بقلم رشيد سوايح
إنّ البلاغ الصادر عن وزارة العدل التونسية يوم 18 ماي 2026 لم يكن مجرّد بيان إداري عابر، بل كان إعلانًا سياسيًا وقانونيًا خطيرًا يكشف مرّة أخرى عن طبيعة المقاربة السائدة داخل السلطة تجاه مرفق العدالة وتجاه أحد أهمّ أعمدته: المحاماة المستقلة. فبدل أن تتعامل الوزارة مع التحرّكات الاحتجاجية للمحامين باعتبارها جرس إنذار حقيقي حول ما آلت إليه أوضاع القضاء والمحاكمات وضمانات الدفاع، اختارت لغة التحدّي والإنكار، وقدّمت للرأي العام صورة مضلّلة توحي بأنّ “الأمور عادية” وأنّ العدالة ستواصل السير بصورة طبيعية رغم احتقان غير مسبوق داخل المحاكم.
لكن الحقيقة القانونية والحقوقية مختلفة تمامًا.
فالعدالة ليست بناية تُفتح أبوابها صباحًا وتُغلق مساءً، وليست مجرّد كتبة وموظفين وملفات وجلسات شكلية. العدالة، في معناها الدستوري والإنساني، تقوم أساسًا على ضمانات المحاكمة العادلة، وعلى حقّ الدفاع، وعلى استقلال القضاء، وعلى احترام الإجراءات القانونية. وكلّ مساس بهذه العناصر يجعل من المحاكمة مجرّد إجراء قسري فاقد للشرعية، حتى وإن تمّ تحت لافتة “استمرارية المرفق العمومي.
إنّ أخطر ما ورد في البلاغ هو محاولة التقليل من تأثير تحركات المحامين عبر القول إنّ “امتناعهم عن تقديم الخدمة لا تأثير له على سير مرفق العدالة “. وهذه العبارة ليست فقط مستفزّة، بل تكشف جهلًا أو تجاهلًا متعمّدًا لطبيعة وظيفة المحامي داخل المنظومة القضائية. فالمحامي ليس عنصرًا ثانويًا أو مكمّلًا شكليًا للمحاكمة، بل هو جزء أساسي من ضمانات التقاضي العادل. والحق في الدفاع ليس منّة من السلطة، بل حق دستوري ثابت تكرّسه المواثيق الدولية والدستور التونسي ذاته.
فكيف يمكن الحديث عن “سير عادي للمحاكم” في غياب الدفاع؟
وكيف يمكن الحديث عن “إيصال الحقوق إلى أصحابها” بينما أصحاب الحقوق أنفسهم يُحرمون من الضمانات الأساسية لمحاكمة عادلة؟
وأيّ عدالة هذه التي تعتبر حضور المحامي أو غيابه مسألة ثانوية لا تؤثّر في جوهر المحاكمة؟
إنّ ما جاء في البلاغ يعكس نزعة بيروقراطية خطيرة تختزل العدالة في الجانب الإداري والإجرائي، بينما تتجاهل بعدها الحقوقي والدستوري. فالمحاكمة ليست مجرّد جلسة تنعقد، بل هي منظومة متكاملة من الضمانات. وأيّ مساس بحقوق الدفاع يجعل الأحكام الصادرة محلّ تشكيك قانوني وأخلاقي، ويضرب ثقة المواطنين في القضاء وفي الدولة نفسها.
ثم إنّ الوزارة تتحدّث عن “تواصل انعقاد الجلسات” وكأنّ انعقاد الجلسة في حدّ ذاته إنجاز. والحال أنّ الجلسة التي تُعقد دون احترام كامل لحقوق الدفاع قد تتحوّل إلى مجرّد إجراء صوري يفتقد لأدنى شروط العدالة. فالمحكمة التي تواصل النظر في القضايا رغم تعطّل الدفاع أو رغم احتجاجات واسعة حول خروقات تمسّ تركيبة الدوائر الجزائية، إنّما تساهم عمليًا في تعميق أزمة الثقة في القضاء.
ولا يمكن فصل هذا البلاغ عن السياق العام الذي تعيشه العدالة في تونس منذ سنوات، حيث تتزايد المخاوف من تراجع استقلال القضاء ومن توسّع التدخّل التنفيذي في الشأن القضائي، ومن توظيف القضاء في تصفية الخصوم السياسيين أو في إدارة الملفات الحساسة بمنطق الولاء لا بمنطق القانون. لذلك فإنّ احتجاج المحامين اليوم لا يتعلّق فقط بظروف العمل أو بالمطالب المهنية الضيّقة كما قد يحاول البعض تصويره، بل يتعلّق أيضًا بالدفاع عن جوهر المحاكمة العادلة وعن الحدّ الأدنى من الضمانات القانونية التي بدونها تتحوّل المحاكم إلى فضاءات لإضفاء الشرعية الشكلية على قرارات جاهزة.
إنّ احترام تركيبة الدوائر القضائية، وخاصة الجزائية، ليس تفصيلًا إداريًا يمكن تجاوزه، بل هو مسألة جوهرية تمسّ شرعية.
الأحكام نفسها. فالقاضي الطبيعي، واستقلالية التركيبة القضائية، وحياد المحكمة، كلّها مبادئ أساسية معترف بها في الفقه القانوني الدولي وفي اجتهادات المحاكم المقارنة. وعندما يشعر المحامون بأنّ هذه المبادئ تتعرّض للاهتزاز، فإنّ من واجبهم المهني والأخلاقي دقّ ناقوس الخطر، لا الصمت.
والأخطر من ذلك أنّ البلاغ يحاول خلق انطباع بأنّ السلطة قادرة على إدارة العدالة دون المحامين، وكأنّ الدفاع عبء يمكن الاستغناء عنه. وهذه العقلية تمثّل انحدارًا خطيرًا نحو تصور سلطوي للعدالة، حيث تصبح المحاكمة مجرّد مسار إداري تتحكّم فيه الدولة من البداية إلى النهاية، دون توازن حقيقي بين سلطة الاتهام وحقوق الدفاع.
في كلّ الديمقراطيات الحقيقية، عندما يحتجّ المحامون بسبب مخاوف تتعلّق بالمحاكمات العادلة، يُنظر إلى الأمر باعتباره أزمة دولة تستوجب الحوار والمعالجة العاجلة. أمّا في الأنظمة التي تضيق بالنقد وتخشى استقلال المهن القضائية، فإنّ الردّ يكون عادة بالتقليل من أهمية الاحتجاجات أو بمحاولة كسرها معنويًا وإعلاميًا. ولهذا فإنّ البلاغ الحالي لا يبدو بيان تهدئة بقدر ما يبدو رسالة سياسية مفادها أنّ السلطة ماضية في خياراتها مهما كانت الاعتراضات القانونية والحقوقية.
غير أنّ التاريخ القضائي في كلّ أنحاء العالم أثبت حقيقة بسيطة: لا عدالة بدون دفاع مستقل. ولا قضاء محترم بدون محاماة حرّة. وكلّ سلطة تحاول إضعاف المحامين أو تحجيم دورهم إنّما تضع نفسها في مواجهة مباشرة مع مبادئ دولة القانون.
إنّ الأزمة الحالية ليست أزمة قطاعية عابرة، بل هي جزء من معركة أوسع حول طبيعة الدولة نفسها:
هل نريد قضاءً مستقلًا ومحاكمات عادلة وضمانات فعلية للمتقاضين؟
أم نريد جهازًا قضائيًا مطيعًا يشتغل بمنطق التعليمات والولاءات؟
إنّ البلاغ، في بنيته اللغوية والسياسية، لا يبدو موجّهًا فقط إلى المتقاضين، بل إلى الرأي العام بأسره. فاختيار التأكيد على أنّ “المحاكم ستواصل عملها بصورة عادية” رغم احتجاجات المحامين، لا يخلو من رغبة واضحة في عزل التحرّك المهني عن حاضنته الشعبية، وتقديم المحامين في صورة الطرف الذي “يعطّل مصالح المواطنين”، بدل تقديمهم كجزء متآمر في خضم معركة أوسع تتعلّق بضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القضاء.
وهنا تكمن خطورة الخطاب الرسمي حين يتحوّل من خطاب مؤسساتي يفترض فيه البحث عن التهدئة والحوار، إلى خطاب إيحائي يزرع الشكّ في مشروعية التحرّكات المهنية، ويفتح المجال أمام حملات التحريض والتشويه. فحين تصدر السلطة رسالة مفادها أنّ احتجاج المحامين “لا تأثير له” وأنّ العدالة يمكن أن تسير دونهم، فإنّها لا تكتفي بإنكار دور الدفاع، بل تساهم عمليًا في صناعة مناخ عدائي تجاه المحاماة نفسها، وفي تأليب جزء من الرأي العام ضدّها وضدّ مناضليها.
وليس من قبيل الصدفة أنّ مثل هذه البلاغات كثيرًا ما تتحوّل، في المناخات السياسية المتوتّرة، إلى مادّة جاهزة لبعض المنابر الإعلامية وصفحات التحريض الرقمي التي تبحث عن صناعة “عدو داخلي” جديد. فبدل فتح نقاش جدّي حول أسباب غضب المحامين، وحول التحذيرات المتكرّرة المتعلقة بتركيبة الدوائر الجزائية وضمانات التقاضي، يجري اختزال المسألة في صورة سطحية تبسيطية: “محامون يعرقلون مصالح الناس”. وهي سردية خطيرة لأنّها تنقل النقاش من جوهر الحقوق والحريات إلى منطق الشحن العاطفي ضدّ فئة مهنية تؤدي دورًا دستوريًا في حماية المتقاضين.
إنّ السلطة التي تدخل في مواجهة مفتوحة مع المحاماة لا تستهدف المحامين كأشخاص، بل تستهدف وظيفة الدفاع ذاتها. فالمحامي، تاريخيًا، لم يكن مجرّد مقدّم خدمة، بل أحد آخر خطوط الحماية أمام تغوّل السلطة التنفيذية وأمام الانتهاكات المحتملة لحقوق الأفراد. لذلك فإنّ إضعاف صورته داخل المجتمع، أو تصويره كعبء على العدالة، يمثّل خطوة خطيرة نحو تطبيع الرأي العام مع فكرة “العدالة بلا دفاع قوي”، أي مع عدالة مختلّة التوازن تميل تلقائيًا إلى الطرف الأقوى: السلطة القائمة.
والأخطر أنّ هذا المناخ التحريضي قد ينعكس مباشرة على المتقاضين أنفسهم، وعلى علاقة المواطنين بمحاميهم، عبر خلق انطباع مضلّل بأنّ المعركة الجارية هي معركة “امتيازات مهنية”، بينما الحقيقة أنّ جوهر التحرّك يتعلّق بضمانات المحاكمة العادلة وبحقّ كلّ مواطن، قبل المحامي، في المثول أمام قضاء مستقل ومحكمة تتوفّر فيها شروط الحياد واحترام القانون.
لهذا فإنّ المطلوب اليوم ليس التحريض على المحامين ولا شيطنة تحرّكاتهم، بل فتح نقاش وطني حقيقي حول واقع العدالة في تونس، وحول المخاطر التي تهدّد استقلال القضاء وحقوق الدفاع. لأنّ المجتمع الذي يصفّق لإضعاف المحاماة اليوم، قد يكتشف غدًا أنّه ساهم، دون أن يدري، في إضعاف آخر الضمانات التي تحميه من التعسّف والانتهاك.
إنّ المحامين الذين حملوا الشارة الحمراء اليوم لا يدافعون فقط عن مهنتهم، بل يرفعون إنذارًا حول
مستقبل العدالة في تونس. ومن يحاول تصوير تحركاتهم كأنّها مجرّد تعطيل لمرفق عمومي، يتعمّد تجاهل أنّ أخطر تعطيل للعدالة ليس في تأجيل جلسة، بل في تحويل القضاء إلى جهاز فاقد للاستقلال والحياد والثقة الشعبية.
فالعدالة لا تُقاس بعدد الجلسات المنعقدة، بل بمدى احترام حقوق الإنسان داخلها. والمحاكم التي تنعقد بلا ضمانات دفاع كافية قد تنتج أحكامًا، لكنها لا تنتج عدالة.
ولهذا فإنّ البلاغ الصادر عن وزارة العدل، بدل أن يطمئن الرأي العام، عمّق المخاوف القائمة أصلًا. لأنّه كشف بوضوح عن عقلية تعتبر أنّ انتظام الشكل أهمّ من جوهر الحقوق، وأنّ استمرارية الإدارة أهمّ من استمرارية العدالة نفسها. وهنا بالضبط يكمن الخطر الحقيقي.
صوت الشعب صوت الحقيقة
