بقلم : علي الجلولي
تمرّ اليوم 78 عاما بالتمام والكمال على ما بات يعرف في السردية الفلسطينية بالنكبة، والمقصود به يوم 14 ماي 1948 حين أعلن كيان الاحتلال الصهيوني قيام “دولة إسرائيل” عل خلفية القرار 181 الصادر عن الأمم المتحدة يوم 29 نوفمبر 1947، وهو القرار الظالم الذي قسم أرض فلسطين التاريخية بين شعبها ومحتليها، بل إن نصيب العصابات الصهيونية المحتلة تجاوز نصيب الفلسطينيين من أرضهم إذ وقع تمكين الصهاينة من 57،7% مقابل 42،3% للفلسطينيين. علما وأن قرار التقسيم مزق نصيب الفلسطينيين بين ساحل غزة وداخل الضفة الغربية فيما وقع تمكين المحتل من أراضي مترابطة ومتسلسلة مع سيطرة شبه كاملة على شمال فلسطين وخاصة جنوبها. أما القدس وبيت لحم فتم وضعها تحت الوصاية الدولية. علما وأن عدد اليهود الصهاينة لم يكن يتجاوز ثلث مجمل سكان فلسطين، فيما كانت مستوطناتهم لا تتجاوز 7% من أرض فلسطين.
وفيما رفض الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية هذا القرار الجائر، انصرف الصهاينة إلى إعداد العدة لإعلان الدولة وهو ما تم قبل الموعد المقرر بتواطؤ مفضوح من الدول الامبريالية وأيضا من الاتحاد السوفياتي الذي صوت لصالح قرار التقسيم واعترف بدولة الصهيونية في تناقض مع الأفكار الاشتراكية والمبادئ التي تحتكم إليها الدولة الاشتراكية. لقد سبق للشعب الفلسطيني أن رفض مقترحات “لجنة بيل” سنة 1937 حول تقسيم فلسطين والتي شكلها “الانتداب البريطاني” إثر اندلاع ثورة 1936/1939 رغم كون مقترحات هذه اللجنة كانت مختلفة كثيرا عن مقترحات “لجنة اينوسكوب” التي أعدت الأعمال التحضيرية لقرار التقسيم. كما أنه وبفعل النضال الوطني الفلسطيني العارم أقرت “لجنة وودهيد” البريطانية سنة 1938 بتعذر إنجاز التقسيم.
لكن أوضاع ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت مخالفة وتمكنت العصابات الصهيونية من إعلان دولتها على الأراضي الفلسطينية المحتلة لتنطلق مرحلة جديدة من مقاومة الشعب الفلسطيني خاض فيها كل أشكال النضال والانتفاض والثورة، وخيضت باسمه ثلاثة حروب نظامية هي حرب 1948 و1967 و1973 وهي حروب أدت إلى هزائم ثقيلة امتدت من خلالها يد الاحتلال إلى مجمل أراضي فلسطين التاريخية.
الشعب الفلسطيني يواصل الثبات والمقاومة
لقد واجه شعب فلسطين المشروع الصهيوني منذ بداياته الأولى برفض الاستيطان والهجرات المنظمة وغير المنظمة، وواجه سياسيا وعسكريا العصابات التي بدأت تكشر عن أنيابها مدعومة من الانتداب البريطاني وبتواطؤ السلطان العثماني وأذياله حكام المنطقة وكبار إقطاعييها المرتبطين بالاستعمار في الأردن والشام ومصر. ورغم ذلك خاض الشعب الفلسطيني كل أشكال النضال والمقاومة دفاعا عن كيانه وأرضه وذلك قبل قرار التقسيم وبعده، وقد تشكلت منظمة التحرير وفصائل العمل الوطني لتنظيم هذا النضال وتصعيده داخل الأراضي المحتلة وخارجها أي في مواقع اللجوء والشتات. لقد قدم الشعب الفلسطيني وحركته التحررية أجلّ التضحيات التي ثبتت القضية الفلسطينية عنوانا بارزا من عناوين قضايا التحرر الوطني في العالم. لقد اتخذ الصراع مع العدو أشكالا متعددة بما فيها الصراع الإعلامي والسياسي من أجل استقطاب الرأي العام العالمي الذي ركزت عليه الدوائر الصهيونية معتمدة على سردية “المظلومية اليهودية” التي عملت على توظيف “الهولوكوست” بما في ذلك بتغيير معطياتها وتفاصيلها لاستدرار التعاطف العالمي مع “القضية اليهودية“. لكن ثبات الشعب الفلسطيني والعمل الجبار الذي قامت به القوى التقدمية في العالم وخاصة في العالم الغربي تمكنت من ترجيح السردية الفلسطينية خاصة بعد ملحمة 7 أكتوبر البطولية التي غيرت عديد المعطيات الخاصة بالقضية الفلسطينية وخاصة منها ما يهم فتح أعين العالم على الجرائم الصهيونية الموغلة في الوحشية والبربرية بما لا يقارن مع ما تعرض له اليهود في ألمانيا النازية أو ما قبلها، وهو أمر أصبح العالم يتابع تفاصيله على الأثير مباشرة.
أوضاع اليوم لا تختلف عن أوضاع النكبة
يكاد تقريبا يتفق متابعو القضية الفلسطينية بكون الصور المنقولة اليوم من غزة هي أفظع من الصور التي تناقلها العالم إبان حرب 1948. فصواريخ المحتل وقنابله وجرافاته ألغت كل الجدران في غزة، وألغت تقريبا كل مظاهر العمران بما في ذلك المشافي والمدارس وبيوت العبادة، فضلا عن تدمير مجمعات المياه والإنارة مما فرض على أكثر من مليوني بشر العيش في خيام مقطعة شتاء وصيفا، وقد تزامن هذا الوضع الذي يستمر لأكثر من عامين مع معطيات مناخية صعبة تابع العالم عبر شاشات التلفزيون كيف عاشها أطفال غزة وشيوخها وجرحاها وكيف تحولت جثث الشهداء إلى طعام للكلاب الجائعة. إن مشهد الخيام هو ذاته طوال تاريخ فلسطين المعاصر داخل الأراضي المحتلة وفي مخيمات اللجوء والشتات. وليس الوضع في الضفة والقدس أفضل، فالاستيطان يتصاعد والطرق الالتفافية تحيط بكل القرى والمدن ويد عصابات المستوطنين تفعل ما تريد تقتيلا واغتصابا للأرض وتهديما للبيوت وتجريفا للأراضي الزراعية. وها هي عصابات الحكومة الفاشية تعمل من أجل استصدار قانون لإلغاء اتفاقيات أوسلو وواي ريفر حتى يتم تفكيك سلطة العميل محمود عباس التي استنفدت شروط استمرارها. إن إصرار عصابة بن غفير–سميتريتش–نتن ياهو في العربدة وتمرير ما يريدون من قوانين فاشية استغلالا لما يسميه غلاة الصهاينة “الفرصة التاريخية” لتعزيز كل ما من شأنه تسهيل عمل آلة الحرب الصهيونية التي تريد المضي قدما من أجل تحقيق الحلم الصهيوني، حلم “إسرائيل الكبرى” التي تمتد من النيل إلى الفرات، يتم الأمر الآن بتحقيق السيادة الصهيونية المطلقة على مجمل أرض فلسطين التاريخية، وعلى شريط حدودي واسع في لبنان يمتد على الأقل إلى حدود نهر الليطاني، وذات الأمر في سوريا من خلال وضع اليد بالتمام على جبل الشيخ وفرض شريط حدودي مفرغ من أي وجود مسلح يمتد حتى تخوم دمشق التي يقف الجنود الصهاينة على بعد ثلاثين كيلومتر منها بتعاون كامل من الحاكم الجديد لسوريا، وطبعا مع وضع اليد كاملة على غور الأردن والضفة الشرقية.
إن الصهاينة لم يغيروا عقيدتهم، فحين صدر قرار التقسيم ورغم إسناده لأغلب الأرض الفلسطينية لهم، عبر البعض منهم مثل بيقن وشامير أنهم سيقبلون ذلك مؤقتا حتى تتوفر الشروط للتقدم خطوات أهم في تنفيذ المشروع الصهيوني. لكن صمود الشعب الفلسطيني وتشبثه بأرضه واستعداده اللامحدود لتقديم كل التضحيات، هو الصخرة التي عليها فشلت وستفشل كل المؤامرات الصهيونية والامبريالية المدعومة بتواطؤ غير مسبوق من الأنظمة العربية والإقليمية التابعة والذليلة والوظيفية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
