الرئيسية / صوت الوطن / “دستور” قيس سعيد: نظام أوتوقراطي لا دولة مدنية ولا جمهورية
“دستور” قيس سعيد: نظام أوتوقراطي لا دولة مدنية ولا جمهورية

“دستور” قيس سعيد: نظام أوتوقراطي لا دولة مدنية ولا جمهورية

“إن أبشع استغلال للإنسان هو استغلاله باسم الدّين لذلك يجب محاربة المشعوذين والدجّالين حتى يعلم الجميع أن كرامة الإنسان هي الخط الأحمر الذي دونه الموت”
ارنستو تشي غيفارا

إن من مزايا مشروع دستور قيس سعيد المنشور ليلة 30 جوان 2022 ،أنّه كشف بشكل ملموس ومكثف من خلال نص رسمي، حقيقة الرجل الفكرية والسياسية. إن قيس سعيد لا هو مع الدولة المدنية ولا هو مع الجمهورية وإنما هو شخص محافظ، سلفي، أقرب إلى أفكار حزب التحرير منه إلى فكر “الإخوان”، استبدادي، معاد للمساواة وللحريات الفردية والعامة. كما أنه معاد للمبادئ الديمقراطية الأساسية حتى في مفهومها التاريخي، البورجوازي الذي فتح أبواب الحداثة ونعني الانتخاب الحر والمباشر للمؤسسات التمثيلية والفصل بين السلط وإقامة التوازن بينها عبر آلية الرقابة المتبادلة، هو مع نظام “الخليفة” أو “السلطان” أو “المرشد المعصوم”، مجمّع كل السلطات السياسية والروحية. وحتى وإن لم يجرؤ على التصريح بذلك فهو يمارسه ويفرضه بكل الوسائل، كما هو الحال في مشروع الدستور الذي قدّمه دون أن يعرض ولو يوما واحدا على النقاش العام وهو ينوي فرضه يوم 25 جويلية القادم على استفتاء مهزلة، معلوم النتائج مسبقا، وتطبيقه مباشرة مهما كانت نتيجة الاستفتاء ذلك أن “الزعيم الملهم” لا يضع في حسابه مطلقا فرضية تصويت غالبية ضده مع العلم أنه لم يضبط أصلا أية عتبة لنسبة المشاركة.
1-من دولة مدنية إلى دولة دينية/تيوقراطية تحقق “مقاصد الشريعة”
لقد روّج أعضاء “لجنة” سعيد “الاستشارية” لحذف الفصل الأول من دستور 2014 قبل صدور المشروع بمدة. وأول من قام بذلك رئيس اللجنة الصادق بلعيد لوسيلة إعلام أجنبية. وقد علّل هذا الحذف بسد الباب أمام توظيف الدين من بعض الأحزاب (أي حركة النهضة وتوابعها). وقد سُوِّق لهذا الكلام على أنه “انتصار” للدولة المدنية وعلى أنه خطوة أخرى نحو علمنة الدولة أي الفصل بين الديني والسياسي. ولكن بحصول بعض التسريبات ثم بصدور الدستور اتضحت الخديعة الكبرى. فقد حذف الفصل الأول ليعوض بفصل أكثر خطورة وهو الفصل الخامس الذي نصّه: “تونس جزء من الأمة الإسلامية وعلى الدولة وحدها أن تعمل على تحقيق مقاصد الإسلام الحنيف في الحفاظ على النفس والعرض والمال والدين والحرية”. وهذا الفصل هو تقريبا دسترة الجملة التي قالها قيس سعيّد في حواره الشهير مع جريدة الشارع المغاربي يوم 12 جوان 2019 قبل الانتخابات الرئاسية. وقد جاء فيها:
السؤال: …كنت مع التنصيص على الشريعة كمصدر للتشريع في الدستور؟
الجواب: لا…ليس هذا تحديدا…الأمر يتعلق بالفصل الأول من الدستور…طلبت أن يتم التنصيص على أن الدولة وحدها تعمل على تحقيق مقاصد الشريعة…الحفاظ على النفس والعرض والمال والدين والحرية…دولة ذات معنوية ليس لها دين…الدين هو دين الأمة وعلى الدولة أن تعمل على تحقيق مقاصد الشريعة وهي خمس النفس والعرض والمال والدين والحرية…”
وقد عاد قيس سعيد، الرئيس، لهذه المسألة أياما قبل صدور دستوره وذلك في تصريح بمناسبة توديع أول وفد للحجيج التونسيين لهذا العام: “الإسلام لا بد أن يحقق مقاصده. أهم شيء هو تحقيق مقاصد الإسلام ومقاصد الشريعة الإسلامية وهذا ما سنعمل عليه في الدستور القادم.”
إن معنى هذا الكلام الذي دستره اليوم قيس سعيد في الفصل الخامس هو أن الدولة ذاتها ستكون ملزمة بتطبيق “مقاصد الشريعة”، حسب تأويل القائم عليها، الحاكم بأمره قيس سعيد في الوقت الحاضر، وهو ما يعني أن الدولة ستتحول إلى دولة دينية، ظلامية، بصورة مكشوفة. وهو ما سيترتّب عنه، منطقيّا، مراجعة كل القوانين التي تتنافى مع “الشريعة الإسلامية” وفي مقدمتها مجلة الأحوال الشخصية، فتونس جزء من “الأمة الإسلامية” التي تضم السعودية وأفغانستان وباكستان وإيران وغيرها، وهي مطالبة مثلها مثل هذه البلدان بتحقيق “مقاصد الشريعة”.
ومن هنا نفهم لماذا حذف قيس سعيد كل إشارة إلى الدولة المدنية في دستوره. فقد حذف الفصل الثاني من دستور 2014 الذي ينص على أن “تونس دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلويّة القانون”. كما أن قيس سعيد حذف الإشارة إلى الدولة المدنية الموجودة في الفصل 49 من دستور 2014 عند الحديث عن الضوابط القانونية المتعلّقة بممارسة الحرّيات والحقوق. فقد اشترط الفصل المذكور ألّا تنال “الضوابط القانونية “من جوهر تلك الحريات والحقوق وألا توضع هذه الضوابط “إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية”.
لقد حذف سعيّد هذا وبالمقابل وضع في دستوره، في الفصل 55، “ضوابط” جديدة لممارسة الحريات منها ألا تمس هذه الممارسة “الآداب العامة” التي يحددها بالطبع “الحاكم بأمره” وتوابعه. وهو ما يمكن أن يؤدّي إلى أشكال فظيعة من انتهاك الحريات الفردية والعامة كما هو الحال في العديد من بلدان “الأمة الإسلامية” وفي مقدمتها السعودية بعنوان “حماية الآداب العامة”، فكل سلوك تحرّري يمكن أن يوضع في خانة “الاعتداء على الآداب العامة”. وهو ما يمثل تهديدا للمثقفين والمبدعين وللنساء والشبان ولكافة المواطنات والمواطنين عامة. وهو أمر ينبغي أن يؤخذ مأخذ الجد.
أين هم “اليساريون” و”التقدميون” و”الديمقراطيون” و”القوميون” الذين برروا اصطفافهم وراء انقلاب 25 جويلية بكونه ثورة على “الإسلام السياسي”؟ وتحريرا للشعب والوطن منه؟ ما قولهم فيما أتاه قيس سعيد؟ ألا يجدون أنفسهم اليوم مصطفين وراء فصيل جديد من “الإسلام السياسي” خطا خطوة لم تكن تحلم بها حتى حركة النهضة عام 2013 حين كان كل مطمحها، تحت ضغط الرّأي العام الديمقراطي، الحفاظ على الفصل الأول من دستور 1959 على غموضه وقابليته لأكثر من تأويل؟ ألا يصح عليهم القول: “هربوا من تحت قطرة حركة النهضة وجدوا أنفسهم تحت ميزاب حزب التحرير”؟ ألسنا على باب قوسين أو أدنى من دولة “تيوقراطية” على رأسها “سلطان” يحكم بالشريعة؟
ألسنا كما قال الصديق زياد كريشان في افتتاحية جريدة المغرب يوم 2 جويلية 2022 :”أمام دولنة (étatisation) لمشروع الإسلام السياسي كما هو الحال في بداياته الأولى، وضع الشريعة فوق النصوص الوضعية واعتبارها المصدر الأساسي للتشريع ومراجعة القوانين السابقة الوضع وفق منطوقها… نحن لا نقول أن هذا سيحصل ولكن هذا الفصل الخامس فتح طريقا سيارة لأيديولوجية الإسلام السياسي المدولنة سواء أتحقق ذلك اليوم أو غدا.” ويمكننا أن نضيف إلى ما قاله زياد كريشان “لكل شيء بداياته…”. اليوم دستور وغدا قانون وبعد غد تطبيق، وهكذا دواليك.
إن الثورة المضادة، الفكرية والسياسية، التي يقودها قيس سعيد والتي يضعها الصديق الشريف الفرجاني في خانة “الثورات المحافظة الجديدة” (les révolutions néo-conservatrices) ما تنفكّ تقضم مكاسب المجتمع التونسي قطعة، قطعة. إن قيس سعيد، بثورته المضادّة، يثأر لكل القوى الرجعية من الثورة التونسية ومن كل الأفكار التحررية التي عرفتها بلادنا على مدى أكثر من قرن ومنها أفكار الطاهر الحدّاد وغيره. وهو بذلك يحقّق ما لم يقدر على تحقيقه “الإسلام السياسي” في نسخته “الإخوانية” طوال نصف قرن، حتى وهو في الحكم خلال العشرية التي تلت الثورة.
2-من الحلم بالجمهورية إلى العودة إلى حكم أوتوقراطي (Autocratique)
لقد ضرب قيس سعيد في العمق أسس الدولة المدنية. ولكنه ضرب في العمق أيضا، وهو شيء منطقي، أسس الجمهورية التي تم تثبيتها، بقطع النظر عن النقائص والهنات الموجودة في دستور 2014 الذي عُمّد رغم كل شيء بدم الشهداء وعلى رأسهم شهيدا الوطن شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي. فكما جاء في بيان حزب العمال فإن قيس سعيد، الرئيس، حطّم كل معاني السيادة الشعبية وأسسها رغم كثرة حديثه عنها، إذ جعل نفسه فوق كل المؤسسات وسطا سطوا على كل السلطات بعد أن حوّلها إلى وظائف، وألغى الفصل والتوازن بينها وجرّدها من أدوارها الرقابية ليفرض عليها عُلْويّته هو ورقابته هو كما هو الحال في الدول الفاشية والدكتاتورية دون أن يخضع للمساءلة أو المراقبة أو المحاسبة بل إنه مكّن نفسه من الحصانة أثناء حكمه وبعده. وهو أمر مناف لقاعدة من أبسط القواعد الديمقراطية والتي مفادها أنه على قدر السلطة تتحدد المسؤولية. أما سعيّد، صاحب “الرسالة الإلهية” و”المنقذ الأعظم” فهو صاحب كل السلطات دون أن يكون لأي جهة سلطة عليه لتسائله أو تحاسبه.
إن سعيد هو الذي يحدد الخيارات العامة للبلاد ولا أحد يراقبه في ذلك. وهو الذي يعيّن الحكومة التي لا مسؤولية لها إلا أمامه ولا رقابة عليها إلا من طرفه وهي محصّنة من سحب الثقة إلا منه هو. وهو الذي يتولى التشريع بعد أن حوّل السلطة التشريعية إلى وظيفة وقسّمها إلى غرفتين مسلوبتي الإرادة، يكرّسان ما يريده، دون معرفة إن كانا سيخضعان للانتخاب العام والمباشر أم لا، لأن قيس سعيد يحتفظ لوحده بالقانون الانتخابي الجديد الذي سيصدره بمرسوم غير قابل للطعن والذي يتوقع أن يحذف منه الانتخاب المباشر للنواب تحقيقا لبرنامجه المعلن قبل انتخابه عام 2019 والخاص “بالنظام القاعدي”.
أما القضاء الذي تحوّل بدوره إلى “وظيفة” فقد جرّده سعيد من استقلاليته ومن دوره في حماية الحريات وضمان حقوق الناس وبالتالي فهو الذي يعيّن، في نهاية الأمر، القضاة، مع العلم أنه ألغى مؤسسة المجلس الأعلى للقضاء وقسّم الجسم القضائي إلى ثلاثة أقسام منفصلة عن بعضها لإبقاء القضاة تحت سطوته. وبالإضافة إلى ذلك فقد ألغى سعيّد دسترة المحاماة وضمانات المحامي وألغى ما كان في دستور 2014 من منع لتكوين محاكم استثنائية ولاتخاذ إجراءات استثنائية تمس من أسس المحاكمة العادلة. وأخيرا حصر سعيّد المحكمة الدستورية في سلك القضاء من خلال تنظيم تعيين يتولاه بنفسه من شأنه القضاء على استقلالية هذه المحكمة وتحويلها إلى دمية بيده كما سنرى ذلك لاحقا عند تعرضنا للحريات ودور المحكمة الدستورية في حمايتها.
وبالإضافة إلى ذلك فقد ألغى سعيد جلّ الهيئات الدستورية التعديلية التي جاء بها دستور 2014 ومن بينها هيئة الاتصال السمعي البصري بما يفتح الباب مجددا لسيطرة سعيد “الحاكم بأمره” على الإعلام لتدجينه وتوظيفه كما في عهد الدكتاتورية. ولئن أبقى سعيّد على الهيئة العليا للانتخابات فإن دستوره لم ينص على كيفية تشكيلها بل لم ينص على انتخابها وهو ما يرجح تعيينها من طرفه وقد شرع فيه عمليا بتعيين الهيئة الحالية وتمتيع أعضائها بالعضوية طيلة ست سنوات لتشرف على تزوير الاستفتاء القادم وانتخابات ديسمبر 2022 ولم لا انتخابات 2027 إن تمّت…
وبالإضافة إلى ذلك فقد همّش مشروع سعيّد دور المعارضة البرلمانية ولم يخصص لها أي فصل على غرار دستور 2014 بل على غرار كل الدساتير الحديثة التي تتجه نحو دسترة المعارضة البرلمانية والمعارضة السياسية عموما. ولا يوجد أي سرّ في سلوك قيس سعيّد فالرجل، بما يحمله من نمط فكري، محافظ وعاد للديمقراطية لا يؤمن بالمعارضة ولا بالتعددية الحزبية التي يعمل على إلغائها لأنه يريد أن يجد في مواجهته في الأجهزة التمثيلية “القاعدية” التي يريد فرضها، أفرادا معزولين بعضهم عن بعضهم بما يسهّل التحكّم فيهم وعزلهم في أي لحظة.
ومن جهة أخرى فإن قيس سعيد لم يتورّع عن التخلي عن الفصلين 18 و19 من دستور 2014 اللذين ينصان على أن الجيش والأمن مؤسستان جمهوريتان. وكان هذان الفصلان محل جدل كبير وكادت تعترض عليهما حركة النهضة لأنهما يبعدان هاتين المؤسستين عن التجاذبات الحزبية. وقد عوض سعيد هذين الفصلين بالفصل 94 الذي ينص على أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة دون الإشارة إلى طابعها الجمهوري.
ومن مخاطر دستور قيس سعيد رجوعه في الفصل 96 إلى الفصل 80 من دستور 2014 حول “الخطر الداهم” وما يحتمه من “إجراءات استثنائية”. ولكنه رجع إليه ليمنح نفسه تقدير هذا الخطر بمفرده واتخاذ ما “تحتمه الظروف من تدابير استثنائية…..” دون تحديد مدّة هذه التدابير. وليس هذا من باب السهو. فقيس سعيد، بعقلية “الخليفة” و”السلطان” و”الدوتشي”، يفكّر في البقاء في السلطة إلى يوم يبعثون. ولن يتحقق له ذلك إلا بمثل هذه الأساليب الاستثنائية، مع العلم أن قيس سعيد لئن حدد مدة حكم الرئيس بعهدتين فإنه لم يغلق الباب أمام إمكانية “التمديد” وذلك بحذف ما جاء في مشروع “اللجنة” من منع لإمكانية تعديل الفقرة الخاصة بهذا الموضوع. وبالإضافة إلى ذلك فإن الصادق بلعيد نفسه الذي كان محل ثقة قيس سعيد وكلفه بصياغة مشروع دستور، قبل أن ينقلب عليه وعلى مشروعه، لم يتوان عن التعبير عن مخاوفه من رجوع مشروع دستور قيس سعيد إلى الفصل الخاص بالخطر الداهم 80 متوجسا من أن الرجل يريد أن “يضمن من خلاله صلاحيات واسعة في ظروف يقررها بمفرده وهو ما من شأنه التمهيد لنظام دكتاتوري مشين” حسب قوله.
وبطبيعة الحال وفي وضع كهذا ماذا سيبقى للحريات الفردية والعامة من معنى وهي التي ينتفي الحديث عن الجمهورية من دونها؟ لا شكّ أنّ قيس سعيد حافظ في مشروع دستوره على باب الحريات والحقوق أو على جلّه كما ورد في دستور 2014. لكن الجميع يعلم أن الحريات لها ضماناتها وهذه الضمانات لا يمكن أن تتوفر في ظلّ حكم فردي مطلق، كحكم قيس سعيد، يغيب فيه أولا فصل السلطات بعضها عن بعض، وثانيا التوازن بينها، وثالثا مراقبة بعضها لبعض. كما يغيب فيه القضاء المستقل والهيئات التعديلية والرقابية. لقد جمّع سعيد بين يديه كل السلطات بما يمكّنه من إلغاء حرية التنظم والتعبير والتظاهر مثلا بجرة قلم خاصة أن الجميع يعلم عداءه للأحزاب السياسية بشكل خاص، ولحرية التنظم بشكل عام منذ حملته الانتخابية. كما أنّه دجّن القضاء، “ضامن الحريات والحقوق”، وألغى الهيئات الرقابية ومن بينها الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب. وألغى كل إشارة إلى المعاهدات والاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان ومناهضة التعذيب التي صادقت عليها الدولة التونسية. وبالإضافة إلى ذلك كله فقد سيّج قيس سعيد، في أكثر من موطن، ممارسة تلك الحريات المنصوص عليها في “دستوره” بعبارات من نوع “حسب ما يضبطه القانون” أو “حسب ما ينظمه القانون”. وهو ما يذكرنا تحديدا بما ورد في الفصل الثامن من دستور 1959 ومجمل القوانين التي ترتبت عنه (قانون الجمعيات، قانون الصحافة، قانون التظاهر الخ…) لخنق الحريات وتجريم ممارستها. كما سيّجها بما ورد في الفصل 55 من تنصيص على ضبط ممارسة الحريات والحقوق بمقتضيات “احترام الآداب العامة” و”الأمن العام” وكلها صيغ مطاطة قابلة للتأويلات المختلفة التي تحدّ من ممارسة الحريات.
ويتأكد هذا الأمر بغياب محكمة دستورية حقيقية يمكن أن تلجم الأغلبية الحاكمة وتكبت جماحها. إن القضاء الدستوري وعلى إثر التطوّرات التي شهدها الفصل بين السلطات حيث أصبح الحديث أكثر عن فصل سلطة سياسية بمكونيها التنفيذي والتشريعي (نفس الأغلبية الحاكمة) من جهة وسلطة قضائية على رأسها محكمة دستورية تقيم التوازن الحقيقي وتمثل صمّام الأمان لحماية الحريات والحقوق التي تمثل جوهر النظام الديمقراطي من جهة ثانية. لقد نسف قيس سعيد هذه الضمانة لمّا حوّل المحكمة الدستورية في مشروعه إلى جهاز يتركّب من كبار القضاة (9 قضاة من مختلف الأسلاك القضائية) الذين تلعب السلطة التنفيذية (الرئيس) دورا حاسما في تعيينهم في أعلى المسؤوليات وفي مسار تقدمهم المهني، وأقصى من تركيبتها الأكاديميون وبقية التمثيلات الأخرى (المحامون الخ…) جاعلا منها مجرد هيكل تقني، غير مستقل، تغيب عنه التصورات والقدرة على الاستشراف وهي أمور مطلوبة في مثل هذه الهياكل في التجارب المقارنة باعتبار المحاكم الدستورية هي المشرف الأول على عملية تطوير المنظومة القانونية وتحيينها. لقد جعل سعيد من أهم مؤسسة في البناء الديمقراطي الحديث، ونعني المحكمة الدستورية مجرد هيكل تقني تابع للسلطة التنفيذية وتحديدا لشخصه باعتباره الماسك بهذه السلطة بالكامل.
أمّا بالنسبة إلى المساواة بين الجنسين مساواة تامة في الحقوق، فلا تنصيص عليها، ولا إشارة إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، إذ اكتفى مشروع قيس سعيد بالتنصيص على مساواة المواطنات والمواطنين أمام القانون في الحقوق والواجبات (الفصل 23) وهو تنصيص لا يعني بالضرورة، كما تشهد على ذلك عدة دساتير عربية، تنصيصا على المساواة التامة بين الجنسين في كافة المجالات إذ تعتبر “مقاصد الشريعة”، فوق كل الدساتير والقوانين الوضعية. وقد سبق لسعيد أن عبّر عن ذلك بوضوح حين اعتبر المساواة “مفهوما شكلانيا” وعوضه بمفهوم “العدل” القديم الذي صاغه الفقهاء لتبرير كافة أشكال الميز والاضطهاد، متناسيا أن المساواة هي الأصل وألاّ عدل إلا بين شخصين متساويين، ونفى أي إمكانية للمساواة بين الجنسين في مجال الميراث مثلا بدعوى تعارض ذلك مع الشريعة (خطاب 13 أوت 2020)، زد على ذلك أنه لم يتحرج في اعتبار “الفضاء العائلي”، “فضاء خاصا” لا يخضع للقانون بما يشرع كافة أشكال العسف المسلط على النساء والأطفال. وفي كلمة فإن قيس سعيد يمثل خطرا كبيرا على مكاسب النساء التونسيات ولا تفيد في شيء تلك الإشارات الموجودة حول الحفاظ على هذه المكاسب وتطويرها طالما أن الفصل الخامس موجود وهو يخضع كل شيء لـ”مقاصد الشريعة” التي نعرف فهم سعيد وتأويله المحافظ والرجعي لها.
وهكذا فنحن إذن أمام حاكم يتمتع بسلطة غير مقيّدة، لا رقابة عليه ولا رادع له مهما فعل. وهو أمر عشناه منذ انقلاب 25 جويلية 2021 حيث تصرف قيس سعيد على هواه وأظهر بشكل سافر عداءه للحريات والحقوق والمساواة بين الجنسين في أكثر من مناسبة واستعمل المحاكم العسكرية لتصفية خصومه السياسيين وهاجم القضاة ودجن الإعلام العمومي ومارس الحجز القسري ومنع الآلاف من حرية السفر الخ… . ولكن بعد الاستفتاء سيقوم بذلك باسم “الشرعية الدستورية” لا باسم التدابير الاستثنائية. فهل لكل هذا علاقة من قريب أو من بعيد بالجمهورية؟ بالطبع لا. إنه الاستبداد بعينه. فليس كلّ ما يسمّى جمهورية هو جمهورية بالفعل. ولا بد من إبداء ملاحظة في هذا الشأن فنحن لسنا، من الناحية الشكلية، أمام استبداد من النمط البورقيبي أو النوفمبري الذي اتخذ في كلتا الحالتين شكلا “حداثويا”. إننا أمام استبداد شعبوي بمسحة دينية، محافظة، “مهدويّة” (الإيمان بأن له مهمة خاصة لإرشاد الشعب إلى الطريق القويم)، خطيرة. إن قيس سعيد لا يتكلّم باسم الشعب فحسب لكنه بإقحام الدين/الشريعة في الدولة أصبح يتكلّم باسم الدّين أو الله أيضا، أصبح “الحاكم بأمر الله”. وهو ما يفسّر سلوكه العنجهي إذ أنه يرفض الكلام مع الإعلام، كما يرفض محاورة المثقفين والمبدعين وفي كلمة كل الأطراف التي يلتقيها، ظنّا منه أنه وجد ليتكلم ويأمر فقط بينما يطالب الآخرون بالسمع والطاعة. وما من شكّ في أن ما فعله مع “لجنة” الصادق بلعيد يمثّل نموذجا لهذا السلوك. ونفس الشيء يقال عمّا فعله مع الشعب التونسي، فقد قدم إليه دستورا للاستفتاء دون أن يكون له الحق في الاطلاع عليه مسبقا ومناقشته. فما يكتبه قيس سعيد ويقدمه ليس قابلا للنقاش. ومن المفارقات أن هذا السلوك المتغطرس مطابق لمحتوى مشروع الدستور المنافي لأبسط المبادئ الديمقراطية.
الاستفتاء المهزلة والاستبداد في خدمة منْ؟
ما من شك في أن السؤال الذي يطرح نفسه هو التالي: من له مصلحة في الاستفتاء المهزلة وفي الاستبداد الشّعبوي المتخلف الذي سيشرعه؟ إن قيس سعيد ليس مجرد شخص نزل من السماء، ولكنه يمثل استجابة لمصالح فئات اجتماعية محدّدة في لحظة تاريخية محددة. ولو لم يكن الأمر كذلك لما وصل سعيّد أصلا لدفّة الحكم وحتى لو وصله “عرضا” لقضي عليه بسرعة البرق. ولكن الرجل وصل إلى السلطة وقام بانقلاب وهو يسير بشكل حثيث نحو إرساء دكتاتورية. وهو ما يدعونا إلى البحث عن القوى الداخلية والخارجية التي لها مصلحة مؤكدة فيما يحصل.
لقد بيّنّا منذ اللحظات الأولى لانقلاب 25 جويلية 2021 أن الأمر يتعلق بثورة مضادة داخل الثورة المضادة، بانقلاب جزء من المنظومة على الجزء الآخر بعد صراع حادّ حول الصلاحيات. كما بيّنّا أن هذا الانقلاب، المدعوم إقليميا بشكل مفضوح من ثلاثي مصر والإمارات والسعودية، جاء لإنقاذ النظام القائم الذي وصل إلى درجة خطيرة من التعفن تهدّد بانفجار اجتماعي سياسي يمكن أن يعصف به برمّته. إنّ الشعبوية، كما هو الحال في عدة بلدان من العالم، لم تكن سوى بديل رجعي للديمقراطية التمثيلية الفاشلة والفاسدة: الحفاظ على مصالح الفئات المهيمنة من الداخل والخارج، بشكل آخر للحكم. وهو ما حصل في العديد من البلدان في أوروبا وآسيا وأمريكا وغيرها.
وبإمكاننا بعد الأشهر التي انقضت من مسار الانقلاب أن الفئات التي لها مصلحة في هذا المسار أي في تركيز نظام استبدادي، يصفّي مكاسب الثورة التونسية ويقبرها نهائيّا بدعوى أنها هي التي جاءت بـ”حركة النهضة” وقادت إلى “خراب البلاد”، هذه الفئات هي أولا بيروقراطية الدولة الأمنية/العسكرية/الإدارية الذي ظلت إلى حدّ ما متماسكة، هذا إذا لم يتعزز دورها في حالة الفوضى التي عاشتها وتعيشها البلاد. تضاف إلى هذه الفئات حفنة العائلات التي تتحكم في مفاصل الاقتصاد من بنوك وشركات تأمين وتجارة داخلية وخارجية ونيابات شركات أجنبية في عدة قطاعات صناعية وخدماتية وغيرها. هذه الفئات تمكنت من استعادة أنفاسها وتغوّلت من جديد، ورغم شعارات مقاومة الفساد والثراء غير المشروع التي ظل يرفعها قيس سعيد، فقد ظلت قريبة منه وظل يطمئنها باستمرار على مصالحها من خلال لقاءاته الدائمة برئيس نقابة الأعراف ومجمع البنوك وشركات التأمين الخ…
إن هذه الفئات كلّها العميلة والطفيلية، لا مصلحة لها في الحريات ولا في الديمقراطية خاصة في هذا الظرف المتأزم الخطير بل تحتاج إلى يد قوية “تعيد النظام”، و”تعيد الناس إلى العمل” و”الانضباط”، وتفرض الإجراءات التقشفية التي يطالب بها صندوق الدولي منذ سنوات. وتشعر كل هذه الأطراف، والقوى التي تدعمها إقليميا ودوليا بأن الوقت قد حان “للحسم”. وهو ما يفسر الخطى الحثيثة التي يسير بها قيس سعيد من جهة وحكومته من جهة ثانية دون أن يعبآ بالاحتجاجات وحتى النّقود الموجّهة إليهما من بعض الأوساط الخارجية فيما يخص ملف الحريات وحقوق الإنسان والقضاة الخ…
إن مخطط “الإصلاحات الاقتصادية والمالية” التي تقدمت بها نجلاء بودن وكسبت بها رضاء صندوق النقد الدولي ومن ورائه كبريات الدول الرأسمالية تعني عمليّا ذبح الطبقات والفئات الكادحة والشعبية وسلخها: رفع الدعم (تحرير الأسعار) عن المواد الأساسية في لحظة تشتعل فيها الأسعار أصلا، وقف الانتدابات في وقت تتفاقم فيها البطالة ويمثل التشغيل المطلب الأساسي لمئات الآلاف من المعطلين، تجميد الأجور والتخفيض من كتلة الأجور وهي أصلا أجور يؤس، خوصصة المنشآت العمومية لاستكمال بيع ما تبقى في البلاد للأجنبي الخ… وبالطبع فهذه السياسة الوحشية لن يتحقّق دون قمع كل مقاومة تبديها الطبقات والفئات الكادحة والشعبية وكل معارضة جذرية وتقدمية ودون تحجيم الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يتعرض لشيطنة غير مسبوقة ودعوات مكشوفة لكسره وكسر مختلف قوى المجتمع المدني المناضلة.
خطان يسيران جنبا إلى جنب وفي تناسق تام: الاستبداد الفكري والسياسي من جهة والهجوم الكاسح على قوت الطبقات والفئات الكادحة. وكما هو الحال في مختلف التجارب فإن الشعبوية الفاشية التي تخدم مصالح الحيتان الكبيرة تجد صدى في بعض الأوساط المفقرة والمهمشة وخاصة الفئات الوسطى المتدحرجة باستمرار إلى أسفل ظنّا منها أنها ستجد خلاصها في هذه الشعبوية والحال أنها ستدمرها وتعمق جراحها.
إلى المقاطعة لإسقاط الاستفتاء ومشروع سعيد الاستبدادي
إن واجبنا أن نعمل بكل ما أوتينا من قوة وجهد على فضح الاستفتاء المهزلة وعلى إفشاله وإسقاطه لأن ذلك هو الطريق نحو إسقاط سعيد ومشروعه وفتح آفاق جديدة لمجتمعنا وبلادنا. وتمثل المقاطعة يوم 25 جويلية القادم الموقف الأسلم لنخطو الخطوة الأولى نحو تحقيق هذا الهدف. إن المشاركة بـ”لا” في هذه المهزلة لا جدوى منها ولا يستفيد منها إلا الدكتاتور الذي يبحث عن تضخيم نسبة المشاركة. إن سعيّد لم يحدد عتبة في الاستفتاء وهو ما يجعله يمرّره مهما كانت نسبة المشاركة. وبالإضافة إلى ذلك فالهيئة المشرفة على الاستفتاء هي هيئة معينة من سعيّد نفسه ومهمتها هي التزوير ولا شيء غير التزوير وهو ما بدا واضحا من خلال التضييقات التي ضربتها الهيئة المذكورة على حرية التعبير والدعاية خلال الحملة، دون أن ننسى التعيينات الجديدة في الإدارة (ولاة، معتمدون…) على أساس الموالاة لمشروع “الرئيس”. وأخيرا فإن الفصل 139 من مشروع دستور قيس سعيد لا يضع في الاحتمال مطلقا فشل الاستفتاء بل يعتبره ناجحا مسبقا وينص على أن الدستور سيدخل حيّز التطبيق مباشرة يوم 25 جويلية حال إعلان الهيئة النتائج دون إيلاء أهمية لطبيعة هذه النتائج.
فلنقاطع الاستفتاء المهزلة إذن حتى لا نضفي على الدكتاتور أية شرعية أو مشروعية ولو بشكل غير مباشر أي بالمشاركة بـ”لا”. وبطبيعة الحال فإن إسقاط سعيد ومشروعه لا يعني حتما العودة إلى ما قبل 25 جويلية 2021 كما يزعم خدم سعيد لتخويف المترددين من بنات شعبنا وأبنائه. إن مصيرنا لا ينحصر في الاختيار بين الطاعون والكوليرا. إنهم يخيفوننا بحركة النهضة ليفرضوا علينا نظاما أشنع من حكم “النهضة” أو في أفضل الحالات لا يختلف عنه في توظيف الدين سياسيا وفي اختياراته الاقتصادية والاجتماعية المعادية للوطن والشعب. وإلى ذلك كلّه فإن القوى الحيّة في مجتمعنا وشعبنا لها تجربة في مقاومة حركة النهضة كما لها تجربة في مقاومة كل أشكال الاستبداد، وهو ما يجعلها قادرة على شق طريقها بشكل مستقل، لا عن حركة النهضة وبقايا نظام بن علي فحسب، بل كذلك عن الشعبوية الاستبدادية المدمّرة، لرسم طريق الخلاص وإخراج بلادنا من أزمتها وإنقاذها من الانهيار وهو أمر ممكن.
إن صف معارضي الاستفتاء المهزلة يتعزز: نقابة الصحفيين، جمعية النساء الديمقراطيات، منظمة مساواة، المنتدى الاقتصادي والاجتماعي، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعشرات الجمعيات والمنظمات الأخرى تعبّر اليوم بقوّة عن رفضها لمشروع دستور قيس سعيد وتدعو إلى سحبه وتعبر عن تجندها للنضال من أجل الإصلاحات التي تستجيب لتطلعات التونسيات والتونسيين في الحرية والمساواة والدالة الاجتماعية.
فإلى الأمام. بلا هوادة ضد الاستفتاء المهزلة وضد الاستبداد.
لقد انتهى عهد الملوك والأمراء والسلاطين والخلفاء، والدوتشي والفوهر والقائد الملهم…
لقد انتهى عهد الخوف…
لنعمل على ألا يكون 25 جويلية 2022 انقلابا على دم الشهيد الحاج محمد البراهمي ودم شكري بلعيد ومحمد بلمفتي ومجدي العجلاني وكافة الشهداء من مدنيين وأمنيين وعسكريين أمنوا بفكرة الجمهورية.
عاشت الحرية…
تونس 7 جويلية 2022

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

17 − إحدى عشر =

إلى الأعلى