بقلم منور السعيدي
في كلّ مرّة تشتدّ فيها أزمة البلاد نتيجة السياسات الخرقاء لمنظومة الاستبداد وتكون فيها الحلول الثوريّة والشعبيّة ضعيفة أو غائبة، يرتفع صوت من هنا أو هناك مدّعيا أنّه “المنقذ” المنتظر”. وغالبا ما يكون هذا الصوت قادما من الخارج… وقد أصبح السيناريو مألوفا… بعض صفحات التواصل الاجتماعي أو بعض وسائل الإعلام مدفوعة الأجر تنشر “خبرا” مفاده أنّ فلان أو فلتانا هو “الرجل المناسب لإنقاذ تونس” وتكثر التعاليق من هنا وهناك… ثم يتدخّل هذا “الرجل المناسب” ليزعم أنّه لا علم له بما يروّج حوله ولكنّه على “استعداد دائم لتلبية نداء الوطن” مذكّرا أنّه سبق له أن قدّم “خدمات إنسانيّة” أو “خيريّة” للبلاد عن “حسن نيّة” ودون “دوافع شخصيّة”…
كان ذلك حال صهر بن علي، “كادوريم” الذي دفع الكثير لبعض وسائل الإعلام في زمن الكورونا ليبرز “أعماله الخيريّة” و”تفانيه في خدمة الضعفاء” إلى أن جاءت “انتخابات 2019” فافتضح أمره وبانت مراميه حين رشّح نفسه… لكنّ محاولته باءت بالفشل بالنظر إلى انسداد أبواب الترشّح أمامه وأمام غيره… لكنّه أعاد الكرّة من جديد منذ أشهر وتحديدا بمناسبة ذكرى انقلاب 7 نوفمبر 1987 وأعدّ هذه المرّة فلما وثائقيّا يجمِّل فيه عهد الدكتاتور ويمتدح نفسه ممنّيا التونسيّين بأنّه سيكون “خير خلف” لصهره. وما من شكّ في أنّه استغلّ بدوره تدهور حالة التونسيات والتونسيّين جرّاء حكم قيس سعيّد الأمر الذي دفع البعض من التونسيين إلى الحنين إلى عهد “الزين” “اللي” وإن كان “وكِّلْ الناس العصا” فإنّه، حسب هذه الفئات، كان “يوكّل في الناس في كروشهم زادة”. ولكن سرعان ما افتضح أمر كادوريم المدفوع من بعض أفراد عائلة بن علي وغاب عن المشهد ربّما في انتظار فرصة جديدة ليظهر من جديد.
في الأيام الأخيرة وفي الوقت الذي يغرق فيه التونسيّون في همومهم اليوميّة من شدّة غلاء الأسعار وتدهور مقدرتهم الشرائيّة وتردّي الخدمات العامة وعجزهم عن توفير الحدّ الأدنى لمواجهة حاجياتهم الأساسية وتكاثر تذمّراتهم وظهور مؤشرات نقمة جدية على من قدّم نفسه ذات مساء 25 جويلية 2021 “منقذا للشعب”، نشرت إحدى الصحف الإيطاليّة مقالا حول “رجل أعمال تونسي” يدعى كمال الغريبي له “مواصفات المنقذ القادر على خلافة سعيّد، لخبرته في المال والأعمال وعلاقاته الكبيرة التي تشمل تقريبا كلّ القارات”. وكما كان متوقّعا انتشر الخبر، بفعل فاعل، كالنار في الهشيم ليجلب الاهتمام ويصبح “حديث الناس”، وكما جرت العادة خرج المعني ليوضّح لـ”إخوته وأخواته التونسيّين”، عبر تدوينة في حسابه على الشبكة الاجتماعيّة، أنّ طرح اسمه ليكون مرشّحا جديدا لرئاسة الجمهورية لم يصدر عنه ولم يكن نتيجة مبادرة منه أو من أي جهة تمثّله. ولكن الرجل استغلّ المناسبة، تماما مثل سابقيه من “فاعلي الخير” و”محبّي الوطن” ليذكّر بما قدّمه من خدمات سابقة “خاصة خلال الأزمات الصحية بدافع ووطني خالص… وليس بحثا عن دور سياسي أو مكسب إعلامي” ولم يفته أن يذكّر بأنّه، رغم ما لاقاه من عدم تجاوب مع محاولاته في المساهمة “في دفع مسيرة التنمية… سواء عبر الاستثمار أو من خلال مبادرات في القطاع الصحي والإنساني”… أو من خلال أن يكون “جسرا بين تونس والعالم”، فإنّ “يده ما تزال إلى اليوم ممدودة لتونس” و”إرادته ثابتة” ليكون “جزءا من أيّ جهد صادق يهدف إلى النهض بهذا الوطن” مضيفا: “لا أطرح نفسي اليوم بديلا لأحد ولا أسعى إلى أي موقع خارج الأطر القانونيّة والمؤسساتيّة… ما أومن به هو أن تونس تحتاج إلى الكفاءة، إلى إدارة فعّالة وإلى ربط القدرة على ربط الداخل بالخارج دون التفريط في السيادة”.
خلاصة قول السيد كمال الغريبي: “لا علاقة لي بما يقال عن ترشيحي لخلافة قيس سعيّد، لكنّني على استعداد لتلبية نداء الوطن وهذا برنامجي إذا أصبحت رئيسا”. وهو ما فهمه كل متتبّع للشأن العام بالنظر إلى أن هذا الأسلوب بات تقليدا في تونس. ومن الطبيعي في مثل هذا السياق أن يطرح السؤال: لماذا الآن؟ ولماذا من إيطاليا تحديدا؟ وكان جواب العديدين واضحا: ثمّة قناعة متزايدة في بعض الأوساط في الخارج بأنّ سعيّد الذي جيء به سنة 2021 لإخراج البلاد من أزمتها وإنقاذ النظام إنّما هو عمّق هذه الأزمة وزاد النظام تفكّكا وهو ما يهدّد مصالح رأس المال المنتصب في تونس لا بسبب “وطنيّة” قيس سعيّد كما يزعم مريدوه من سقط المتاع بل بسبب عدم كفاءته وفوضويّته وما يخلقانه من عدم استقرار رغم ولائه ورغم دور حارس حدود أوروبا الجنوبية الذي يقوم به. أمّا “لماذا من إيطاليا” فلا أحد يمكنه اليوم نكران النفوذ المتزايد لهذا البلد في تونس منذ وصول اليمينيّة المتطرّفة ميلوني إلى الحكم ودخولها في صراع مكشوف مع فرنسا خاصة حول تقاسم النفوذ في بعض بلدان المنطقة ومنها تونس وليبيا الأمر الذي أثار غضب ماكرون نفسه.
هذا هو الإطار الذي يندرج فيه خروج السيد كمال الغريبي إلى الواجهة. فالأرجح إذن أنّ بعض الأطراف في بعض العواصم الأوروبية ربّما بدأت تفكّر فعلا في بديل لقيس سعيّد حتّى لا تفاجئها الأحداث مثلما فاجأتها سنة 2010-2011 وأدّت إلى سقوط خادمها لأكثر من عشرين سنة، زين العابدين بن علي. ومن البديهي أن تفكّر كل جهة فيمن يخدم مصالحها أكثر. وبقطع النظر عن مدى حظوظ مثل هذه الفقاقيع في فرض نفسها فمن الضروري التعامل معها بجديّة. فعندما يكون بلد ما بلا سيادة، كما هو حال تونس، فإنّ مصيره تحدّده دوائر الرأسمال الأجنبي في باريس أو في روما أو في برلين أو في واشنطن أو في كلّها مجتمعة. لقد وصل بورقيبة سنة 1956 إلى الحكم بدعم من فرنسا وانقلب عليه بن علي عام 1987 بدعم أمريكي وتمّ الالتفاف على الثورة بتدخل أمريكي غربي وإقليمي وتواطؤ منظومة الحكم التي أخذت مكان بن علي وانقلب قيس سعيّد سنة 2021 على شركائه في الحكم وأعاد تونس إلى مربّع الدكتاتورية بدعم من بعض العواصم الغربية والقوى الجهوية والإقليميّة (مصر، السعودية، الإمارات، الجزائر…).
إن تونس تحتاج فعلا إلى تغيير جذري وشامل، سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي لكنّ هذا التغيير حتّى يكون لصالح الشعب بمختلف طبقاته وفئاته الكادحة سنبغي أن يكون من صلبه ووفقا لبرنامج يخدمه وبالتالي يمكّنه من بسط سيادته على الدولة وعلى ثروة البلاد ليوظفها في خدمة مصالحه الجوهريّة وهو ما أخفق في تحقيقه الشعب التونسي بعد ثورة 2010-2011 التي انتزعتها منه القوى الرجعيّة بمختلف فصائلها الدينيّة والليبراليّة وحصرتها في مجرّد تغيير النظام السياسي دون المساس بقاعدته الطبقية المحلية والأجنبيّة ولمّا تفاقمت الأزمة وخشيت هذه القاعدة انتفاضة جديدة تهدّد مصالحها بصورة جذريّة دفعت إلى انقلاب 2021 المغلّف بالشعبوية لكي يصفّي مكاسب الثورة الديمقراطيّة ويشرّع الدكتاتورية ويعتمدها أسلوبا لفرض مزيد التبعية على البلاد ومزيد الفقر والجوع والبؤس على الشعب الذي يكون قد تمّ تجريده بعدُ من وسائل الدفاع عن ذاته وفي مقدّمتها حرية التعبير والتنظّم السياسي والنقابي والمدني بشكل عام.
فليستوعب شعبنا بعمّاله وكادحيه، شبابه ونسائه ومثقفيه ومبدعيه التقدميّين الدرس، ولينظم صفوفه ويلتفّ حول برنامج يخدم مصالحه، وليتصدّى لكل محاولات السطو على إرادته من خدم الامبريالية والرجعيّة لتأبيد استعباده، ولتثابر القوى الثورية على الالتحام به للرفع من درجة تنظيمه ووعيه وفضح كل المناورات والأخاديع التي تستهدفه والتي تلعب فيها وسائل الإعلام والاتصال دورا كبيرا في هذه الأيام.
صوت الشعب صوت الحقيقة
