بقلم : كوثر الباجي
لم يعد الانقسام داخل اليمين الأمريكي، وخاصة داخل قاعدة “MAGA”، مجرد خلاف سياسي ظرفي أو صراع شخصيات بين إعلاميين وسياسيين من طراز Tucker Carlson وDonald Trump، بل بات، على العكس من ذلك، تعبيرًا مكثفًا عن أزمة أعمق تمسّ جوهر النظام الرأسمالي الأمريكي في مرحلته الإمبريالية. فهذه الانقسامات، التي تبدو للوهلة الأولى مرتبطة بمواقف من حرب هنا أو تحالف هناك، إنما تعكس، في العمق، تناقضًا بنيويًا بين متطلبات إعادة إنتاج الهيمنة العالمية من جهة، وضغوط الأزمة الداخلية للرأسمالية الأمريكية من جهة أخرى.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري، بل ومن الملحّ، قراءة هذا التحول الذي يربط بين البنية التحتية الاقتصادية والبنية الفوقية، بحيث لا يُفهم الصراع السياسي إلا بوصفه انعكاسًا لتناقضات مادية أعمق. ولذلك، فإن ما نشهده اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد خلاف داخل حزب، وإنما يجب اعتباره لحظة تاريخية تتكثف فيها تناقضات الامبريالية الأمريكية في سياق انتقال عالمي نحو تعددية قطبية.
أولًا: الإمبريالية كمرحلة عليا للرأسمالية وأزمتها المعاصرة
إذا انطلقنا من تعريف لينين للإمبريالية بوصفها المرحلة العليا للرأسمالية، فإننا ندرك أن التوسع الخارجي لم يكن مجرد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة بنيوية لاقتصاد قائم على التراكم المستمر. وبناءً على ذلك، شكّلت الهيمنة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية تعبيرًا عن تفوق اقتصادي مكّنها من فرض نظام عالمي يخدم مصالحها.
غير أنّ هذا التفوق، ومع مرور الزمن، بدأ يتآكل تدريجيًا. فمن جهة، برزت قوى صناعية جديدة؛ ومن جهة ثانية، تسارعت عمليات نقل الإنتاج إلى الخارج؛ فضلًا عن الأزمات المالية المتكررة، وعلى رأسها أزمة 2008؛ ناهيك عن تفاقم التفاوتات الطبقية داخل المجتمع الأمريكي نفسه. ونتيجة لذلك، برز ما يمكن تسميته بـ”أزمة فائض الهيمنة”، حيث أصبحت كلفة السيطرة العالمية تفوق عائداتها المباشرة.
وعليه، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل تواصل الولايات المتحدة تمويل هيمنتها العالمية رغم تكلفتها الباهظة، أم تعيد توجيه مواردها نحو الداخل؟ هذا السؤال بالذات هو ما سيتحول لاحقًا إلى محور صراع سياسي وإيديولوجي داخل اليمين الأمريكي.
ثانيًا: انقسام اليمين الأمريكي كتعبير عن تناقض طبقي
انطلاقًا مما سبق، يمكن القول إن الانقسام داخل “MAGA” لا يعكس اختلافًا سطحيًا في الآراء، بل يجسد، في الحقيقة، تناقضًا طبقيًا داخل الرأسمالية الأمريكية نفسها. ففي حين يتجه جناح نحو الانكفاء القومي، يتمسك جناح آخر باستمرار الدور الإمبريالي.
1. جناح “أمريكا أولًا” (الشعبوي-القومي)
من ناحية أولى، يبرز تيار “أمريكا أولًا”، الذي يعبّر عنه إعلاميًا Tucker Carlson، باعتباره ممثلًا لشرائح متضررة من العولمة. إذ يرى هذا التيار أن السياسات الخارجية، وخاصة الحروب، لم تعد تخدم المواطن الأمريكي، بل تستهلك موارده دون مقابل واضح.
وبالتالي، يدعو هذا التيار إلى تقليص التدخلات العسكرية، وإعادة توطين الإنتاج، والتركيز على القضايا الداخلية. وهنا تحديدًا يظهر البعد الطبقي، إذ تعبّر هذه المواقف عن مصالح فئات فقدت موقعها في الاقتصاد العالمي.
2. جناح الإمبريالية التقليدية
في المقابل، يتمسك جناح آخر، مرتبط برأس المال المالي والصناعات العسكرية، بضرورة الحفاظ على الهيمنة العالمية. ومن هذا المنظور، فإن الانسحاب لا يُفهم إلا بوصفه تهديدًا مباشرًا للمصالح الاستراتيجية الأمريكية.
غير أنّ المفارقة تكمن في أن Donald Trump، رغم تبنيه خطاب “أمريكا أولًا”، ظل في ممارساته قريبًا من هذا التيار، وهو ما أدى إلى تعميق التناقض داخل قاعدته الشعبية.
ثالثًا: الشرق الأوسط كفضاء لإدارة التناقضات
وبالانتقال من المستوى الداخلي إلى الخارجي، نجد أن الشرق الأوسط يشكل ساحة مركزية تُدار فيها هذه التناقضات. فمن جهة، يُنظر إلى المنطقة باعتبارها ضرورية للحفاظ على النفوذ العالمي؛ ومن جهة أخرى، تُعتبر مصدر استنزاف دائم.
وعلى هذا الأساس، يصبح الجدل حول:
- دعم الكيان الصهيوني
- المواجهة مع إيران
- الوجود العسكري
ليس مجرد نقاش سياسي، بل تعبيرًا عن صراع بين رؤيتين لمستقبل الدور الأمريكي. فبينما يرى التيار الشعبوي أن هذه السياسات تخدم “الآخر”، يراها التيار الإمبريالي ضرورة استراتيجية.
رابعًا: التعددية القطبية وإعادة تشكيل النظام العالمي
وفي سياق متصل، لا يمكن فصل هذا الانقسام عن التحولات العالمية، وعلى رأسها صعود قوى مثل الصين و روسيا. فهذه القوى لا تعمل خارج النظام الرأسمالي، بل تسعى إلى إعادة توزيع موازين القوة داخله.
وعليه، فإن التعددية القطبية لا تعني نهاية الإمبريالية، بل انتقالها إلى شكل أكثر تعقيدًا، حيث تتنافس عدة قوى على النفوذ. ومن هنا، فإن أي تراجع أمريكي، حتى وإن كان بدافع داخلي، يفتح المجال أمام هذه القوى لتعزيز مواقعها وهذا ما نشهده في فئة من بلدان الساحل الأفريقي .
خامسًا: تفكك الهيمنة الإيديولوجية
علاوة على ذلك، فإن الأزمة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي أو السياسي، بل تمتد إلى المجال الإيديولوجي. فكما يوضح أنطونيو غرامشي، تقوم الهيمنة على القدرة على خلق إجماع (خلق إجماع ثقافي وأيديولوجي يجعل رؤيتها للعالم تبدو طبيعية ومقبولة لدى الطبقات الأخرى، حتى المضطهدة). غير أن هذا الإجماع بدأ يتآكل في الولايات المتحدة.
ويتجلى ذلك في:
- تصاعد الخطاب الشعبوي
- فقدان الثقة في المؤسسات
- حدة الاستقطاب
وبالتالي، فإن الانقسام داخل “MAGA” هو أيضًا تعبير عن أزمة في القدرة على إنتاج خطاب موحد.
سادسًا: نحو أي مستقبل؟
انطلاقًا من كل ما سبق، يمكن القول إن الولايات المتحدة تواجه مفترق طرق تاريخي. فمن جهة، هناك ضغط داخلي يدفع نحو الانكفاء؛ ومن جهة أخرى، هناك التزامات خارجية تفرض استمرار الهيمنة.
وفي هذا السياق، لا يبدو أن هناك حسمًا قريبًا، بل على العكس، من المرجح أن يستمر هذا التناقض، وربما يتعمق، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية المتكررة.
في المحصلة، يتضح أن الانقسام داخل اليمين الأمريكي، وخاصة داخل قاعدة “MAGA”، ليس سوى عرضٍ لمرضٍ أعمق يتمثل في أزمة الإمبريالية الأمريكية وتناقضاتها البنيوية. فمن خلال هذا الانقسام، لا تنكشف فقط حدود النموذج القائم، بل تتبدّى كذلك ملامح نظام عالمي جديد قيد التشكل، يتسم بتعدد الأقطاب دون أن يتجاوز، في جوهره، الإطار الرأسمالي العام.
غير أنّ هذا التحول، وعلى أهميته، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه استجابة حقيقية لتطلعات الشعوب. إذ، من جهة أولى، أثبتت الرأسمالية في صيغتها الإمبريالية عجزها عن ضمان السيادة الوطنية الفعلية، حيث تُخضع الدول لمنطق الهيمنة والتبعية. ومن جهة ثانية، فإن الصيغ “الصاعدة” داخل النظام الرأسمالي ذاته، رغم ما ترفعه من شعارات الاستقلال أو التعددية، لا تخرج في نهاية المطاف عن منطق السوق والتنافس، بما يحدّ من قدرتها على تحقيق تحرر فعلي للشعوب.
وعليه، فإن البديل لا يكمن في مجرد الانتقال من قطب إلى آخر داخل نفس المنظومة، بل في تجاوزها نحو أفق مغاير. وفي هذا السياق، تبرز الديمقراطية الشعبية، لا بوصفها شعارًا مجردًا، بل كأفق سياسي واجتماعي يضع السيادة بيد الشعوب، ويعيد ربط القرار السياسي بالقاعدة الاجتماعية، خارج إملاءات رأس المال وهيمنته.
ومن ثمّ، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بإعادة توزيع موازين القوى داخل النظام العالمي، بل بإعادة تعريف السلطة ذاتها، بما يجعلها تعبيرًا عن الإرادة الشعبية، لا أداة لإعادة إنتاج التبعية بأشكال جديدة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
