بقلم : شيراز بن حسين
بينما تئنّ تونس تحت وطأة تفقير متزايد وأزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، بالتوازي مع انسداد سياسي مستمر منذ انقلاب 25 جويلية، تتجه سلطة قيس سعيد مؤخّرا نحو خطوة جديدة تكشف طبيعة علاقتها بالمؤسسات التي أنشأتها بنفسها حيث جاء قرار الحكومة الأخير بتعليق حضور وزرائها في الجلسات البرلمانية ليؤكّد بأنّ الوظيفة التشريعية (وفقا للمنظومة الحاكمة) بغرفتيها ليست سوى واجهة صورية مجرّدة من أيّ مشاريع تنموية أو سلطة رقابية حقيقية.
وتأتي هذه القطيعة الحكومية كأثر مباشر للمنظومة الدستورية الانفرادية التي صاغها رئيس السلطة التنفيذية لتجفيف منبع التوازن بين السلطات وذلك من خلال تعطيل أدوات المحاسبة (حتى لو كانت صورية) وفرض تشتيت واستهداف وضرب متعمّد لقوى المجتمع المدني والسياسي. وتبدو النتيجة الحتمية هي خنق الحياة العامة ومحاصرة حتى تلك المؤسسات الصورية التي صيغت على مقاس الحاكم بأمره، حيث أنّ برلماناً معزولاً وتائهاً لا يملك آليات إنقاذ وطن من اختناق سياسي واقتصادي لا يؤكّد سوى أنّ المنظومة القائمة لا تطيق سماع أيّ صوت حتى وإن كان من داخل حزامها “الدستوري” الصوري.
تبدو الأزمة الراهنة والمتزايدة في الفترة الأخيرة لنظام قيس سعيّد كأزمة بنيوية مركّبة لنموذج حكم يدمج بين السلطوية السياسية المطلقة، والعجز البنيوي في القطع مع النمط التنموي الرأسمالي التابع. فلقد شكّل مسار 25 جويلية نقطة تحوّل حاسمة نحو إرساء سلطة بونابرتية فردية قامت على أنقاض ديمقراطية تمثيلية معطوبة، لتنتقل البلاد من أزمة “الديمقراطية التوافقية” البورجوازية إلى مربّع الاحتكار التام للقرار وتصفية المكاسب السياسية الناشئة، واستندت استراتيجية المنظومة إلى تفكيك الأجسام الوسيطة، من أحزاب ومنظمات ومجتمع مدني، لقطع الطريق أمام أي حراك جماهيري منظّم، بالتوازي مع تقويض استقلالية المرفق القضائي وتدجين ونسف الهيئات التعديلية (وفي مقدمتها هيئة الانتخابات) لضمان إعادة إنتاج سلطة ديكتاتورية وفاشية بشكل جديد. ورافق هذا الإغلاق السياسي هجوم شرس على الحريات العامة وحرية التعبير، عبر ترسانة من المراسيم السالبة للحرية (كالمرسوم 54)، بهدف حصار القوى الحية والمعارضة التقدّمية والاجتماعية والاقتصادية. وهنا يبرز تناقض صارخ بين الخطاب الشعبوي ذي المسحة السيادية، وبين الخيارات المالية الفعلية للسلطة التي تمثل استمراراً وفياً للنهج النيوليبرالي المتوحّش، فإن الاستسلام لإملاءات المانحين الدوليين، والعجز عن صياغة بديل تنموي وطني وشعبي، تُرجم ميدانياً عبر استفحال البطالة، وارتفاع معدلات التضّخم، والتفقير المتسارع للشغالين، فضلاً عن العجز الهيكلي عن تأمين المواد الأساسية، وضمن هذه الديناميكية، يشتغل الخطاب الرسمي لمنظومة الحكم كآلية إيديولوجية لتزييف الوعي وحجب التناقضات الطبقية، عبر تقسيم المجتمع افتراضياً إلى “شعب طاهر” في مواجهة “تآمر الخصوم“، بالتوازي مع هندسة مشروع “البناء القاعدي” والمجالس المحلية لترذيل المجتمع وعرقلة التشكّل السياسي والنقابي المنظم. وقد أدّت هذه الخيارات المأزومة إلى عزلة اجتماعية وسياسية متفاقمة للمنظومة، تفضح زيف وعودها وتضعها في مواجهة مباشرة مع استحقاقات الواقع.
الأزمة الداخلية لمنظومة الحكم وسقوط الأوهام
تواجه منظومة الحكم الحالي في تونس أزمة بنيوية حادة تخترقها من الداخل، وهي أزمة لا تعود لـ“صعوبات عابرة” بل تعبّر عن مأزق وظيفي وتاريخي شامل. إنّها النتيجة الحتمية لنمط حكم شعبوي يعيد إنتاج الاستبداد السياسي لحماية خيارات اقتصادية ليبرالية تابعة، ويتجلّى هذا المأزق في تفتّت الكتلة الطبقية والسياسية المحيطة برأس السلطة، حيث تحوّل فضاء القرار إلى ساحة خلفية لتناحر الأجنحة البيروقراطية وصراعات الأجهزة لتقاسم النفوذ، ممّا أدخل المنظومة في حالة ارتياب دائم وتوجّس متبادل يعوق قدرتها على صياغة أيّ مشروع “تاريخي” كما تروّج له.
ويتزامن هذا التآكل الداخلي مع تفكيك ممنهج للمرفق العمومي وجهاز الدولة الإداري. فسياسة الإقالات العشوائية والمحاكمات الإدارية للوزراء والمسؤولين لا تمثل “تطهيراً“، بل هي إفراغ متعمّد للإدارة من الخبرة الفنية وتصفية لما تبقى من “ذاكرة الدولة الاجتماعية” وتحميلهم فشل خيارات رأس السلطة التنفيذية، وكل ذلك لصالح تعيين الموالين وأبناء المسار الذين يفتقرون للحسّ السياسي والدراية الفنية، بل إنّ توجّه هذا النمط في التعيين الفوقي لم يساهم إلاّ في نشر ثقافة الرعب والتردّد بين صغار ومتوسطي الموظفين كما حوّل الإدارة إلى جثّة هامدة تخشى المبادرة خوفا من العقوبات وتنتظر التعليمات لا غير.
إنّ هذا التآكل من الداخل لم يفرز سوى عزلة سياسية خانقة للسلطة وعنوانا لأزمة داخلية باتت أكثر وضوحا حتى في صفوف أبناء “المسار” حيث بعد قرار منع الوزراء من الحضور في الجلسات العامة للبرلمان الحالي والذي أثار جدلا حتى لدى عدد من النواب، وفي انتظار التحوير الوزاري الذي كثر الحديث عنه مؤخّرا (محاولة جديدة لإنقاذ رأس المنظومة من الفشل)، مثّل البيان الصادر عن وزارة الدفاع بتاريخ 21 ماي الجاري والذي تحدّث فيه عن دور المؤسسة العسكرية وابتعادها عن التجاذبات السياسية واستقلاليتها عنوانا جديدا للجدل المثير والتحليلات والتأويلات باعتبار أن مثل هذه البيانات عن وزارة سيادية نادرا وقلّ ما تنشر للرأي العام، ما يشير فعلا إلى وجود أزمة خانقة لم تكشف تفاصيلها وملامحها بدقّة بعد.
وأمام كلّ هذا فإنّ مراهنة رأس السلطة على الخطابات الشعبوية والتعبئة العاطفية الأحادية والتهديد إثر زيارته الأخيرة إلى قصر الحكومة بالقصبة وقوله “لقد بلغ السيل الزبى” تزيد دليلا عن الانفصال والأزمة الخانقة، لعلّ أبرزها وكما تم تداوله مؤخّرا عن الزيارة التي أدّاها سعيد إلى دوّار هيشر والتي لم تنشر عنها صفحة رئاسة الجمهورية كما جرت العادة ولو صورة، حيث تداولت بعض الصفحات أنّ غضب المواطنين من ارتفاع الأسعار وتدهور المقدرة الشرائية واحتجاجهم كان السبب في عدم النشر والترويج لالتحام الرئيس بالمواطنين.
وفي هذا السياق، يعيش المشهد المؤسساتي شللاً تاماً حيث تحوّل البرلمان والمجالس الصورية بموجب “المسار الجديد” إلى مجرد واجهات ديكورية منزوعة الصلاحيات، وصدى ملطف لإملاءات السلطة التنفيذية، بالتوازي مع تجميد الهيئات الديمقراطية والتعديلية لضمان الهيمنة المطلقة. وتتفاقم هذه المعضلة بفعل النزوع نحو المركزية المطلقة وحصر الصلاحيات بيد “الفرد الواحد“، ما كرّس بيروقراطية مشلولة تخشى المسؤولية وتنتظر “الأوامر الفوقية“، ممّا عطّل مصالح الشعب ومشاريع التنمية المحلية. وقد انعكست هذه الاختلالات البنيوية بشكل كارثي على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، مكرّسة الفشل الذريع لمنظومة عاجزة عن القطع مع إملاءات الدوائر المالية العالمية (كصندوق النقد الدولي)، فلقد عجزت الحكومة عن إدارة أزمات فقدان المواد الأساسية، والارتفاع الجنوني للأسعار، وتفاقم المديونية التي تكبّل السيادة الوطنية. وفي المقابل، يهرب الخطاب الرسمي نحو “مؤامرات الاحتكار” أو سعيه المحموم نحو “معركة التحرير الوطني” لتبرير عجزه والتغطية عن غياب أيّ رؤية تنموية وطنية وشعبية، وعن فرض إصلاحات ضريبية عادلة أو تأميم القطاعات الحيوية لإنقاذ المالية العمومية وفرض السيادة الوطنية الحقيقية.
إنّ هذا التداخل المعقّد بين صراعات الأجهزة، وتفكيك الإدارة، وتصفية العمل السياسي والتشريعي، والمركزية الخانقة، والعجز عن قمع توغّل رأس المال الطفيلي، يثبت أنّ هذه المنظومة غير قادرة على تجديد نفسها أو تقديم حلول للأزمة الشاملة. إنها ليست الحل، بل هي جوهر المأزق البنيوي التاريخي الذي يستنزف مقدّرات الشعب التونسي ويدفع بالبلاد نحو الانفجار الاجتماعي، ما يتطلب اليوم وبشكل ملحّ توحيد الجهود للمواجهة والاستعداد أكثر من أيّ وقت مضى لإنقاذ البلاد قبل الانهيار.
صوت الشعب صوت الحقيقة
