الرئيسية / صوت الوطن / علوش العيد في تونس: العائلات التونسية بين مطرقة مضاربات السماسرة وتخلي الدولة عن دورها الرقابي
علوش العيد في تونس: العائلات التونسية بين مطرقة مضاربات السماسرة وتخلي الدولة عن دورها الرقابي

علوش العيد في تونس: العائلات التونسية بين مطرقة مضاربات السماسرة وتخلي الدولة عن دورها الرقابي

بقلم : الناصر بن رمضان

في كل سنة، ومع اقتراب عيد الأضحى، تتحول الأسواق التونسية إلى فضاء مكشوف للتوتر الاجتماعي والقلق الجماعي. فالعائلات الشعبية والمتوسطة التي أنهكتها سنوات الغلاء والتضخم وتآكل الأجور، تجد نفسها أمام استحقاق اجتماعي وديني وثقافي ثقيل الكلفة، في ظل انفلات الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وغياب أي سياسة فعلية لحماية المستهلكين أو دعم منظومة الإنتاج الحيواني.

لقد أصبح علوش العيدفي تونس مرآة مكبرة للأزمة الاقتصادية والاجتماعية العامة، حيث تتقاطع مصالح السماسرة واللوبيات التجارية مع انسحاب الدولة من دورها التعديلي، لينتهي الأمر بإلقاء كامل العبء على كاهل الفئات الشعبية التي لم تعد قادرة حتى على تأمين أبسط مستلزمات العيش الكريم.

الظاهرة الاجتماعية والدينية في بلد إسلامي

عيد الأضحى في تونس ليس مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هو طقس اجتماعي متجذر في الوعي الجماعي وفي الثقافة الشعبية لعقود طويلة. فالأسرة التونسية، مهما كان وضعها المادي، تنظر إلى اقتناء الأضحية باعتباره جزءا من الكرامة الاجتماعية والانتماء الثقافي والديني.

ولهذا السبب بالذات، تتحول المناسبة كل سنة إلى لحظة ضغط نفسي واقتصادي رهيبة على ملايين العائلات، خاصة في الأحياء الشعبية والجهات الداخلية، حيث يشعر رب الأسرة بأنه مطالب اجتماعيابتوفير الأضحية حتى ولو اضطر إلى الاستدانة أو التضحية بحاجيات أساسية أخرى.

لقد نجح النظام الاقتصادي القائم في تحويل الشعيرة الدينية إلى سوق استهلاكية ضخمة تتحكم فيها قوانين الربح الأقصى والمضاربة والاحتكار، بدل أن تبقى مناسبة تضامن وتكافل اجتماعي. فالعائلة التونسية الخارجة لتوها من مواسم استنزاف متتالية: رمضان، عيد الفطر، العودة المدرسية، المصاريف الصحية، فواتير الطاقة والنقل والكراء، تجد نفسها مجددا أمام مناسبة جديدة تفرض عليها نفقات إضافية في ظرف اقتصادي خانق.

والمفارقة المؤلمة أن الأضحية التي كانت لعقود طويلة في متناول الفئات الشعبية، أصبحت اليوم بالنسبة لآلاف العائلات حلما مؤجلا أو عبئا ماليا ثقيلا، في بلد ترتفع فيه نسب الفقر والهشاشة والبطالة سنة بعد أخرى.

غياب الدولة وتفكيك منظومة الماشية

لا يمكن فهم الغلاء المشط الذي تعرفه أسعار الأغنام واللحوم دون التوقف عند السياسات الاقتصادية والزراعية الفاشلة التي دمرت تدريجيا منظومة الإنتاج الحيواني في تونس.

فالدولة التي كان يفترض أن تلعب دورا حمائيا وتعديلـيا، اختارت منذ سنوات الانسحاب من دعم الفلاحين الصغار وترك القطاع تحت رحمة السوق والمضاربين وشركات الأعلاف الكبرى.

لقد ارتفعت أسعار الأعلاف بشكل جنوني نتيجة الارتهان للأسواق العالمية والتوريد والاحتكار، بينما تُرك مربو الماشية الصغار يواجهون وحدهم تكاليف الإنتاج المرتفعة والجفاف وندرة المياه وغياب الدعم الحقيقي.

والنتيجة الطبيعية لذلك كانت تقلص القطيع الوطني سنة بعد أخرى، وتخلي آلاف الفلاحين عن تربية الأغنام والأبقار بسبب الخسائر المتواصلة.

في المقابل، لم تعمل الدولة على:

وضع سياسة وطنية للسيادة الغذائية،

التحكم في أسعار الأعلاف،

دعم صغار المربين،

مقاومة الاحتكار،

تطوير الإنتاج المحلي،

أو بناء منظومة عمومية للتعديل والتخزين والتوزيع.

بل على العكس، جرى تحرير الأسواق تدريجيا وترك المواد الفلاحية رهينة المضاربة والاحتكار والسمسرة. وهكذا أصبح المواطن يدفع ثمن فشل الخيارات الاقتصادية الليبرالية التي عمقت التبعية الغذائية وأضعفت الفلاحين وخدمت كبار الوسطاء والمستوردين.

مضاربات السماسرة وتحرير أسواق الأغنام

مع اقتراب عيد الأضحى، تنشط شبكات السماسرة والوسطاء بشكل هستيري. فبدل أن ينتقل الخروف مباشرة من المربي إلى المستهلك، يمر عبر سلسلة طويلة من الوسطاء الذين يضيف كل واحد منهم هامش ربح جديدا، لترتفع الأسعار بشكل خيالي.

لقد تحولت أسواق الدواب إلى فضاءات للمضاربة المنظمة أكثر منها أسواقا للإنتاج الحقيقي.

فالسماسرة يعمدون إلى:

احتكار أعداد كبيرة من الأغنام،

التحكم في العرض،

الترفيع الاصطناعي للأسعار،

خلق حالة من اللهفة والضغط النفسي،

واستغلال البعد الديني والاجتماعي للمناسبة لفرض أسعار غير منطقية.

أما الدولة، فتكتفي كل سنة بخطابات إعلامية حول المراقبةوالتصدي للاحتكاردون إجراءات جذرية حقيقية. فلا توجد منظومة عمومية فعالة لتوزيع الأضاحي بأسعار مضبوطة، ولا سياسة رقابية صارمة تكسر حلقات السمسرة والاحتكار.

إن ما يحدث ليس مجرد اختلال ظرفيفي السوق، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات تحرير الاقتصاد ورفع يد الدولة عن القطاعات الحيوية، بما فيها القطاع الفلاحي والغذائي.

وفي ظل اقتصاد السوق المنفلت، يصبح العيد موسما ذهبيا للربح السريع على حساب قوت الفقراء وكرامتهم الاجتماعية.

الفئات الشعبية: الضحية الدائمة

المتضرر الأكبر من هذه المنظومة المختلة هو بلا شك الفئات الشعبية والطبقة الوسطى المتآكلة.

فهذه الفئات لا تكاد تخرج من مناسبة استنزاف مالي حتى تجد نفسها مجبرة على الإنفاق في مناسبة أخرى، وسط أجور راكدة وأسعار ملتهبة وضرائب غير عادلة وتراجع الخدمات العمومية.

العامل والأجير وصغار الموظفين والمتقاعدون والعاطلون عن العمل، هم من يدفعون دائما كلفة الأزمة الاقتصادية، بينما تستفيد أقلية من المضاربين والوسطاء واللوبيات التجارية من حالة الفوضى وغياب الرقابة.

لقد أصبح جزء واسع من الشعب يعيش بمنطق:

القروض الصغيرة،

الدفوعات،

الاستدانة العائلية،

أو التضحية بحاجيات أساسية كالصحة والتعليم والغذاء من أجل مجاراة الضغوط الاجتماعية.

وهكذا يتحول العيد، الذي يفترض أن يكون مناسبة فرح وتضامن، إلى موسم قلق اجتماعي واختناق مالي عند آلاف العائلات التي باتت عاجزة عن مواكبة نسق الغلاء المتواصل.

خاتمة: من يتحمل المسؤولية؟ وما البدائل؟

إن أزمة علوش العيدفي تونس ليست معزولة عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية العامة التي تعيشها البلاد.

فالغلاء ليس قدرا، بل نتيجة مباشرة لخيارات اقتصادية وسياسية قائمة على تحرير الأسواق، وضرب الدور الاجتماعي للدولة، وإضعاف القطاع الفلاحي، وخدمة مصالح كبار المحتكرين والمستوردين والوسطاء.

وتتحمل السلطة السياسية المسؤولية الأساسية في:

التخلي عن حماية منظومة الإنتاج الحيواني،

رفع يد الدولة عن التعديل والرقابة،

غياب سياسة دعم فعلية للفلاحين،

وعدم بناء استراتيجية وطنية للسيادة الغذائية.

أما الحلول الحقيقية، فلا يمكن أن تكون ظرفية أو موسمية، بل تمر عبر:

إصلاح زراعي فعلي يضع الفلاح الصغير في قلب العملية الإنتاجية،

دعم الأعلاف والتحكم في أسعارها،

بناء منظومة عمومية لتجميع وتوزيع الماشية،

مقاومة الاحتكار والسمسرة بقوانين صارمة،

حماية الإنتاج الوطني،

وفرض خيارات اقتصادية واجتماعية جديدة تعطي الأولوية للسيادة الغذائية والعدالة الاجتماعية بدل منطق الربح السريع والسوق المنفلتة.

فبدون تغيير جذري للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، ستظل المناسبات الدينية والشعبية تتحول سنة بعد أخرى إلى مواسم إضافية لتفقير الشعب وتعميق الإحساس بالعجز والمهانة الاجتماعية.

إلى الأعلى
×