الرئيسية / عربي / حكام لبنان يتهافتون على التطبيع، وشعبها الصامد يتأهب لإسقاطه
حكام لبنان يتهافتون على التطبيع، وشعبها الصامد يتأهب لإسقاطه

حكام لبنان يتهافتون على التطبيع، وشعبها الصامد يتأهب لإسقاطه

بقلم : علي الجلولي

يتابع الأحرار في الوطن العربي والعالم تفاعلات الساحة اللبنانية مع التطورات الأخيرة في المنطقة والتي أناخت بكلكلها على لبنان الذي تعرض من 2 مارس الجاري إلى عدوان مكثف استهدف بنيته الأساسية ومنشآته المدنية تزامنا مع العدوان الصهيوأمريكي على إيران. لقد كان العدوان الأخير مركزا على تعزيز الاتجاه المعادي للمقاومة والمدافع عن الخيارات التطبيعية مع كيان الاحتلال. وفي الوقت الذي تصاعد خطاب السخط والدعوات للصمود تسلل خطاب السقوط الذي لم يعد حكرا على القوى الانعزالية المعروفة بمواقفها ومصالحها وارتباطها بأنظمة العمالة العربية وبالإمبريالية الأمريكية، بل أصبح هذا الخطاب يشمل منظومة الحكم في بعبدا والسرايا. ففضلا عن التصريحات المخزية لرئيسي الدولة والحكومة في وقت كان لبنان على طوله يدُكّ بالصواريخ الصهيونية، تخطى خطاب جوزيف عون/نواف سلام الدعوة لإيقاف العدوان ونزع سلاح حزب الله إلى الدعوة إلى الشروع فورا ودون شروط في تفاوض مباشر انطلق يوم 14 أفريل الجاري في العاصمة الأمريكية وتحت إشراف وزير خارجيتها، ويتمّ الاستعداد لاستئناف التفاوضالمباشر يوم 23 أفريل بعد أن تمّ تشكيل الفريقين الممثلين لكل طرف.

ماذا يحتاج لبنان في هذه اللحظة؟

يتساءل العديد عما يحتاجه لبنان الآن وهنا وهو الذي يتعرض لعدوان وحشي لا قدرة لأجهزته الرسمية على رده أو التصدي إليه. وحدها المقاومة تضطلع بالدور الكامل في مواجهة العدوان وتنظيم الرد، ووحده الشعب بقواه الذاتية المحدودة يتحمل فاتورة العدوان، أما دور الدولة فلا يتعدى في أفضل الحالات دور فرق الدفاع المدني التي تتدخل أساسا في العاصمة والمناطق القريبة منها. أما الساحة الأكثر عنف فهي تقابل قوات المقاومة بقوات الاحتلال. لقد اكتفى رئيس بعبدا أو السرايا سابقا وفي سياق معادلات محلية/إقليمية بالصمت أو المساندة اللفظية أو الصريحة للمقاومة ضمن ما يعرف لبنانيا بمثلث: الشعب/الجيش/المقاومة، وهو ما كرسه خاصة الرئيس اميل لحود الذي لم يخفي انحيازه إلى المقاومة ورفضه لأي تسوية مهينة للبنان. أما اليوم وبالتغيرات الكبرى التي شهدتها المنطقة وانعكاساتها على لبنان الذي بقي أكثر من عام دون رئيس وبحكومة تصريف أعمال، تغيرت المعادلات صلب منظومة الحكم التي أصبحت تقريبا بيد أزلام النظام الرسمي العربي والراعيين الأمريكي والفرنسي، وأصبح خطاب السلطة يعتبر مهمته المركزية هي نزع سلاح حزب الله وبسط هيمنة الدولة على جنوب الليطاني، وهو ما أردف مؤخرا بفكرة مسمومة وهي سحب قوات الأمم المتحدة (اليونفيل) حتى يسهل الأمر للسيطرة الصهيونية التي لا تخفي مطالبها والتي تلخصها اليوم في مطلب: شريط حدودي منزوع السلاح حتى نهر الليطاني، وهي مساحة تمتد بعرض 30 كم وهو ما يسميه الصهاينة والأمريكان اليوم خط أصفر لبنان مثل الخط الأصفر في غزة، وهو ما يبدو أن قصري بعبدا والسرايا باتا قابلين به وهو بلغة مواربة ومغالطة، فلبنان الرسمي هو الأعلم أن جيشه غير قادر على حماية ولو متر واحد من أرض الجنوب أمام آلة عسكرية صهيونية ضخمة وتحوز الحماية الإقليمية والدولية كي تفعل في لبنان ما تريد وقت ما تريد كيف ما تريد.

انطلاقا من ذلك يبدو الوعي اللبناني الشعبي حادا وصارما أن مصلحة لبنان اليوم ليست في نزع سلاح حزب الله ولا في خروج قوات اليونفيلولا في شعار المغالطة بسط سلطة الدولة على جنوب الليطاني“. إن مصلحة لبنان هي في وقف العدوان، وتعزيز الصمود الشعبي، ودعم المقاومة وتوسيعها والكف عن تجريمها وتطييفها، وأيضا إيقاف نزيف السقوط بإيقاف مهزلة التفاوض مع العدو الذي لن ينال منه لبنان إلا التحاق نظامه بقاطرة التطبيع الذي تعطل بعد 7 أكتوبر تحت ضربات المقاومة الفلسطينية البطلة.

لبنان الحقيقي ضد التطبيع والمطبعين

لقد تكرست في معمعان الصراع مع العدو الصهيوني منذ عقود معادلة أساسية مفادها أن لبنان جزء عضوي في معادلات الصراع العربي الصهيوني لا بمقتضى عروبة شعب لبنان وتأصل الفكرة القومية مبكرا في صفوفه، ولا بمقتضى احتلال الكيان الصهيوني لأراضي لبنانية (مزارع شبعا وتلال كفرشوبا)، بل إضافة لكل هذا تعمق الوعي الوطني لدى شعب لبنان وقواه التقدمية بأن كيان الاحتلال هو جسم مسموم مزروع في قلب المنطقة لتفكيكها وتدميرها بهدف ضمان مصالح الامبريالية والرأسمال الاحتكاري الذي لا يرى في المنطقة إلا مصالحه الحيوية، لذلك كانت الساحة اللبنانية أنشط الساحات على الإطلاق فيما يهمّ الارتباط بالقضية الفلسطينية، ولذلك كان لبنان بصغر حجمه الجغرافي وضعف دولته وحتى غيابها، يقض مضاجع العدو الذي يعتبر مصيره الوجودي مرتبط بإحداثيات الساحة اللبنانية.

لكل ذلك فإن انخراط نظام لبنان في التطبيع هو خطوة ضد إرادة الشعب اللبناني الذي أذيق الدمار كي يخضع ويقبل بالتفاوض المباشر، لكن حكام اليوم القادمين في جزء كبير منهم من وراء الحدود في إطار صفقة قذرة تستهدف وطنية لبنان لا يعرفون التاريخ، ولا يريدون استيعاب ما جرى لأسلافهم ممّن أرادوا تمريغ أنف لبنان على شاكلة اتفاقية 17 أيار 1983 التي سقطت بعد أقل من عام (5 مارس 1984) وسقط كل من أمضى عليها وقبلها كما سقط قبلها عرابها بشير جميل في سبتمبر 1982. لكن سخرية التاريخ فتحت نافذة للقوى الانعزالية في لبنان أن تصدح اليوم بأن 17 أيار كان فرصة ضائعة لتحقيق السلام، لكنهم يتناسون أن كيان الاحتلال اشترط بعد التوقيع خروج القوات السورية وخاصة الفلسطينيين للشروع في تنفيذ الاتفاق، علما وأن ذات الاتفاق ينص على إيجاد شريط حدودي منزوع السلاح في الداخل اللبناني لمنع أي عمل مقاوم. إن مصير مسار التطبيع الحالي لن يكون أفضل من المسار السابق، وكما سقط آل الجميل سيسقط عون/سلام المسنودين من نفس قوى الاتفاق السابق (حزبي الكتائب والقوات أساسا)، علما وأن أغلب القوى اللبنانية أعلنت رفضها أو تحفظها على ما يجري في واشنطن الذي يراوغ البعض في التوصية بحصره فقط في الانسحاب الصهيوني من الأراضي اللبنانية. ولئن ينكب الشعب اللبناني على لملمة جراحه بفعل القصف والتدمير والتهجير والنزوح، إلا أن كلمته ستكون الأعلى كما كانت غالبا.

حكومة لبنان: استئساد ضد إيران وتأرنب ضد الكيان وأمريكا

تتعمق القناعة يوميا عند قطاع واسع من المتتبعين أن فتح قناة التفاوضالمباشر مع كيان الاحتلال لا هدف لها في الوقت الحالي إلا تنفيس الضغط الحاصل على الجبهة الإيرانية، فالحلف الصهيوأمريكي سينزعج كثيرا في حال ارتباط الواجهتين. إن إصرار حكام لبنان على فصل المسارين ومهاجمة المفاوض الإيراني الذي اشترط بدء الهدنة بإيقاف العدوان على لبنان، بداعي استقلاللبنان وأنه هو صاحب قراره تأكيدا لسردية أن العدوان على لبنان هو رجع صدى للحرب مع إيران ومن ثمة تحميل إيران وحليفها حزب الله مسؤولية العدوان، إنما هو تأكيد لطبيعة منظومة الحكم الحالية في لبنان كمنظومة تابعة ومنخرطة حد النخاع في منظومة النظام الرسمي العربي المصطف وراء العدوان الصهيوأمريكي على إيران والخاضع كليا لإرادة مجرمي الحرب ترامب/ناتن ياهو في إعادة صياغة وتشكيل الشرق الأوسط الجديدالذي سيقوده كيان الاحتلال. إن منظومة حكم لبنان وخاصة رأسي بعبدا والسرايا يستقيم عليهما المثل أنهما أسدان في وجه إيران وحزب الله والشعب اللبناني، وأرنبان طيّعان في وجه الحلف الصهيوامريكيالرجعي العربي.

إن القوى التقدمية في لبنان والوطن العربي لن تقف مكتوفة الأيدي أمام سياسات إخضاع لبنان وإلحاقه بزريبة التطبيع بل ستقوم بما يجب لإسقاط قطار التطبيع الذي يخترق الوطن العربي في كل أقطاره. إن مصلحة الشعب الفلسطيني تتمثل اليوم في مقاومة كيان الاحتلال بكل الأشكال وفي كل المواقع.

إلى الأعلى
×