بقلم : جيلاني الهمامي
اختطفت يد الموت يوم الجمعة 29 ماي الماضي الكاتب والفيلسوف الفرنسي الشهير إدغار موران Edgar MORIN عن سن تناهز المائة عام (104 سنوات). غادرنا إدغار واسمه الأصلي إدغار ناحوم Edgar NAHOUM ورث عن سنوات المقاومة (la Résistance) التي التحق بها في شبابه اسمه الحركي الجديد الذي سيلتصق به إلى الأبد إدغار مورين. لقد اشتقّت له حركة المقاومة في مدينة تولوز هذا الاسم عن أسم أحد أبطال رواية “الأمل” (L’Espoir) للكاتب الفرنسي الشهير أندريه مالرو André Malraux أحد أبرز أبطال المقاومة الفرنسية ضد حكومة “فيشي” Vichy الفاشية المتعاونة مع النازية بعد أن شارك في الحرب الأهلية الإسبانية ضمن الكتائب الأممية إلى جانب “الجمهورية” ضد فرنكو. وقد علق إدغار عن هذه التسمية المستحقة بقولة فلسفية عميقة المعنى “Je suis ainsi le fils de mes actions, de mes œuvres”.
كان من الممكن أن يقترن يوم وفاته بيوم مولده، ولكن الموت لم يمهله البقاء إلى يوم 8 جويلية القادم ليغلق موران 104 سنوات بالتمام والكمال. ولد إدغار يوم 8 جويلية 1921 بباريس في عائلة يهودية ذات أصول يونانية تنحدر من مدينة سالونيك مسقط رأس مصطفى كمال أتاتورك.
وكان لوفاة والدته إثر جلطة مفاجئة، وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، أثر عميق. كانت نلك الفاجعة كما عبّر عنها بمثابة “هيروشيما داخلية“.
ولع إدغار بالمطالعة ولعا لا نظير له فَآلْتَهَمَ وهو في مقتبل العمر، ما لا يحصى ولا يعد من الروايات والآثار الأدبية والفلسفية والفكرية. في ثنايا ذلك انبهر بالديالكتيك الهيغلي وتبنّى حدّ الإيمان التصحيح الماركسي لهذه الإبداع الفكري والفلسفي الألماني العظيم فصار ماركسيا معتبرا أن “وحدها الشيوعية تقدم البديل عن الفاشية“.
اشتغل بالسياسة مبكّرا فانخرط بـ“حركة طلبة الجبهة” (نسبة إلى الجبهة الشعبية آنذاك) سنوات 1938 – 1939 ثم سرعان ما أصبح “شيوعي الحرب” communiste de guerre في مطلع سنوات الأربعين ثمّ التحق بالحزب الشيوعي الفرنسي. وفي صفوف حركة “المقاومة” احتكّ بالكثير من المثقفين والكتاب والقيادات السياسية من فرنسا وألمانيا.
لم يكف موران عن الدراسة وتقلّب بين الفلسفة وعلم الاجتماع والبيولوجيا وعلم النفس وعلم الحفريات وعلم الأعراق ووجد في “المركز الوطني للبحث العلمي” CNRS الملجأ والمستقرّ حيث اشتغل على أبحاث كثيرة في فروع متعددة من المعرفة والعلم ومن حيث صدرت بعض أعماله منها “الإنسان والموت” ولعل أشهرها “الطريقة” La Méthode.
أطرد من الحزب الشيوعي الفرنسي سنة 1949 لتباين في الآراء والقناعات والتقييمات لأحداث جدت آنذاك ولكنه سرعان ما انصرف إلى الاهتمام بواحدة من أهم قضايا التحرر الوطني في تلك المرحلة فشكل لجنة من المثقفين المعارضين للحرب الاستعمارية على الجزائر ضمت أسماء لامعة في عالم الفكر والأدب والفن مثل فرنسوا مورياك Francois Mauriac وجون بول سارتر J. P. Sartre. وفي نهاية الخمسينات من القرن الماضي أشرف على نشر مجلة “Arguments” بمشاركة وجوه أخرى بارزة على الساحة الثقافية الفرنسية مثل رولان بارت Roland Barthes. ومن خلال المنبر مد جسور التواصل مع مدرسة فرنكفورت الصاعدة برموزها أدورنو وماركوس وتنظيرات الخط الثالث في “الفكر الشيوعي“.
تلك المقدمات سرعان ما وجدت صداها في الحراك الشبابي الصاعد والذي بلغ أوجه في حركة ماي 68. لقد ألهمته انتفاضة الشباب التي أطلق عليها أحيانا “كومونة الطلبة” وأحيانا أخرى “1789 الاجتماعية الشبابية” (1789 socio-juvénile) نظرة جديدة مبتكرة لفهم التحولات الاجتماعية الجارية في العصر الجديد. وعكس الإرهاصات الأولى لهذه النظرة في عدد من كتاباته دشنها بكتابه “الثغرة” la brèche (1968) وتتالت إنتاجاته التي أحدثت تحوّلا نحو “علم الاجتماع المعاصر” “sociologie du présent” ثم لاحقا نظرية “الفكر المركّب” La pensée complexe.
لقد أرسى تقاليد جديدة في منهج البحث الاجتماعي بالاعتماد على الدراسة الميدانية واستكشاف الظواهر في خضم الأحداث ورصد التغييرات التي طرأت على المجتمع الفرنسي عامة والبيئة الريفية خاصة في عصر الحداثة. وصدرت له في هذا المضمار عديد الإنتاجات كانت ثمرة هذا المنهج الجديد في علم “علم اجتماع الأزمة” منها خاصة شائعة أورليان (1969) والنموذج المفقود: الطبيعة البشرية (1973) Le paradigme perdu : la nature humaine وأشهرها كما سبق قوله “المنهج” أو “الطريقة” La Méthode وهو أثر ضخم من ستة أجزاء ويمثل مرآة ساطعة عن الملكة المعرفية الكبيرة لإدغار إذ أنه خصص الجزء الأول لـ“طبيعة الطبيعة” والثاني لـ“حياة الحياة” (البيولوجيا) والثالث لـ“معرفة المعرفة” والرابع لـ“الأفكار” والخامس لـ“هوية الإنسان” والسادس لـ“الأخلاق“.
“المنهج” هو عمل قال عنه صاحبه “موسوعي” شمل مجالات متعددة في الفكر والفلسفة وعلم الاجتماع يشرح نظرية “المُرَكّب” ويقدم البراهين على أنّ ترابط مكونات المعرفة والأفكار والثقافة مثله مثل ترابط مكونات الحياة المادية شبكة متصلة لا تنفصل عُرَاهَا على معنى القولة الشهيرة للفيلسوف الفرنسي باسكال «بما أن كل الأشياء هي أسْباب ومسبّبات، ومُسَاعِدَة ومُسَاعَدَة، فإنه من المستحيل معرفة الأجزاء دون معرفة الكل، كما أنه من المستحيل معرفة الكل دون معرفة الأجزاء بشكل خاص».
ميزتان ميّزتا إدغار موران هم سعة الاطلاع والعصامية في التكوين والتحصيل العلمي والأكاديمي من جهة وغزارة الإنتاج من جهة ثانية ذلك أنه نشر أكثر من 40 مؤلفا في مجالات متنوعة. فهم مختص وموسوعي في الآن ذاته. هذا فضلا عن انتصاره لقضايا الحرية والانعتاق القومي والاجتماعي وانخراطه الملتزم في أكثر من ملف وقضية. آخر ما كتب إدغار موران شهادة بعنوان “العام فقد ربيعه” L’année a perdu son printemps صدر له سنة 2024 وكتيب بعنوان “هل للتاريخ دروس؟” ?Y a-t-il des leçons de l’Histoire دوّن فيه جملة من الدروس استقاها من تجربته على مر سنوات عمره مؤكدا أن «الدرس الرئيسي الذي نستخلصه من التاريخ هو أنه يسلط الضوء على الوجوه المتنوعة للبشرية، والسلوكيات البشرية المختلفة، ولكن أيضا على الترابط الأنثروبولوجي الوثيق بين العقل والجنون، والتقنية والأسطورة. وهو يذكرنا بأن البشرية كانت وستظل دائماً، باتجاه المستقبل».
بوفاته خسرت مجمل حقول المعرفة والبحث عقلا كبيرا وطاقة جبارة أنتجت قدر ما تطلبته منها تقلبات الأوضاع في مجتمع بشري يسير في مجرى عنيف من التحولات المعقدة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
