بقلم : علي البعزاوي
من نتائج الحرب الامبريالية الصهيونية على إيران والتي لم يتوقعها المعتدون مسارعة إيران بغلق مضيق هرمز ومنع حركة الملاحة عبره دون تنسيق مسبق مع السلطات الإيرانية، وردّ الامبريالية الأمريكية بفرض حصار مشدد على الموانىء الإيرانية ومنع مرور السفن التي تقبل بالشروط الإيرانية وتمر بعد دفع رسوم لإدارة المضيق.
هذا الوضع المستجد كأحد تداعيات العدوان خلق أزمة واضطرابا عالميا في إمدادات الطاقة تضررت منه عديد الدول وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي حيث تعطل تدفق البترول والغاز ووقود الطائرات القادم من دول الخليج وارتفعت أسعار المحروقات كما لم يحصل في السابق. وكلما حدث تصعيد ما أو تعثرت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة كلما ازداد لهيب أسعار المحروقات بما في ذلك في الولايات المتحدة ذاتها.
تداعيات هذه الأزمة التي مسّت كل دول العالم نزلت على تونس بأكثر حدة لأنها تواجه بطبيعتها عجزا طاقيا مزمنا بسبب تراجع الإنتاج المحلي للنفط والغاز كما أنها تعتمد بنسبة تفوق 90 % على الغاز لتوليد الكهرباء.
الأزمة في تونس مركبة وعميقة
تستورد تونس حوالي 73 % من إجمالي احتياجاتها من الطاقة وحوالي 14 % من حاجياتها من الكهرباء مباشرة من الشقيقة الجزائر. ويرى بعض المتابعين أن الارتهان لمورّد ومزوّد وحيد يضع تونس أمام تحديات اقتصادية وتنموية كبيرة بالنظر للمخاطر التي قد تحصل لهذا السبب أو ذاك.
وتعاني تونس من ارتفاع تكاليف الطاقة بالنظر لسعر النفط والغاز الذي يرتفع تباعا مع تواصل الأزمة في المضيق واشتداد الحصار وشح الموارد الطاقية المتوفرة وبسبب سعر صرف الدينار الذي يتدنى تباعا نتيجة استفحال الأزمة الاقتصادية في تونس وهي كما نعلم أزمة هيكلية مرتبطة بالخيارات العامة لمنظومة الحكم والسياسات المعتمدة التي ترهن الاقتصاد المحلي للدوائر الرأسمالية العالمية مما يجعله عرضة للأزمات الدورية التي تضرب تونس التابعة بأكثر عمقا.
كما تساهم هذه الأزمة الطاقية في تعميق العجز التجاري وتجعل تونس غير قادرة بحكم شح الموارد المالية على الإيفاء بالتزاماتها وتوفير الأمن الطاقي. وهذا من شأنه بطبيعة الحال أن يشكل عبئا إضافيا على ميزانية الدولة التي تعاني من عجز يقارب الـ26 مليار دينار (19 مليار دينار ستقع تعبئتها عبر الاقتراض الداخلي و6.8 مليار دينار سيقع توفيرها من خلال القروض الخارجية). ومن شأنه أيضا أن يساهم في تعطل الاقتصاد المحلي نموا وإنتاجا وعلى مستوى التشغيل، وفي مزيد دهورة القدرة الشرائية والخدمات الاجتماعية الأساسية إلى جانب اللجوء المستمر للتوريد بدل الإنتاج محليا.
بدائل وحلول مغشوشة
يمثل الغاز الطبيعي الوقود الأساسي في تونس إذ تعتمد عليه محطات الإنتاج التابعة للشركة التونسية للكهرباء والغاز (الستاغ) بشكل كامل. ورغم صعوبات وتكاليف الحصول على هذه المادة فإن تونس لم توجه اهتمامها بالسرعة المطلوبة للطاقات البديلة ولم تحاول استغلال الإمكانيات المحلية المتوفرة آليا من شمس ورياح كبديل عن الغاز الطبيعي المكلف ماليا.
وبالإضافة إلى التأخر والبطء في التوجه لتوليد الكهرباء من الطاقات المتجددة والاستغناء عن الغاز الطبيعي غير المتوفر في تونس فإن إنتاج الطاقات المتجددة عهد به إلى شركات أجنبية وحرمان الشركة التونسية للكهرباء والغاز من الامتلاك الحصري لهذا الحق رغم أنها مؤهلة من حيث الخبرات والقدرات للقيام بهذه المهمة على أحسن وجه. وهذا من شأنه أيضا دعم وتكريس الاستقلال الطاقي. كما لم تمكن الشركات الخاصة التونسية والمستثمرين المحليين من تولي هذه المهمة من خلال الامتيازات والتسهيلات حتى يصبح الإنتاج الطاقي صناعة وطنية خالصة، وبهذا نضرب عصفورين بحجر واحد: توفير الأمن الطاقي، أي الحاجيات المحلية، والاستقلال الطاقي أيضا وهو عنوان بل أحد أهم شروط السيادة الطاقية التي تعتبر جزءا أساسيا من السيادة الوطنية المنشودة والتي طالما تغنت بها ورفعتها الشعبوية اليمينية الحاكمة كشعار للتضليل.
إن استهداف تونس رفع حصة الطاقات المتجددة لتصل إلى 30 % سنة 2035 من إجمالي إنتاج الطاقة غير كاف ولا يساعد على الخروج من الأزمة الطاقية إضافة إلى أن الجزء الأهم من الإنتاج موجه إلى الخارج لتلبية حاجيات السوق العالمية وخاصة الشريك الأول لتونس الاتحاد الأوروبي.هذا الخيار الذي دأبت عليه منظومات الحكم العميلة المختلفة من دساترة وتجمع ونهضة وصولا إلى الشعبوية اليمينية الاستبدادية والذي يمسّ كل قطاعات الإنتاج تقريبا (زيت زيتون، فسفاط، تمور، قوارص…) من شأنه تأبيد الأزمة وتعميق الاستقطاب الطبقي داخل المجتمع:
أقلية كمبرادورية تنعم بخيرات البلاد وتركز على تصدير الجزء الأكبر منها والحصول مقابل ذلك على أرباح وثروات طائلة. وأغلبية شعبية محرومة من التمتع بهذه الخيرات التي تنتجها بكميات كبيرة وبجودة عالية لأنها تتقاضى أجور بؤس لا تمكنها من ذلك.
من أجل بديل وطني ديمقراطي شعبي
إن معالجة الأزمة الطاقية في تونس بصورة جذرية غير ممكن في ظل سلطة المنظومة الشعبوية اليمينية ولا في ظل المنظومات اليمينية الأخرى التي سبق أن مرت على حكم البلاد لأن خياراتها الاقتصادية والاجتماعية هي في الجوهر خيارات لاوطنية ولاشعبية تخدم حصريا مصالح كبرى الشركات والمؤسسات الاستعمارية الجديدة التي تستثمر بشروط ميسرة في تونس ومصالح وكلائها المحليين من البورجوازية الكمبرادورية بمختلف تشكيلاتها وفي المقابل تتنكر لمصالح الأغلبية الشعبية التي تزداد فقرا وحرمانا.
إن معالجة الأزمة الطاقية التي تتمثل في توفير الأمن والسيادة الطاقيين في نفس الوقت هي جزء لا يتجزأ من برنامج عام وخيارات جديدة وطنية وديمقراطية وشعبية عمادها اقتصاد وطني يتركز في القطاعات الاستراتيجية من صناعة وفلاحة وبنية تحتية وخدمات أساسية، اقتصاد يعتمد أساسا على الإمكانيات والموارد الذاتية وموجه لخدمة الحاجيات الأساسية للداخل التونسي، اقتصاد منتج للثروة ومن ضمنها الطاقة وذو قدرة تشغيلية عالية مقابل أجور تمكن الشغيلة التونسية من تحقيق انتظاراتها في العيش الكريم والخدمات الاجتماعية الراقية من صحة وتعليم وثقافة والمشاركة الفعالة في الشأن العام بما يكرس الخيارات الوطنية والديمقراطية والشعبية ويثبتها كخيار مجتمعي ويحول دون إمكانية الالتفاف عليها.
إن الدولة الديمقراطية الشعبية هي الضمانة الأساسية لهذه الخيارات وهي الإطار الملائم الذي يفتح أبواب الشغل والحرية والكرامة على مصراعيها أما م الشباب وعموم التونسيات والتونسيين.
صوت الشعب صوت الحقيقة
