الرئيسية / صوت الوطن / انتخابات رئاسية ليست كسابقاتها
انتخابات رئاسية ليست كسابقاتها

انتخابات رئاسية ليست كسابقاتها

بقلم علي البعزاوي

بعد طول انتظار و”قيلْ وقالْ” أعلن الرئيس قيس سعيد أن الانتخابات الرئاسية ستجري في موعدها. ومنذ ذلك الإعلان كثر الحديث عن المشاركة والمقاطعة. ومثلما أعلن البعض عن نيته في الترشح أكّدت أطراف أخرى وفي مقدمتها حزب العمال أنها ستقاطع هذه الانتخابات. في حين لم تحسم أطراف أخرى موقفها من المسألة بصورة نهائية فاسحة المجال لمزيد النقاش وتبادل الرأي قبل اتخاذ القرار النهائي.

أهمية هذه المحطّة

إن هذه المحطة الانتخابية هي بمثابة التتويج لمسار طويل وضعه الرئيس قيس سعيد للسيطرة على الحكم. فبعد الاستشارة الالكترونية حول الخيارات الاقتصادية والتي لم نر لها أثرا في الواقع، وبعد تشكيل لجنة لكتابة دستور جديد ألقى الرئيس بمخرجاتها عرض الحائط وكتب دستورا بنفسه ولنفسه. وبعد الانتخابات البرلمانية والمجالس المحلية والجهوية التي توّجت بانتخابات المجلس الوطني للجهات والأقاليم (الغرفة الثانية) والتي تميّزت كلها بضعف الإقبال على صناديق الاقتراع (معدل 11 بالمائة من المسجّلين في القائمات الانتخابية شاركوا في التصويت)، ستنتظم في أواخر السنة الحالية وربما في مفتتح السنة القادمة المحطة الأخيرة حيث سيضع الرئيس نفسه أمام اختبار لثقة الشعب التونسي ليس في شخصه طبعا بل في الخيارات التي انتهجتها وتنتهجها الحكومات التي شكلها وفي أداء الوزراء والولاة والمعتمدين وكل المسؤولين على رأس مؤسسات الدولة، ومدى الاستجابة لانتظارات الشعب بعد أن خبر منظومة النهضة وكل الذين حكموا معها وفي مقدّمتهم التّجمع المُطاح به في 17 ديسمبر 2010 – 14 جانفي 2011.
إن فشل الحكومات المتعاقبة بدءا بحكومة محمد الغنوشي الأولى وانتهاء بحكومة المشيشي مرورا بحكومة الترويكا والنهضة /النداء وضعت المنظومة الشعبوية الجديدة أمام استحقاق هام وسقف عال من الانتظار آت. فما الذي تحقق فعلا بعد سنتين من الانقلاب؟ وهل تجاوز الحكم الجديد حالة الوهن والأزمة التي عاشت على وقعها البلاد في كل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية وعلى مستوى العلاقة بالخارج…؟

الانتخابات الرئاسيّة القادمة لن تكون كسابقاتها

أوّلا لا بدّ من التأكيد على أنّ الاستحقاقات المنتظرة من منظومة 25 جويلية لم تتحقّق على أرض الواقع. بل إنّ الأوضاع ازدادت تأزّما بفعل الانكماش الاقتصادي وشحّ السُّيولة المالية وانسداد إمكانيات الاقتراض وتعطّل الاستثمار العمومي والخاص وارتفاع نسب البطالة وتدهور القدرة الشرائية وتردي الخدمات الاجتماعية والصحّية والتربية وغيرها، إلى جانب ندرة المواد الحياتية والأدوية وانقطاعها لفترات طويلة أحيانا… إضافة إلى التّضييق المتزايد على حرية الرأي والتعبير والنشاط بموجب المرسوم 54 وبسبب عدم القدرة على إيجاد الحلول لقضايا الشعب والبلاد.
ثانيا من الصّعب جدا، إنّ لم نقل من المستحيل، انتظار أيّ انفراج وتجاوز لحالة الأزمة ما دامت المنظومة الشعبوية مصرّة على انتهاج نفس الخيارات الليبرالية المتوحشة وهي خيارات تخدم حصريا الأقلية الكمبرادورية وكبرى الشركات والمؤسّسات الأجنبية على حساب الأغلبية الشعبية التي تحملت دائما تبعات هذه الخيارات اللاشعبية واللاوطنية المنتهجة منذ 1956 إلى اليوم، وانعكاساتها المدمّرة.
وعليه فمن المنتظر أن تجري الانتخابات الرئاسية القادمة في مناخ من استفحال الأزمة على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. وبالتالي لن يجد الناخبون دوافع جدّية ملموسة للمشاركة ولن تتوفر أمامهم خيارات جديدة أو فرص لاختيار بديل وطني ديمقراطي شعبي اجتماعي من شأنها أن تشجّع على خوض غمار هذه الانتخابات.
إن الانتخابات – أيّ انتخابات – تُعدّ غير ذي أهمية إذا لم يدرك الناخبون /الناخبات أنها ستساعد على تغيير حياتهم نحو الأفضل وتفتح أمامهم أبواب الأمل من أجل الشغل والحرية والكرامة. لقد جرت الانتخابات في ظلّ المنظومات الرجعية الاستبدادية قبل 2011 في أجواء من اللامبالاة والخوف وعدم الثقة في المستقبل. ورغم أن النِّسب كانت مرتفعة بسبب الضّغط البوليسي من جهة والتلاعب بالأرقام من جهة أخرى (نسب مشاركة مزوّرة) فإنّ المواطنين كانوا على قناعة تامّة بأنها انتخابات لا شرعية ولا جدوى من ورائها أو المشاركة فيها ما دامت لا تقدّم حلولا ولا تستجيب للحد الأدنى من انتظاراتهم.
إن أولويات الأغلبية الشعبية ستتركز أكثر فأكثر في الفترة القادمة على توفير المواد الحياتيّة الضروريّة من غذاء وماء ودواء ولباس ومعاليم كراء، إلى جانب توفير الأموال اللّازمة لتدريس الأبناء ومساعدة المتخرّجين منهم على مغادرة البلاد بحثا عن شغل لائق (حرقة أو مغادرة قانونية)… وما يتطلّبه ذلك من جهود مُضنية (شغل إضافي، تشغيل بعض أفراد العائلة، البحث عن سلفة…) في ظلّ غلاء غير مسبوق للأسعار وصعوبة الحصول على قروض حياتية. وبالتالي فإن مجرّد التفكير في المشاركة في الانتخابات الرئاسية القادمة سيصبح مستعصيا وغير منطقي وأقرب إلى الخيال.

حول أيّ شعارات نهيّئ الجماهير؟

إنّ الدعوة إلى المشاركة في الانتخابات الرئاسية القادمة مجانبة للصواب وغير ذي معنى. وهي مخادعة للجماهير لأنها لن تحقّق لها التطلّعات والانتظارات المرجوّة، وستفضي في المقابل نوعا من الشّرعية على الانقلاب.
إن الموقف الأكثر انسجاما مع مزاج الجماهير والأقدر على ضمان مصالحها الآنيّة والبعيدة يتمثّل في الدّعوة لمقاطعة هذه الانتخابات ونزع الأوهام حول المنظومة الشعبويّة التي لا تختلف من حيث الخيارات والسّياسات عن سابقاتها والتي عجزت عن إيجاد الحلول الكفيلة بتخطي الأزمة التي تضرب المجتمع والبلاد مع فتح آفاق جديدة برسم بديل جديد وطني وديمقراطي وشعبي واجتماعي يحقّق السّيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الأوسع التي تمكّن الشعب التونسي من أن يكون سيّدا في بلاده، سيّدا على ثرواتها وعلى قراره الوطني المستقل.
هذا البديل لا يجب أن يبقى في مستوى الشعارات، بل لا بدّ من توضيحه وبلورة مضامينه السّياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعلى مستوى العلاقة بالخارج ودور العمّال والكادحين والنساء والشّباب وكلّ الفئات الشعبيّة في إثرائه وفرضه كخيار جديد للحكم قادر على بناء تونس الجديدة والخروج بها من دائرة التخلّف والتبعيّة والارتقاء إلى مصاف الدّول المتقدمة.

إلى الأعلى
×