في حركة نادرة أصدرت وزارة الدفاع بتاريخ 21 ماي الجاري بيانا تردّ فيه على ما أسمته “تواتر محاولات الزجّ بالمؤسسة العسكريّة وبقياداتها في التجاذبات والمزايدات والتشكيك في حيادها واستقلاليّتها…” و”تذكّر” بأنّ “الجيش الوطني هو جيش جمهوري قائم على الانضباط… في التزام تام بالحياد واحترام قوانين الدولة والتراتيب العسكريّة”، مضيفة أن الجيش التونسي “سيظل ملتزما بـ”بعقيدته العسكريّة” تلك متفانيا “في أداء الواجب بكل شرف وأمانة خدمة لمصلحة الوطن العليا”. وقد أثار هذا البيان تساؤلات عديدة في الداخل والخارج عن الرسالة التي تريد المؤسسة العسكرية إيصالها للرأي العام؟ وذهب الناس في الإجابة عن هذه التساؤلات مذاهب شتّى، كل واحد و”شهوتو”، فأنصار السلطة رأوا في البلاغ رسالة للمعارضات التي تعوّل على الجيش لوضع حدّ لمنظومة قيس سعيّد (“ما تعمّلوش على الجيش راهو موش معاكم”)، بينما رأى فيها البعض من معارضي هذه المنظومة رسالة إلى قيس سعيّد مفادها أنّ المؤسسة العسكرية “لا تزكّي” بالضرورة ما يقوم به في محاولة منها للتباين معه في الوضع الحالي الذي تتفاقم فيه الأزمة على مختلف الأصعدة. وبشكل عام يمكن القول إنّه قلّما حضر العقل والمنطق والعمق والموضوعيّة في غالبيّة ردود الأفعال التي تمّ تداولها في المنصّات الاجتماعيّة.
صحيح من الناحية الشكلية أنّنا أمام حدث نادر، إذ فهذه من المرات النادرة التي “تكلمت” فيها وزارة الدفاع (باسم المؤسسة العسكريّة) التي عوّدتنا على عدم الكلام. لكن يبقى الغموض يلفّ بالطبع السبب المباشر لإصدار هذا البلاغ هل هو حقّا “تواتر محاولات الزجّ…” كما جاء فيه وهو يعني بالدرجة الأولى، المباشرة، السطحيّة، ما يدور من كلام في وسائل التواصل الاجتماعي التي لا يمكن إنكار أنّها أصبحت منذ مدّة مصدرا يستقي منه قصر قرطاج “معلوماته” ويحرّك ردود أفعاله، أم هناك “سبب آخر”، ما يزال “غامضا” وسوف تكشف عنه الأيّام… ولكن وفي كل الحالات لا ينبغي أن ننسى أنّ الغموض والإشارة بالألغاز واستعمال الطلاسم وعدم تسمية الأشياء بأسمائها والسقوط في “الزقفونيات” و”الفرزدقيات” من خصائص خطاب سلطة الانقلاب الشعبويّة التي خلقت في الساحة “شرّاحا” و”مفسّرين” من مريديها لفكّ شفرة ذلك الخطاب الخاوي حقّا وتلهية الرأي العام به وحرف اهتمامه عمّا يجري في الواقع. وما من شكّ في أنّ ما دفع هذه المرّة إلى كثرة التأويلات ليس فقط عدم ورود أي معطى ملموس في بلاغ الوزارة يساعد على فهمه وإنّما أيضا غياب أيّ حدث بارز ومعلوم يمسّ مباشرة المؤسسة العسكرية أو يقحمها في مسألة من المسائل ممّا يضطرّها إلى ردّ الفعل.
وحتى لا نضيع الوقت في التأويلات والتخمينات التي لن تقدّمنا خطوة، علينا التوجه رأسا إلى عمق المسائل الراهنة التي تشغل حقّا بال الشعب التونسي في انتظار أن تتضّح الأمور. وهنا علينا أن نشير أوّلا إلى أنه من الثابت أنه لولا دعم المؤسستين العسكرية والأمنية ما كان لقيس سعيّد أن يقوم بانقلاب 25 جويلية ويصفّي مكتسبات الثورة الديمقراطية ويعود بالبلاد إلى مربع الدكتاتورية ويطوّع القضاء ويلجم الإعلام ويهجم على المجتمع المدني والسياسي ويملأ السجون بالمعتقلين السياسيين. فقيس سعيّد لا يملك قوة فعلية (السياسة تقاس بالقوة الفعلية لا بالصلاحيات الواردة في النصوص) إلا من خلال هاتين المؤسستين وكذلك من خلال كبار بيروقراطيي الإدارة الحكوميّة، ناهيك أنّه لا يملك لا حزبا سياسيا أو تيارا منظما فاعلا ووازنا ولا مؤسسات لها عمق تمثيلي تسنده. وثانيا لا يوجد في الواقع ما يدفع إلى التفكير في أنّ المؤسسة العسكرية نأت بنفسها عن دعم الانقلاب وسحبت تأييدها لقيس سعيّد وهو ما يدلّ عليه استمرار القمع بلا هوادة وتواصل تدهور الحالة المعيشية للناس. ففي نفس اليوم الذي صدر فيه البلاغ كان قضاء التعليمات يصدر حكما بـ10 سنوات على رئيس إحدى الهيئات الدستوريّة التي حلّها قيس سعيّد بدعم من المؤسستين العسكرية والأمنيّة. وفوق ذلك كلّه لا يمكن بأي شكل من الأشكال الحديث عن “جيش جمهوريّ”، “مستقلّ” عن السلطة التنفيذية و”محايد”في علاقة بـخصوماتها مع معارضيها ومنتقديها في الوقت الذي لا توجد فيه جمهوريّة أصلا بل يوجد فيه حكم فردي مطلق.
فماذا يبقى لنا إذن لمحاولة فهم مغزى البلاغ بشكل موضوعي؟ إنّه السياق الذي جاء فيه وما يضفيه عليه من دلالات.ومن هذه الزاوية فإنّ ما أعطى البلاغ “معنى” هو بكل تأكيد الأزمة العامة والشاملة المستفحلة في البلاد وما تثيره من جدل ومن تصوّرات لـما “بعد سعيّد” أو لـ”اليوم الموالي” لسقوط حكمه الذي أصبح يستقطب اهتمام الداخل كما الخارج. وعلى هذا الأساس فبلاغ وزارة الدفاع يمكن النظر إليه كعلامة من علامات تفاقم أزمة السلطة. فحتى في مستواه الأدنى أي إذا صحّ أنّه ردّ على حملات الشبكة الاجتماعيّة فهو يمثّل علامة تنضاف إلى غيرها من علامات تفاقم الأزمة السياسيّة التي لا تقف عند حدّ علاقة السلطة القمعية، الاستبداديّة بالأحزاب والمجتمع المدني والاتحاد العام التونسي للشغل والفعاليات الشبابية والنسائية والثقافية والحركات الاحتجاجية بل تتعدّاه إلى السلطة نفسها التي تعتريها علامات تفكّك رغم محاولتها إنكار الأمر (“تجميد” علاقة الحكومة بالبرلمان لمدة شهر، وزارات بلا وزراء، سفارات بلا سفراء وقنصليات بلا قناصل، بلديات دون مجالس بلديّة، منشآت عموميّة دون رؤساء مديرين عامّين…). يضاف إلى ذلك الأزمة الاقتصادية والمالية التي تشتدّ يوما بعد يوم دون أفق لمعالجتها وما لذلك من انعكاسات درامية على الأوضاع المادية والمعنويّة لعموم الشعب. وقد أدّى كل ذلك إلى اتساع دائرة التذمر والغضب والنقد علاوة على تواتر الاحتجاجات ممّا يؤشّر لاحتمال انفجارات سياسية واجتماعية يمكن أن تفاجئ الجميع وفي مقدّمتها منظومة الحكم كما جرى في أغلب الأحيان في تاريخ تونس.
في هذا الإطار العام أصبح التفكير في “اليوم الموالي” لحكم قيس سعيّد مطروحا كما قلنا في الداخل والخارج، كلّ يفكّر في مصلحته. وما من شكّ في أنّه في ظلّ ضعف الحركة الثورية والتقدمية من جهة ومحدودية الحركة الاجتماعية والشعبية مدّا ووعيا وتنظيما أخذت تطفو على السطح، خاصة في أوساط المعارضات الليبرالية والإصلاحية وعلى وجه الخصوص لدى امتداداتها في الهجرة نزعة إلى انتظار الحل من “فوق” وتحديدا من المؤسسة العسكريّة وهو ما يفسّر تواتر الدعوات إليها إلى “التحرّك”، ومن “الخارج” أيضا وتحديدا من الجهات ذات النفوذ الاقتصادي والمالي والأمني والعسكري في تونس ونقصد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تعمل تلك الامتدادات على إقناعها بـاستغلال نفوذها لـ”الضغط على قيس سعيّد”. وما من شكّ في أن “البدائل” التي يروّج لها في هذا الإطار إنّما هي بدائل من شأنها إعادة إنتاج التجارب السابقة الفاشلة، هذا دون الحديث عمّا يمكن أن تعدّه منظومة الحكم الحالي من سيناريوهات للتصدّي لتطور الأوضاع سواء عن طريق القمع السافر والشامل أو عن طريق تجديد النظام لنفسه بما في ذلك عبر انقلاب “ناعم” لتجديد نفسه.
في مثل هذا الحال فإن الحركة الثورية والتقدّمية لا يمكنها بأيّ شكل من الأشكال أن تستسلم لواقع الضعف الذي هي عليه وتترك الساحة سواء لمنظومة الحكم كي تستمرّ في نهجها الاستبدادي الذي قد يتّخذ أشكالا أشرس مما هو عليه الآن ليكون ضحيتها الأولى الحركة الاجتماعية والشعبية والقوى الثورية والتقدمية نفسها، ولا للمعارضات الرجعية والانتهازية التي لا برنامج لها في أقصى الحالات، وفي صورة ما إذا حالفها “الحظ” للعودة إلى الحكم، سوى الرجوع إلى نظام ليبرالي منفصل عن الشعب وعن مطامحه السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهو ما من شأنه أن يمهّد الطريق مجدّدا لانقلابات جديدة. ومن هذا المنطلق فإن القوى الثورية والتقدمية ومنها حزبنا من واجبها أن تعمل ليلا نهارا من أجل تطوير قواها وتعميق روابطها بالطبقات والفئات الكادحة والشعبية على قاعدة برنامج واضح وملموس تلتفّ وتتنظّم حوله حتى تحقق تغييرا جذريا حقيقيا مستفيدة في ذلك من النقائص الكبرى لثورة 2010-2011 التي تمكّنت القوى الرجعية من إجهاضها ومهّدت طريق الوصول إلى الحكم لقيس سعيد الاستبدادي الشعبوي الذي بدأ رأسا بتصفية المكاسب الديمقراطية للثورة. ولا بدّ أن يرتبط هذا العمل التوعوي والتنظيمي الكبير بالانخراط الملموس في النضالات السياسية والاجتماعية، فالثوري الحقيق هو ذاك الذي يكون في مقدمة النضال ضدّ الاستبداد دفاعا عن حرية الشعب وحقوقه ومنها اليوم التصدي للقمع والمطالبة بوقف الاعتقالات والمحاكمات الجائرة وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ورفع اليد عن القضاء والإعلام ومنها أيضا الدفاع عن الحقوق المادية والاجتماعية للشعب وفي مقدمتها الحق في الشغل وفي أجور مناسبة وفي خدمات عامة راقية ومجانية.
هذا هو الطريق إلى التغيير وهو الكفيل وحده بإحباط كافة المحاولات للاحتيال على شعبنا من جديد.
صوت الشعب صوت الحقيقة
