بقلم : جيلاني الهمامي
ليبيا في قلب الأطماع الإقليمية التركية
تنطلق تركيا في حساباتها بعلاقة بليبيا من دافع تاريخي يستمد “شرعيته” من أكثر من أربعة قرون من العلاقات الثنائية بين ليبيا والباب العالي. وتعني هذه “الشرعية” في ضوء ملابسات الصراعات الجارية على منطقة شرق المتوسط ما تعتبره تركيا “حقا” في افتكاك نصيبها في هذا الصراع. لذلك تمثل ليبيا نقطة ارتكاز أساسية في نظرية “الوطن الأزرق” التي أصبحت بمثابة “العقيدة التوسعية الرسمية” بعدما كانت في البداية (2006) مجرد مقاربة لدى بعض الضباط العسكريين الأتراك ذوي النزعة القومية المناهضين للعلاقة مع حلف الشمال الأطلسي. وتعنى هذه النظرية بكيفية توسيع السيادة التركية على مياه بحر “إيجه” (la Mer Egée) وشرق حوض البحر الأبيض المتوسط بشكل عام. وقد تطورت هذه المقاربة من كونها أساسا للاستراتيجية العسكرية التركية في المجال البحري إلى نظرة استراتيجية لإحياء الأطماع العثمانية وبناء قوة إقليمية تتمتع بفضاء حيوي أوسع يضمّ فيما يضمّ ليبيا.
وكان المدخل إلى ذلك ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا الذي من شأنه أن يمكّن تركيا من فرص لتوسيع أنشطتها في التنقيب على النفط والغاز في شرق المتوسط كرد فعل على استبعادها من “منتدى غاز شرق المتوسط” الذي تأسس سنة 2019 وضمّ اليونان وإيطاليا والكيان الصهيوني وقبرص اليونانية ومصر والأردن. ومن جانب آخر تعتبر تركيا من البلدان التي تدخلت مبكرا في ليبيا إبان اندلاع الثورة فيها وتدخل التحالف الدولي الذي شكله حلف شمال الأطلسي لتحويل تلك الثورة إلى حرب أهلية مزقت ليبيا ومازال أثر هذا التمزيق ساريا إلى اليوم. وقد وقفت ديبلوماسيا إلى جانب “حكومة الوفاق الوطنية” منذ 2015 وحتى قبل ذلك منذ 2011. وتدخلت لأول مرة عسكريا لصالحها في ماي – جوان 2019 لدحر محاولة قوات خليفة حفتر الاستيلاء على العاصمة طرابلس. وانتهزت الفرصة لتركيز قاعدتها العسكرية “الوِطْيَة” ثم لإمضاء اتفاقية أولى في التعاون العسكري والأمني واتفاقيات اقتصادية مع حكومة الوفاق الوطني في نوفمبر 2019 عقبتها اتفاقية عسكرية ثانية في ديسمبر من نفس السنة تم بمقتضاها تركيز قاعدة تركية ثانية (جوية وعسكرية برية) في مسراطة.
استعملت تركيا في تدخلها العسكري هذا جانبا من قواتها الخاصة ولكن أيضا قوات الشركة العسكرية “صادات” SADAT الشبيهة بشركة فاغنر الروسية التي تولت نقل المعدات العسكرية إلى ليبيا وأكثر من ألف من المقاتلين المرتزقة السوريين أو الذين نشطوا في الحرب الأهلية في سوريا وكانوا هم من تولوا جملة الأدوار العسكرية الهجومية الحاسمة في هزم قوات حفتر في غريان وطرابلس. يذكر أن هذه الشركة الخاصة في الظاهر والمقربة جدا من رجب طيب أردوغان أصبحت تشكل رأس الحربة في التدخلات التركية في أكثر من مكان في الساحل الإفريقي (النيجر ومالي وبوركينا فاسو الخ…) كما في بلدان القرن الإفريقي (الصومال وأثيوبيا…).
يندرج التدخل التركي في ليبيا ضمن ما يمكن اعتباره نهوض المطامح التوسعية لدى السلطات التركية التي لا تخفي مطمحها في استعادة المجد العثماني القديم. وقد تزامن هذا النهوض مع انفجار الثورات العربية التي وجدت فيها تركيا مجالا للتدخل خاصة في المناطق الهشّة. وقد اتجهت نوايا الانتشار التركي إلى سوريا ومصر وليبيا وتونس ولكن وفي ضوء التطورات اللاحقة عدلت أولوياتها لتركز على سوريا بحكم عوامل الجوار وحسابات الصراع في الشرق الأوسط وعلى ليبيا التي أصبحت الساحة الأساسية التي ترتكز عليها الاستراتيجية التركية في مواجهة القوى الغربية (الولايات المتحدة وأوروبا) والقوى الإقليمية (مصر والكيان الصهيوني والسعودية والإمارات).
الآن وقد ترسخ واقع الانقسام في ليبيا بين الشرق والغرب وباءت كل محاولات تجاوزه بالفشل تتجه أنظار تركيا بعد أن أمّنت حضورها العسكري في منطقة الغرب، إلى مراجعة مقاربتها في علاقة بحاكم الشرق المشير حفتر. لذلك انطلقت في السنوات الأخيرة في مد جسور التقارب معه.
إن رغبة تركيا في التواصل مع معسكر الشرق الليبي ليس بجديدة إذ سبق لها أن نسجت علاقات مع رئيس مجلس النواب هناك، عقيلة صالح، سنة 2020 لكن ما يميز مساعيها هذه المرة هو عدم الاكتفاء بالتنسيق مع الواجهة السياسية والمرور إلى تطوير علاقات حثيثة مع الواجهة العسكرية، مع حفتر مباشرة.
جملة من الدواعي أملت هذا التحول، فالتطورات على الساحة الداخلية في ليبيا وفي منطقة شرق المتوسط فرضت إدخال تعديلات في خطة السيطرة في ليبيا. فعلى المستوى الداخلي اتّضح مع مرور الوقت أنّ حفتر قد تقدم أشواطا في بسط نفوذه وخلق نظام حكم عائلي متماسك ومستقر في الشرق على خلاف الغرب حيث لم تتمكّن “حكومة الوفاق الوطني” من التحكم في المجموعات المسلحة ودمجها في مؤسسات الحكم هناك وفشلت بالتالي في منع الاضطرابات التي تهز غرب ليبيا من حين لآخر إذ مازالت المجموعات المسلّحة تتمتّع بحضور وقوّة بما يهدّد الأمن والاستقرار. لذلك بات لزاما أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار لحماية المصالح التركية في ليبيا.
العامل الثاني الذي دفع السلطات التركية إلى مراجعة استراتيجيتها حيال ليبيا والنظر لمعادلة الداخل الليبي وموازنات الشرق والغرب بعين أخرى هو التطورات الجارية في شرق المتوسط وتصاعد الضغوط الناجمة عن اشتداد التنافس بين أكثر من قوة حول منابع الطاقة وقضايا الأمن هناك.
جملة هذه العوامل أملت إذن خيار التحالف مع حفتر الذي بات يملك بين يديه مفاتيح على غاية من الأهمية في تأمين مصالح تركيا الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. ناهيك وأن مصادقة برلمان ليبيا الشرق على مذكرة التفاهم البحرية التركية الليبية لترسيم الحدود البحرية بين البلدية شرط أساسي كي تصبح هذه الاتفاقية نافذة وتضع بيد السلطات التركية ورقة قانونية مهمة في مواجهة المناورات اليونانية التي تلقى الدعم الأمريكي والأوروبي ولمواجهة المساعي المصرية وحتى “الإسرائيلية” التي تهدف كلها إلى كسب السباق في النزاع حول الجرف القاري في شرق المتوسط.
على خلفية ذلك شهدت العلاقات بين الطرفين تطورا متسارعا في السنوات الأخيرة حيث تعددت الزيارات بين الطرفين وفي مستوى عالي وتكثفت اللقاءات كان آخرها حضور صدام حفتر (الخليفة المرتقب لوالده على رأس الحكم في الشرق) للنسخة الجديدة من معرض SAHA EXPO للتصنيع الحربي والطيران العسكري في إسطنبول خلال شهر ماي الجاري. وتزامن ذلك مع مشاركة قوات ليبية من الغرب ومن الشرق أيضا في مناورات عسكرية في مدينة أزمير التركية.
هذه الزيارات واللقاءات أثمرت عديد الاتفاقات بين الطرفين أوكلت فيها لتركيا الاضطلاع بعديد برامج التدريب العسكري لقوات حفتر وبيعه أسلحة تركية متطورة منها الطائرات المسيرة التركية المعروفة (BIRGARD TB2) وكثير من الاستثمارات التركية في البنية الأساسية والصناعات العسكرية. كما تم توقيع عديد العقود لمشاريع تركية ضمن برنامج إعادة الإعمار الليبي في الشرق وفي الجنوب الليبي.
هذا ما يعني إجمالا أن العلاقات التركية الليبية من جانب معسكر حفتر قد باتت حقيقة وواقعا وهو ما يمثل بمعنى من المعاني “نجاح” النظام التركي في تحقيق جانب من مطامحه التوسعية ونسبة من أحلامه العثمانية التي لم يتردد في التعبير عنها من زمن طويل نسبيا. ونتيجة لهذا “النجاح” باتت ليبيا بالمقابل ساحة مفتوحة لا فقط للأطماع الروسية والتركية وإنما أيضا للأطماع الصينية على حد السواء.
صوت الشعب صوت الحقيقة
