الرئيسية / الافتتاحية / التعبئة الديمقراطية والشعبية لوقف الفاشية الزاحفة
التعبئة الديمقراطية والشعبية لوقف الفاشية الزاحفة

التعبئة الديمقراطية والشعبية لوقف الفاشية الزاحفة

منذ فيفري 2023 لم تتوقف الاعتقالات والمحاكمات السياسيّة في تونس. كانت الانطلاقة مع مجموعة ما أصبح يعرف بقضيّة “التآمر”. ثمّ توسعت لتشمل كلّ الأطياف السياسية والنقابيّة والمدنية والفعاليات الشبابية والإعلاميين والمحامين ورئيس جمعية القضاة وسائر المواطنين ناهيك أنّها لم تستثن حتّى مقرّبين من قيس سعيّد ومدافعين عن انقلابه من بينهم أحد النوّاب. وإن لم تكن التهمة التآمر على أمن الدولة فهي إمّا “فساد مالي” أو “جريمة اتصاليّة” تدخل تحت طائلة المرسوم 54 سيّئ الصيت. وقد كان آخر ضحايا هذا السيل الجارف من الاعتقالات العميد شوقي الطبيب الرئيس السابق لهيئة الحقيقة والكرامة الذي زُجّ به في السجن بـ”شبهة تدليس” خلال فترة رئاسته للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي حلّها قيس سعيّد في عام 2021. ورغم ما أثارته كل هذه الاعتقالات والمحاكمات من ردود فعل مستنكرة في الداخل والخارج لِمَا اتّسمت به من عسف طال حتّى أبسط الإجراءات التي تقتضيها المحاكمة العادلة فإن سلطة الانقلاب ماضية دون توقف في نهجها القمعي، بنفس الأساليب والأشكال، دائسة حتى على القوانين والإجراءات التي وضعتها بنفسها.

وليس خافيا أنّ الهدف من هذه الاعتقالات والمحاكمات هو تكميم الأفواه وزرع الخوف وترذيل أي انشغال بالشأن العام الداخلي والخارجي وإفراغ الساحة من كلّ معارضة حتّى تنفرد سلطة الانقلاب بالمجتمع. فهذه الاعتقالات والمحاكمات لا يمكن عزلها عن كل الخطوات التي قام بها قيس سعيّد مدعوما بـ”الأجهزة الصلبة” على طريق تصفية كافة المكاسب الديمقراطيّة التي حققها الشعب التونسي بنضاله وتضحياته والعودة بالبلاد إلى مربّع الدكتاتورية. لقد استهدف سعيّد المؤسسات التمثيلية والهيئات الرقابيّة ووسائل الإعلام ووضعها كلّها تحت قبضته. وهو يسعى اليوم إلى تصحير البلاد مستهدفا الأحزاب والاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمات والجمعيات المدنيّة محاولا تفكيكها بأساليب شتّى ليزيحها من طريقه وينفرد بالشعب التونسي الذي يريده مجرّدا من كل الأدوات التي تمكّنه من الدفاع عن حقوقه بشكل جماعيّ ومنظّم ومن أي سلطة قضائية أو رقابيّة يلتجئ إليها لحماية نفسه من انتهاك هذه الحقوق حتى يتسنّى له فرض ما يريد من اختيارات اقتصادية واجتماعية تفقيريّة ومدمّرة.

وبطبيعة الحال لا يمكن اعتبار هذا النهج القمعي الفاشي مجرّد نزوة أو قرار فردي من قيس سعيّد وإنّما هو سياسية طبقية واعية تعبّر عن مصالح كبار بيروقراطيي الدولة الماسكين بـ”الأجهزة الصلبة” والإدارة وكبار الأثرياء الماسكين بالجزء الأكبر من ثروة البلاد وكلاهما في خدمة الدول والشركات والمؤسسات المالية الأجنبيّة التي تنزع اليوم في سياساتها الداخلية والخارجية منزعا فاشستيا لمواجهة الأزمة العميقة التي تضربها. إنّ قيس سعيّد مثله مثل عديد الشعبويّين الفاشيّين في العالم، يمثّل الأداة التي تمرّر بها الخيارات والسياسات المعادية لمختلف الطبقات والفئات الكادحة والشعبيّة في تونس. وهو من دون “الأجهزة الصلبة” والأقليّات الثريةّ الطفيليّة في الداخل وأباطرة رأس المال الأجانب المتدخّلين في تونس لا وزن ولا سلطة له. وهو ما يفرض على الشعب التونسيّ الوعي بأنّه لا يواجه فردا إنّما يواجه قوى طبقيّة رجعيّة تتخفّى وراءه وهي صاحبة المصلحة الكبرى في تصفية كل مكاسب الشعب التونسي في المجال الديمقراطي لأنّ مصالحها لا تزدهر إلّا على أجساد الفقراء والمسحوقين.

إن تصدّي القوى الديمقراطية والتقدميّة للهجمة الفاشية الزاحفة والمطالبة بوقف الاعتقالات والمحاكمات الجائرة وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإن كان لا بدّ من ربطه مباشرة بالدفاع عن الحريات الفردية والعامة والحق في النشاط السياسي والنقابي والمدني ورفع اليد عن وسائل الإعلام وعن القضاء فإنّه يبقى من الضروريّ ربطه أيضا بوضع حدّ لنظام الاستبداد وقاعدته الطبقية التي تستعمله لتأبيد سيطرتها على العمال والكادحين والفقراء والشباب والنساء والمثقفين والمبدعين والحكم على مجتمعنا ووطننا بالتخلف والانهيار. وهو ما يتطلب دون شكّ تعبئة دائمة ومستمرّة من أجل استنهاض الحركة العمالية والشعبية في بلادنا لأنّه لا تغيير حقيقيا إلّا عن طريقها ومن الوهم الاعتقاد بأنّ الديمقراطية ستكون “ثمرة” انقلاب من الداخل أو تدخّل أو دعم من الخارج.

إلى الأعلى
×