بقلم : حمادي المثلوثي
لم يعد ما يجري في القدس مجرّد إجراءات متفرّقة تقوم بها سلطات الاحتلال الصّهيوني، بل أصبح مشروعا متكاملا يهدف إلى تغيير وجه المدينة بالكامل، أرضا وسكنا وهوية.
نحن اليوم أمام مرحلة متقدّمة من التهويد، تدار بشكل منهجي ومدروس، وتسعى إلى فرض واقع نهائي يجعل من القدس عاصمة “موحّدة ” للكيان الصهيوني، عبر إقصاء الوجود العربي الفلسطيني وتفكيكه.
في هذا السياق يمثل تغيير الهوية الديمغرافية أحد أهم ركائز المشروع الصهيوني في القدس. إذ تعمل سلطات الاحتلال على تهجير الفلسطينيين بطرق مباشرة وغير مباشرة عبر سحب الهويات، وفرض الضرائب المرتفعة، ومنع تراخيص البناء، وهدم المنازل… وفي المقابل، يتم تكثيف الاستيطان بشكل غير مسبوق، سواء عبر توسيع المستوطنات القائمة أو إنشاء مستوطنات جديدة داخل الأحياء العربية وذلك لخلق حالة من التوازن السكّاني المختل لصاح المستوطنين، بما يضمن السيطرة الدّائمة على المدينة.
ولا يقتصر هذا المشروع على التركيبة الديمغرافية، بل يمتد إلى استهداف الهوية الحضارية والتّاريخية للقدس، حيث عمل الاحتلال على طمس المعالم العربية الإسلامية بشكل ممنهج وهمجي، من خلال مصادرة الأوقاف الإسلامية، وتدمير عدد كبير من المساجد (تقول بعض المصادر 110 مسجدا) وتحويل عدد منها إلى معابد يهودية، إضافة إلى تدمير المقابر الإسلامية وجرفها لإقامة مستوطنات فوقها، كما تتواصل الحفريات تحت المسجد الأقصى بحثا على الهيكل المزعوم، قصد إعادة تشكيل التّاريخ بما يخدم السرديّة الصهيونيّة.
كما يسعى الاحتلال إلى عزل القدس عن محيطها عبر شبكة من المستوطنات والطرقات. ويُعدّ مشروع “القدس الكبرى” الذي انطلق منذ 1993 (متزامنا مع اتفاقية الاعتراف المتبادل بأوسلو)، أحد أبرز أدوات هذا العزل، حيث يسعى إلى ربط المستوطنات وعزل الضفّة الغربية وهو ما يجعل أي تواصل جغرافي أو ديمغرافي فلسطيني مستحيلا وبالتالي يجعل القدس جزيرة استيطانية مفصولة عن محيطها الطبيعي.
كما يعتمد الاحتلال الصهيوني على ترسانة من القوانين والإجراءات لفرض الأمر الواقع. فالقوانين الصهيونية تصاغ بما يضمن تكريس السيطرة على القدس واعتبارها عاصمة موحّدة لليهود وهكذا يتحول القانون إلى أداة استعمارية تُستخدم لإضفاء الشرعية على الاحتلال وتكريس واقع غير قابل للتفاوض.
وتُظهر المعطيات أن هذه السياسات لا تحظى فقط بدعم رسمي داخل الكيان الصهيوني حيث يؤيدها حوالي 85 بالمائة من الصهاينة، بل أيضا بغطاء دولي امبريالي واضح وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب حلفائها الغربيين وبصمت أو تواطؤ مذل ومهين من بعض الأنظمة العربية. ولا يمكن فصل هذا المسار عن طبيعة المشروع الصهيوني، باعتباره مشروعا استعماريا استيطانيا يقوم على اقتلاع السكّان الأصليين وإحلال مستوطنين من شتات العالم مكانهم. لذلك فتهويد القدس ليس مجرد سياسة ظرفية، بل هو جزء من استراتيجية شاملة، انطلقت منذ وعد بلفور سنة 1917 ، هدفها إعادة رسم الخريطة السياسية والديمغرافيّة لفلسطين والمنطقة.
في المقابل يواصل الفلسطينيون في القدس المقاومة والصمود رغم كل أشكال القمع والتضييق. فالحياة اليومية في القدس تحولت إلى ساحة مواجهة مفتوحة، حيث يصبح السكن والتعليم والدّفاع عن المقدّسات أشكالا من المقاومة الشعبية، كما أثبتت المواجهات التي شهدتها القدس خاصة سنة 2021 التي بينت أن المدينة مازالت قادرة على إشعال مواجهة نضالية واسعة تعيد القضية الفلسطينية إلى واجهة الصّراع وتحرج قوى التطبيع والتواطؤ والعمالة. غير أن هذا الصمود، رغم أهميته الكبرى، لا يمكن أن يكون بديلا عن استراتيجية نضالية شاملة. فالمعركة عل القدس هي جزء من صراع واسع ضد الامبريالية الداعمة للاحتلال والموفّرة له شروط الاستمرار. وهو ما يفرض ضرورة إعادة بناء وحدة وطنية فلسطينية على أسس نضالية، وتعزيز كل أشكال المقاومة الشعبية وربط القضية الفلسطينية بنضالات الشعوب ضد الامبريالية والهيمنة.
كما تتحمّل القوى التقدّمية في العالم العربي مسؤولية كبيرة، خاصّة في تونس، من خلال تحويل التضامن إلى فعل سياسي منظّم، عبر دعم حملات المقاطعة وتجريم التطبيع وفضح جرائم الاحتلال وربط القضيّة الفلسطينيّة بالنّضال ضد التّبعيّة والهيمنة الامبريالية.
بالمحصّلة يمكن القول إنّ القدس تعيش اليوم مرحلة خطيرة من التهويد الشامل، تهدف إلى إعادة تشكيلها بالكامل وفق منطق استعماري عنصري نازي. لكن هذا المشروع رغم قوّته، يصطدم بإرادة شعب متمسّك بأرضه وتاريخه وهويّته، وستظل القدس رمزا حيّا للنّضال التحّرري، وعنوانا دائما للصراع ضد الاستعمار والامبريالية والهيمنة من أجل الحرّية والكرامة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
