تأليف: انطونيو غرامشي
تقديم: عادل ثابت
يصدر هذا العدد من “صوت الشعب” بالتزامن مع الذكرى 89 لوفاة أنطونيو غرامشي في 27 أفريل 1937. وبهذه المناسبة اخترنا لقراءنا تقديم كتاب “كيف تنشأ الفاشية” الذي صدر بالفرنسية في الخريف الفارط.
وفي الحقيقة لا ينبع اختيارنا فقط بمناسبة هذه الذكرى، وإنما أيضا لما يعرفه العالم من ارتدادات للموجة الشعبوية تجتاح بلدان المركز الرأسمالي كما توابعه في مختلف القارات ومن تصاعد نزعة التسلح واشتعال الحروب والاعتداءات على الشعوب وسيادة الدول في أكثر من مكان. وهو ما يجعل من العودة إلى ما عاشته الإنسانية خلال القرن الماضي غداة الحرب العالمية الأولى، من صعود للفاشية وما خلفته من دمار ولكن أيضا ما رافق ذلك من مقاومة للفاشية انتهت بهزيمتها، ضرورة ملحة لتعميق فهمنا لما نعيشه اليوم.
عنوان الكتاب : “كيف تنشأ الفاشية”
صدر بالفرنسية في 22 أكتوبر 2025 عن دار النشر غراسي Grasset في إطار سلسلة “الكراريس الحمراء”. وهو كتاب من الحجم الصغير، يبلغ عدد صفحاته 120 صفحة.
يبدأ الكتاب بإعطاء نبذة عن حياة غرامشي، يليها تقديم للكتاب بقلم ماري آن متار بونوتشي، وهي أستاذة تاريخ معاصر بجامعة قرورنوبل II مختصة في إيطاليا.
يحتوي الكتاب على 10 مقالات كتبها غرامشي بين 1920 و1924، فترة صعود الفاشية في إيطاليا، قام بترجمتها من الإيطالية إلى الفرنسية فانسان رينو.
تقديم الكتاب
ركزت مقدمة الكتاب على السياق التاريخي في إيطاليا وأوروبا الذي كتبت فيها مقالات غرامشي التي تصمنها الكتاب.
فمقتطفات المقالات الواردة بالمؤلف كتبت بين 20 نوفمبر 1920 و1 نوفمبر 1924، وهي الحقبة المصيرية التي عاشتها إيطاليا والتي تتالت فيها “السنتان الحمراوان” (1919-1920) و”السنتان السوداوان” (1921-1922). فبعد “فترة من النضالات الاجتماعية الشديدة، بدأ هجوم المجموعات الشبه عسكرية الفاشية الذي توّج بافتكاكها السلطة إثر مسيرة روما”، حيث تمكّن موسوليني من تركيز نظام استبدادي بعد أن دعاه الملك إلى استلام الحكم إثر استعراض القوى الذي قام به القمصان السود.
هذه الحقبة من تاريخ إيطاليا تتنزل في سياق فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى التي اتسمت بتصاعد وتيرة النضال العمالي خصوصا مع انتصار الثورة البلشفية في روسيا وبتواصل الفرز داخل الحركة الشيوعية والتباين مع الاشتراكية الديمقراطية (الأممية الثانية) التي خانت الحركة العمالية.
حقبة اتسمت في إيطاليا بافتقار الحركة العمالية لأداتها السياسية وبتواطؤ الدولة مع الحركة الفاشية الصاعدة.
وبذلك كانت كتابات غرامشي حينها مطبوعة في ذات الوقت بموقعه كناشط مناهض للفاشية وكمفكر ماركسي يسعى إلى تحليل نشأتها وتحديد خصائصها في إيطاليا.
المقالات
في مقال “ما هي الرجعية؟”، يعرف غرامشي “الرجعية” بكونها ظاهرة عالمية مرتبطة بالرأسمالية التي أصبحت عاجزة عن التحكم في قوى الإنتاج ممّا يدفعها إلى اللجوء إلى العنف للحفاظ على نظامها المتأزم، وتصاعد ذلك العنف هو “الفاشية” التي ستمكن من استعادة الدولة المنهارة. ويخلص عبر ذلك إلى تحديد الفاشية على أنها “عنف الرأسمالية اللاشرعي، واستعادة الدولة (restauration de l’État) تمرّ عبر تقنين ذلك العنف”.
عند الحديث عن “فقدان الثقة في البرلمانات”، يعود غرامشي إلى سيرورة البورجوازية الصغيرة في إيطاليا التي بفقدانها كل دور حيوي في الإنتاج تحولت إلى طبقة سياسية خالصة مختصة في أداء دور “البلاهة البرلمانية”، محولة بذلك البرلمان إلى زائدة وساحة تهريج، مما جعله يفقد أدنى هيبة لدى الفئات الشعبية التي اندفعت إلى ساحة الفعل السياسي المباشر.
الفاشية على النطاق العالمي هي اعتماد “الطريقة العسكرية” لمعالجة أزمات الإنتاج والمبادلات التي خلّفتها الحرب بتدمير جزء من قوى الإنتاج. أمام تطوّر الحركة الثورية لمواجهة الأزمة، عمدت البورجوازية الصغيرة والمتوسطة إلى تكوين مجموعات مسلحة لمواجهة نضالات العمال وتخريب الحركة وإشاعة الرعب في صفوف الجماهير. هذه الظاهرة شكلت قاسما مشتركا في عديد البلدان الأوروبية عند احتداد أزماتها.
يستعرض غرامشي الأزمة القيمية والبربرية المتفشية في المجتمع الإيطالي، وقد شكل ذلك تربة خصبة لتطور الفاشية. فالفاشية في إيطاليا أصبحت حسب تعبيره “انفلاتا لقوى جزئية (élémentaires) لا يمكن التحكم فيها داخل منظومة الحكم البرجوازي الاقتصادية والسياسية: الفاشية هي عنوان تحلل عميق للمجتمع الإيطالي، يسير بالضرورة بالتوازي مع التحلل العميق للدولة ولا يمكن تفسيره إلا بالمستوى الهزيل الذي تردّت إليه الحضارة الإيطالية خلال الستين عاما الأخيرة من الحكم الأحادي”. هذا ما يعنيه غرامشي بـ”تدمير الدولة” ليخلص إلى أن هذا التدمير الممنهج لا يمكن القضاء عليه إلاّ بسلطة جديدة للدولة، باستعادة الدولة وفقا لنظرة الشيوعيون أي دولة تكون السلطة فيها بيد البروليتاريا.
لم يكن بإمكان الفاشيين ارتكاب ذلك الكمّ الهائل من الجرائم لولا تواطؤ آلاف الموظفين وخصوصا في صفوف الأمن والقضاء، هؤلاء “الموظفون المتواطئون” رهنوا مصيرهم بمصير الفاشية. وللإفلات من العقاب، عمدت الفاشية إلى تكديس كم هائل من السلاح ممّا يمكنها من تكوين جيش من المسلحين يخضع إلى هيئة أركان على شاكلة تنظيم عسكري بغاية الاستيلاء على السلطة. رغم تلك المخاطر يمعن الاشتراكيون في الثرثرة ولا يولون أية عناية لتنظيم الجماهير لدرء الانقلاب الفاشي، بالمقابل رفع الحزب الشيوعي منذ البداية “شعار الانتفاضة وقيادة الجماهير المسلحة نحو الحرية التي تضمنها دولة العمال”.
تعتمد الفاشية “التحريض الرجعي” طريقة للوصول إلى الحكم وتحقيق أهدافها.
في مقال “كبار المالكين ضدّ البرجوازية البرلمانية” يربط غرامشي وصول الفاشية في إيطاليا بتخلف البرجوازية الإيطالية ووهن مؤسساتها الناتج عن تطورها البطيء والخصائص التاريخية لنشأتها، أي إن الفاشية بهذا المعنى كانت نتاجا لضعف الديمقراطية البرجوازية الإيطالية وعدم اكتمالها.
لئن يؤكد غرامشي على أهمية القيادة ودور القائد في الدولة، فإن ما عاشته إيطاليا تحت النظام الفاشي برئاسة موسوليني هو تأليه “القائد” وتحويله إلى مصدر إلهام معصوم من الخطأ مكلف بمهمة ربانية لإحياء أمجاد الامبراطورية الرومانية المقدسة. إن الغاية من وراء ذلك هي إشاعة الرعب في صفوف البروليتاريا وإرساء دكتاتورية البرجوازية.
لقد استغلت الفاشية أزمة النظام الرأسمالي لتطرح نفسها بديلا، لكنها فشلت في إنعاش الاقتصاد الإيطالي وكل ما قامت به هو قمع كل الاحتجاجات المناهضة للأزمة. لقد تواصلت الأزمة وتراجعت المنظومة الرأسمالية، ولم تكتف الفاشية بتحميل فاتورتها للطبقة العاملة ومنعها من التنظم المستقل، بل جرفت أيضا الطبقات المتوسطة بنهب الاقتصاد البرجوازي الصغير وخنق الحريات، وهو ما أدّى إلى “انهيار الطبقات المتوسطة” حسب تعبير غرامشي.
في المقال الأخير “الديمقراطية المشوّهة”، يعود غرامشي إلى استعراض خصوصية الديمقراطية البرجوازية الإيطالية وطابعها المتخلف المعادي للحريات الاقتصادية والسياسية الأساسية، وهو ما أعاق تطور قوى الإنتاج، وقد حكم ذلك ضمنيا على النظام الديمقراطي في إيطاليا بالموت الذي حولته الأزمة بعد الحرب (الحرب العالمية الأولي) إلى واقع ملموس. لقد أدّى تفاقم الأزمة أمام ضعف البرجوازية وتصاعد قوة الطبقة العاملة إلى أنّ “الديمقراطية أدركت أن عليها أن تنسحب وتفسح المجال إلى قوة أخرى. لقد دقت ساعة الفاشية”. هكذا يعتبر غرامشي أن الديمقراطية (البرجوازية) والفاشية هما وجهان لعملة واحدة هي سلطة البرجوازية.
انطونيو غرامشي (1891 – 1937)
مفكر ماركسي، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي الإيطالي، تمّ سجنه تحت الفاشية في إيطاليا لمدّة 11 عاما من 1926 إلى 1937.
عرف كمفكر وفيلسوف ماركسي من خلال رسائل وكراريس من السجن.
لئن عاش طفولة صعبة، بحكم الأوضاع الاجتماعية المزرية لعائلته، اضطرته للانقطاع عن المدرسة، فإنه تمكن من استئناف تعليمه والنجاح بامتياز ممّا مكنه من الحصول على منحة والالتحاق بجامعة تورينو في 1911.
بدأ مسيرته السياسية في صفوف الحزب الاشتراكي الإيطالي أين تقاطع طريقه مع موسوليني الذي أصبح فيما بعد زعيم الفاشية في إيطاليا قبل أن يأخذا وجهتين على طرفي نقيض.
حدثان هامان كان لهما أثر بالغ في مسيرة غرامشي، هما ثورة أكتوبر والإضراب العام وانتفاضة عمال شمال إيطاليا خلال ما بات يعرف بالسنتين الحمراوين (1919-1920)، انتهت تلك الحركة بانكسار مبيّنة عجز الحزب الاشتراكي عن لعب دور طلائعي خلالها. وهو ما دفع بغرامشي وعدد من رفاقه إلى الانشقاق عن الحزب الاشتراكي الإيطالي خلال مؤتمر ليفورنو سنة 1921 ليؤسسوا الحزب الشيوعي الإيطالي.
سنة 1922 تمّ تعيين غرامشي ممثلا للحزب الشيوعي الإيطالي في الأممية الشيوعية، وهو ما جعله يقيم في موسكو لمدة عام ونصف، عاد إثرها إلى إيطاليا.
بعد عودته من موسكو، تمّ انتخابه نائبا سنة 1924 وترأس المجموعة البرلمانية للحزب الشيوعي الإيطالي. في 1926 وبعد محاولة اغتيال فاشلة لموسوليني، أعلنت الفاشية حالة الطوارئ وعرفت إيطاليا موجة تصفية للحريات كان غرامشي أحد ضحاياها حيث تمّ إيقافه في 8 نوفمبر 1926 وحكم عليه بـ20 سنة سجنا. توفي بعد تدهور حالته الصحية في السجن عن سن تناهز 46 عاما.
صوت الشعب صوت الحقيقة
