعود له دون سواه بالمشورة وتجتمع برئاسته وتنفذ إملاءاته. وهو من يقيّم أداءها ويحاسبها بعيدا عن الشعب لأنه يعرف ما يريد الشعب وهو المعبّر عنه والناطق باسمه.

هذا البناء الهولامي يتعارض مع جوهر الدولة لأنّ النواب المنتخبين والفائزين بالقرعة لا يوحّدهما أي برنامج وأيّ رؤية. وما يطرح في معتمدية من المعتمديات يمكن أن يصطدم بنقيضه في معتمدية أخرى. وتطرح هنا أكثر من نقطة استفهام حول كيفية تنظيم وعمل مؤسسات القضاء والأمن والجيش والإدارة. كل هذا يشكّل مدخلا لتفكيك الدولة وترذيل الديمقراطية التي ترتبط عادة بمضمون اقتصادي واجتماعي وبرنامج وليست ديمقراطية جوفاء على غرار الديمقراطية الليبرالية التي خبرها ومجّها الشعب التونسي طيلة العشرية السابقة.

وهو بناء يفتح الطريق أمام حكم فردي مطلق لا يحاسب ولا يعاقب وشعب قطيع يبارك ويصفق ويتوعد معارضي الزعيم. هذا البناء يحيلنا إلى التجربة الجماهيرية في ليبيا زمن العقيد القذافي حيث يتخفى الحاكم المستبد وراء “حكم الجماهير”. وهو نظام يستفيد منه غلاة الرأسماليين خاصة زمن الأزمات على حساب الشعب الكادح. وتجربة حكم قيس سعيد بما في ذلك الفترة التي استحوذ فيها على كل السلطات منذ 25 جويلية المنقضي تؤكد أنه لم يتخذ قرارات وإجراءات من شأنها الاستجابة للحد الأدنى من مطالب الشعب. لقد كان بإمكانه مثلا إصدار مراسيم تجمد بمقتضاها أسعار المواد الأساسية وأخرى تجرّم المضاربة إلى جانب إعفاء أصحاب الأجر الأدنى من أيّ ضرائب. كما كان بإمكانه إعفاء صغار وفقراء الفلاحين والحرفيين من الديون المتخلدة بذمتهم لدى البنوك، والتخفيض في أسعار العلف… لكن فاقد الشيء لا يعطية. بل بالعكس طمأن قيس سعيد الأعراف وأصحاب المؤسسات المالية في أكثر من مناسبة وهي رسالة طبقية للداخل والخارج ينبغي التقاطها واعتمادها في أي تقييم موضوعي.

المشروع الشعبوي خطر يهدّد الشعب التونسي
يحمل البناء الشعبوي القاعدي بين طياته تناقضا مستعصيا على الحل. فهو يفتح الباب أمام التمثيل القاعدي عبر الاختيار الشعبي ثم عبر القرعة. لكن هؤلاء المنتخبين لا سلطة فعلية بين أيديهم. هذه الأخيرة يحتكرها الرئيس بلا حسيب ولا رقيب. وهنا تسقط صفة الديمقراطية عنها لصالح الحكم الفردي المطلق. إنّ خطورة هذا الشكل من السلطة لا تكمن فقط في انتهائها إلى الحكم الفردي الاستبدادي الذي يسخّر لخدمة الكمبرادور ومشغّليه من القوى الاستعمارية بل أيضا في عمليات المغالطة التي ترافق تأسيسها. فالشعبويون يسوّقون لها على أنها ديمقراطية قاعدية ومواطنية مستقلة عن دكتاتورية الأحزاب وجبروت النخب والتنظيمات الوسيطة. وهي ديمقراطية شعبية خالصة ونظيفة وقادرة على ضمان السيادة الوطنية والرفاه للجميع بينما هي في الواقع الملموس نقيض ذلك تماما.

إنّ الدكتاتورية لا تعلن عن دكتاتوريتها أبدا. بل تدّعي العكس تماما. فتلبس لبوس النصيرة للحقوق والحريات. وهي لا تعبّر في الوضوح عن حقيقة انحيازها ضد مصالح الأغلبية الشعبية بل ترفع الشعارات المنتصرة للشعب والمدافعة عن مصالحه. وهي لا تعلن عن خدمتها للأجندات الاستعمارية والاقليمية وجهات التمويل بل ترفع الصوت عاليا دفاعا عن السيادة الوطنية وكرامة التونسيات والتونسيين.

إنّ مشروع قيس سعيد الشعبوي سيقطع الطريق أمام الشعب التونسي وقواه الوطنية والثورية والتقدمية ولو إلى حين لشق طريقها المستقلة واسترجاع ثورتها المغدورة والمغتصبة بمباركة وتخطيط من القوى الاقليمية والدولية المعادية للمسار الثوري.
الكثير من الوهم والانتظارية والكثير من الوقت الضائع قبل أن يستفيق الجميع على هول المغالطة.

الشعب التونسي بحاجة إلى ديمقراطية جديدة مختلفة
إنّ تعفن ديمقراطية التمثيل النيابي وفشلها في معالجة قضايا الشعب والبلاد والقطع مع الفساد لا يمكن الاستعاضة عنها بالاستبداد وحكم الفرد لأنهما سيكونان أشدّ وطأة وسوء. بل بديمقراطية حقيقية تفتح الطريق أمام الشعب للتعبير عن مشاغله واقتراح الحلول والمعالجات لمختلف القضايا والمساهمة في سنّ القوانين والنظر في المعاهدات وفي الميزانيات وتوجيهها الوجهة التي تخدم مصالح الأغلبية الشعبية لا مصالح الأقلية الثرية مثلما حصل في السابق. وهذا بديهي باعتبار الشعب هو صاحب المصلحة ولابد أن تكون بين يديه السلطة ليسخّرها لتحقيق هذه المصالح.

الشعب ينتخب المجالس الشعبية محليا وجهويا انتخابا حرا ونزيها وشفافا على قاعدة التمثيل النسبي. وتتعهد الدولة (دولة الديمقراطية الشعبية) بمصاريف الحملات الانتخابية التي يمنع فيها توظيف الدّين والمساجد والعروشية والمال السياسي والانحياز الإعلامي…

هذه المجالس تمثل فيها كل فئات الشعب وفق نسب مضبوطة بقانون. وهي مفتوحة للعمال والفلاحين والمثقفين والمبدعين وللشاب والنساء والحرفيين والبحارة… وتحرم منها البورجوازية الكبيرة المطاح بها لأنها المسؤولة عن تعفن الأوضاع في السابق وهي سبب الداء ولا يمكن أن تكون الدواء..

تنتخب هذه المجالس السلطة التنفيذية في كل المستويات (رئيس الدولة ورئيس الحكومة والوزراء والمسؤولين في الجهات والمحليات وعلى رأس المؤسسات الإدارية والقضائية). كل المسؤولين في الدولة خاضعون للانتخاب والمحاسبة وسحب الثقة من قبل المجالس الشعبية وهذه المجالس خاضعة بدورها للرقابة والمحاسبة الشعبيتين. ومن حق الشعب عزل أيّ منتخب في هذه المجالس كلما رأى ذلك ضروريا. كما من حقه مثلما سبق ذكره المشاركة في الجلسات واقتراح الحلول وإبداء الرأي في كل كبيرة وصغيرة (علاقة تشاركية حقيقية).

القيادات الأمنية والعسكرية تخضع بدورها لرقابة المجالس الشعبية حتى تسخّر جهودها لخدمة الشعب ولا تتغول عليه وحتى تصبح الدولة دولة الأغلبية الشعبية فعلا لا دولة الكمبرادور الفاسد.

هذا البناء القاعدي المتماسك مختلف جذريا عن البناء القاعدي الشعبوي. وهو بناء يكرّس الديمقراطية الأوسع التي يشارك فيها الجميع ويمكّن الشعب من السلطة الفعلية فيصبح سيّدا على قرار بلاده ويضمن استقلاليته وسيّدا أيضا على ثرواتها التي تسخّر لخدمة الأغلبية بتوفير الشغل والعيش الكريم والخدمات الأساسية الراقية والمجانية للجميع. وهو بناء يكرّس العدالة الاجتماعية: عدالة بين الفئات وبين الجهات.

إنّ المطروح على قوى الثورة والتغيير الجذري فضح هذا المشروع الشعبوي وكشفه على حقيقته أمام أنظار الجميع في الداخل وفي الخارج مبكرا حتى لا يواصل في مغالطاته وقبل أن يتمكن من مفاصل الدولة نهائيا مع طرح المشروع البديل المستقل عن كل المشاريع الرجعية والشعبوية، القادر على معالجة الأزمة معالجة جذرية.

لا شعبوية – لا دساترة – لا اخوانجية

الحل في الديمقراطية الشعبية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

1 × أربعة =

إلى الأعلى