الرئيسية / صوت الوطن / لا للوصاية العسكرية الأجنبية على تونس: السيادة الوطنية ليست مجالًا للمساومة
لا للوصاية العسكرية الأجنبية على تونس: السيادة الوطنية ليست مجالًا للمساومة

لا للوصاية العسكرية الأجنبية على تونس: السيادة الوطنية ليست مجالًا للمساومة

بقلم منوّر السعيدي

يكشف المقال المنشور بتاريخ  28 ماي 2026 في صحيفة Il Sole 24 Ore الإيطالية (الصفحة 74) وما تضمنه من تفاصيل حول المهام العسكرية الإيطالية الجديدة لسنة 2026، حقيقة التوجهات الاستراتيجية للقوى الإمبريالية الأوروبية في المنطقة المتوسطية، كما يفضح مرة أخرى طبيعة العلاقة غير المتكافئة التي تسعى هذه القوى إلى فرضها على تونس تحت عناوين “المساعدة” و”التدريب” و”التعاون الأمني”.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة الإيطالية عن “دعم” الحرس الوطني البحري التونسي وتطوير قدراته، تؤكد الوثائق الرسمية أن الأمر يتعلق ببعثة لها مكاتب في تونس وصفاقس، وتتولى الإشراف على التدريب والصيانة والتأطير اللوجستي والتقني للوحدات البحرية التونسية. وهذا ليس مجرد تعاون فني بريء كما يراد تقديمه للرأي العام، بل هو شكل من أشكال التغلغل العسكري والأمني داخل مؤسسات الدولة التونسية، يندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تحويل تونس إلى منطقة عازلة تخدم المصالح الأوروبية.

إن حزب العمال، من موقعه المبدئي المناهض للإمبريالية والمدافع عن السيادة الوطنية، يرفض رفضًا قاطعًا كل أشكال الحضور العسكري والأمني الأجنبي فوق التراب الوطني، سواء جاء تحت راية حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي أو عبر اتفاقيات ثنائية مع الدول الإمبريالية.

إن ما يثير الانتباه في الوثيقة الإيطالية هو أنها تأتي في سياق مضاعفة روما لقوات “الجاهزية العالية والعالية جدًا” أكثر من مرتين خلال سنة واحدة. وهذا التطور لا يمكن فصله عن التحولات الجارية داخل المعسكر الغربي وعن تصاعد التنافس بين القوى الكبرى على مناطق النفوذ والأسواق وخطوط الطاقة والهجرة. وفي هذا السياق تصبح تونس، بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي، هدفًا دائمًا لمشاريع الهيمنة الأجنبية.

لقد أثبتت التجربة أن كل تدخل أجنبي يبدأ بعنوان التدريب أو المساعدة التقنية ينتهي بتوسيع النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي للدولة المتدخلة. والأمثلة في المنطقة كثيرة، من العراق إلى ليبيا إلى الساحل الإفريقي. فالقوى الإمبريالية لا تنفق الأموال ولا ترسل الخبراء والعسكريين بدافع الإحسان أو التضامن، وإنما دفاعًا عن مصالحها الاستراتيجية الخاصة.

إن إيطاليا، التي تتحدث اليوم عن دعم القدرات التونسية، تنظر إلى تونس أساسًا باعتبارها خط الدفاع الأول عن حدودها الجنوبية. وما يهمّها بالدرجة الأولى ليس تنمية الاقتصاد التونسي أو حماية السيادة الوطنية، بل منع المهاجرين من الوصول إلى الشواطئ الأوروبية وتأمين المصالح الاقتصادية الأوروبية في الضفة الجنوبية للمتوسط.

ومن هنا فإن المهمة الجديدة الموجهة إلى الحرس الوطني البحري التونسي لا يمكن قراءتها خارج سياسات الاتحاد الأوروبي الهادفة إلى تصدير مراقبة الحدود إلى دول الجنوب وتحويلها إلى حراس متقدمين للفضاء الأوروبي. وهي سياسات تنتهك حق الشعوب في تقرير مصيرها وتحوّل الدول الضعيفة اقتصاديًا إلى أدوات تنفيذ لمخططات لا تخدم مصالحها الوطنية.

وما يزيد هذا الوضع خطورة هو الصمت الرسمي المطبق إزاء هذه الترتيبات، بل والتواطؤ الفعلي معها تحت غطاء الخطاب الشعبوي الذي لا يكف عن المتاجرة بشعارات “السيادة الوطنية” و”القرار المستقل”. فكيف يمكن الحديث عن السيادة بينما تتوسع برامج التأطير والتدريب والإشراف الأمني الأجنبي داخل البلاد؟ وكيف يمكن الادعاء بالدفاع عن الاستقلال الوطني في الوقت الذي تُدفع فيه تونس أكثر فأكثر إلى أداء دور شرطي الحدود الجنوبية لأوروبا، وتنفيذ السياسات الأوروبية الخاصة بالهجرة ومراقبة المتوسط؟

إن الشعبوية الحاكمة تكشف هنا عن تناقضها الجوهري: فهي ترفع في الداخل شعارات صاخبة ضدّ التدخل الخارجي، لكنها تلتزم الصمت أو تقدم التنازلات كلما تعلق الأمر بالمصالح الاستراتيجية للقوى الأوروبية. لقد تحولت السيادة في خطابها إلى أداة دعائية للاستهلاك المحلي، بينما يجري على أرض الواقع تكريس المزيد من التبعية الأمنية والاقتصادية. ومن حق الشعب التونسي أن يتساءل: أين هي السيادة المزعومة عندما تُنشأ هياكل دعم وإشراف أجنبية داخل البلاد؟ وأين هو القرار الوطني المستقل عندما تصبح أولويات الدولة منسجمة مع متطلبات العواصم الأوروبية أكثر من انسجامها مع حاجات الشعب التونسي؟

إن أخطر ما في هذا الخطاب الشعبوي أنه يسعى إلى خداع الجماهير عبر استبدال السيادة الفعلية بالسيادة اللفظية. فالوطنية الحقيقية لا تُقاس بعدد الخطب والشعارات، بل بمدى التحرر من التبعية والخضوع للإملاءات الأجنبية. أمّا الوطنية التي تكتفي بالضجيج الإعلامي فيما تُفتح الأبواب أمام مزيد من النفوذ الخارجي، فهي ليست سوى غطاء سياسي لإدارة الأزمة وتبرير التراجع المتواصل عن مقتضيات الاستقلال الوطني الحقيقي.

إن الدفاع الحقيقي عن تونس لا يكون بفتح الأبواب أمام الخبراء العسكريين الأجانب، ولا بإنشاء مكاتب دائمة لقوات أجنبية داخل البلاد، ولا بربط تجهيزاتنا وصيانتها وتكوين أعواننا بإرادة دولة أجنبية. بل يكون ببناء سياسة وطنية مستقلة، واقتصاد وطني منتج، وجيش وطني وأجهزة أمنية وطنية تعتمد على كفاءاتها الذاتية وتعمل حصريًا لخدمة الشعب التونسي.

كما أن أخطر ما في هذه السياسات هو أنها تكرس التبعية البنيوية. فعندما تصبح الصيانة والتدريب والتجهيز مرتبطة بدولة أجنبية، فإن القرار الوطني نفسه يصبح عرضة للضغط والابتزاز. وتتحول السيادة إلى شعار فارغ بينما تمارس مراكز القرار الخارجية نفوذها الفعلي من خلال التحكم في الموارد التقنية واللوجستية.

إن تونس التي خاض شعبها عقودًا طويلة من النضال ضد الاستعمار المباشر لا يمكن أن تقبل اليوم بأشكال جديدة من الوصاية تحت مسميات حديثة. فالاستعمار المعاصر لم يعد يحتاج دائمًا إلى الجيوش الجرارة والقواعد العسكرية الضخمة؛ بل أصبح يعتمد على شبكات النفوذ الاقتصادي والأمني والتقني التي تفرغ الاستقلال الوطني من محتواه الحقيقي.

إن هذه التطورات ليست حوادث معزولة، بل تعبير عن طبيعة النظام الرأسمالي الإمبريالي نفسه. فالإمبريالية، هي مرحلة احتكار وهيمنة تسعى فيها الدول الرأسمالية الكبرى إلى إخضاع الشعوب الأقل قوة وتأمين مصالح احتكاراتها المالية والصناعية. ولذلك فإن التوسع العسكري الأوروبي في إفريقيا والمتوسط ليس سياسة أمنية محايدة، بل أداة من أدوات إعادة إنتاج الهيمنة الإمبريالية.

إن المطلوب اليوم هو موقف وطني واضح يرفض كل أشكال التواجد العسكري والأمني الأجنبي، ويطالب بالشفافية الكاملة حول الاتفاقيات المبرمة مع الدول الأوروبية، ويخضعها للنقاش الشعبي والرقابة الديمقراطية. كما يتطلب الأمر بناء جبهة وطنية شعبية تدافع عن السيادة الوطنية وترفض تحويل تونس إلى منصة لخدمة الاستراتيجيات العسكرية الأجنبية.

إن شعبنا لا يحتاج إلى أوصياء أجانب، ولا إلى بعثات عسكرية تتولى تأطير مؤسساته. ما يحتاجه هو التحرر من التبعية الاقتصادية التي تجعل البلاد عرضة للضغوط الخارجية، واستعادة القرار الوطني المستقل، وتوجيه ثروات البلاد لخدمة التنمية والعدالة الاجتماعية والسيادة الشعبية.

إن السيادة الوطنية ليست ملفًا تقنيًا ولا مسألة بروتوكولية، بل هي حق الشعب في أن يقرر مصيره بنفسه بعيدًا عن الإملاءات الأجنبية. وكل مشروع يمس بهذا الحق، مهما كانت الشعارات التي يتستر بها، يجب أن يُواجَه بالرفض والمقاومة السياسية والشعبية.

لا للوصاية الأجنبية. لا لتحويل تونس إلى حارس لحدود أوروبا. لا للتغلغل العسكري والأمني الإمبريالي. لا للمتاجرة الشعبوية بشعار السيادة الوطنية. نعم لسيادة وطنية كاملة، ولتونس حرة مستقلة، تقرّر مصيرها بإرادة شعبها.

إلى الأعلى
×