بقلم : جيهان اللواتي
حين تختار السلطة، بتعريفها الفلسفي الذي يمتد من هوبز إلى فوكو، الصمت في لحظة الأزمة فإنها لا تتنازل عن السلطة فحسب بل تتخلى عن وظيفتها الأساسية في احتكار الشرعية الرمزية لتفسير الواقع.
فالسلطة سياسياً ليست مجرد جهاز قمع أو إدارة بل هي أيضاً “منتج للمعنى” فعندما تصمت لا يبقى الفراغ فارغاً بل يملأه فوراً خطابٌ شعبويٌّ يغذيه الخوف. فتتحول الإشاعات إلى “حقائق موازية” ويجد خطاب الكراهية في الغموض الرسمي شرعية للتصعيد. هكذا يصبح غياب إعلام الأزمة الذي يفترض الشفافية والسرعة والمصداقية أخطر أشكال التقصير السيادي.
في تونس يتكرر المشهد أزمة تلو أخرى والصمت “الاستراتيجي” أو الاضطراري يُفسر غالباً بالعجز أو الاستخفاف لكن الصمت هنا ليس حياداً بل هو تفويض ضمني للأصوات الأكثر حدة والأقل مسؤولية. ينتشر الخطاب المضلل لأن السلطة لم تملأ الحيز العام بالمعلومة الموثوقة فيتحول الرأي العام إلى ساحة لأقوى المنافسين في سوق الاهتمام لا لأصحاب الحقيقة.
من الناحية المفهومية يُذكّرنا هذا بما قالته حنة أرندت عن “فراغ السلطة” الذي لا يؤدي إلى الحرية بل إلى سيطرة الديماغوجيا، كما أن فوكو ينبّهنا إلى أن السلطة الحديثة تمارس عبر الخطاب والمعرفة لا بالغياب عنهما. إن الصمت المؤسساتي في زمن التواصل الفوري ليس حكمة بل هو انسحاب من ميدان إنتاج الحقيقة فيستولي عليه من لا يتحملون مسؤولية النتائج.
المواطن ليس بحاجة إلى دعاية بل إلى رواية رسمية متماسكة تسمح له بفهم الواقع وتقلل من منسوب البارانويا الجماعية، أما السلطة التي تختار الصمت فإنها شاءت أم أبت تُسهم في تآكل رأسمالها الرمزي وتُسرّع من تحول الدولة من جهاز سيادي إلى مجرد هيكل إداري يُدار من الشارع الرقمي حيث تصاغ “الحقيقة” عبر خوارزميات الانفعال لا عبر آليات التحقق والمسؤولية.
يتجلى هذا بوضوح في تعاطي السلطات في بلادنا مع أزمات حارقة مثل حادثة التسمم الغذائي في المكناسي (ماي 2026) وصولاً إلى الفيديوهات الموثقة للاعتداءات المهينة على أفارقة جنوب الصحراء.
حادثة تسمم غذائي في مدينة المكناسي بولاية سيدي بوزيد هزت الرأي العام التونسي. أصيب تسعة أفراد من عائلة واحدة إثر تناول وجبة عائلية (كسكسي بالعصبان) توفي اثنان منهم واستدعى الأمر نقل آخرين إلى أقسام الإنعاش، اتسمت السردية الرسمية الأولية ببطء وغموض مما أثار موجة من الاحتجاجات والتساؤلات على منصات التواصل.
بعد أقل من أسبوع ينشر فيديو محاولة اغتصاب لامرأة من أفارقة جنوب الصحراء من قبل تونسيين. فيديو مهين يمس الذات الإنسانية. تصاعدت أصوات لتبرير ما حدث و اتهام البعض باللاوطنية. هذه الحالات لا تكشف عن خلل إداري فحسب بل عن اضطراب عميق في كشف الحقيقة إذ يؤدي التغييب المؤسساتي المتعمد إلى فراغ معرفي يملأه الخطاب الشعبوي والإشاعات والكراهية.
كل هذا أمام صمت رسمي تام، لم يكن الصمت هنا حياديا بل إنه يمثل “عنفاً رمزياً” بتعبير بيير بورديو، حيث يواجه المواطن التونسي جدارا من الصمت المؤسساتي فيدفع المواطنين إلى ملء الفراغ باستنتاجات من مصادر غير موثوقة.
فالتغيب المتعمّد للمعلومات في ملفات تمس حياة التونسيين وأمنهم هو إعلان عن تحول الدولة من كيان سيادي يمتلك “رؤية” إلى “هيكل إداري” منشغل بالبقاء لا الإدارة، فعندما تصمت السلطة لا يحل محلها العقل بل تحل “العصبيات” و“الإشاعة“.
وهنا يصبح دور الإعلام الجاد والأصوات الحرة أكثر من مجرد مهنة أو حق فردي، إنه يُمثل صمام الأمان الديمقراطي والمعرفي للمجتمعات، فهؤلاء هم من يواجهون آلة البروباغندا بمنهجية التحقق والأدلة ويكشفون صمت السلطة المتعمد الذي يحول دون الشفافية ويُعيق بناء مؤسسات قوية قائمة على المحاسبة.
يأتي هذا الدور في ظل تحديات قانونية وإدارية تحول دون تدفق المعلومات ومن أبرز هذه العقبات منشور 19 الذي بات يُشكل حاجزاً حقيقياً أمام الحق في النفاذ إلى المعلومة، هذا المنشور الذي يفترض أنه إجراء تنظيمي تحول في الممارسة إلى أداة تُكرس الغموض الرسمي وتحمي الفشل والتجاوزات من الأقلام الناقدة وتُفرغ مبدأ الشفافية من محتواه، فعندما تغلق السلطة أبواب المعلومات الرسمية، يتحول الصحفي/ة الملاذ الأخير لاستخراج الحقيقة من تحت أنقاض التعتيم.
فلا يقتصر الإعلام الجاد على نقل الأخبار بل يمارس رقابة دقيقة قائمة على المنهج العلمي للتحقق يعتمد على الوثائق والمصادر الموثوقة والتحليل السياقي بعيداً عن الشعبوية والإثارة، هذا النوع من الإعلام يُجبر السلطة على الخروج من منطقة الراحة ويحول دون تحول المعلومة إلى أداة دعاية أو أداة للتضليل.
بدون إعلام جاد وأصوات حرة يصبح المجتمع عرضة للأخبار المضللة وحيث تُدار الشؤون العامة بالشائعات والروايات الرسمية غير القابلة للتحقق يؤدي ذلك إلى تآكل الثقة بين المواطن والدولة ويُضعف الديمقراطية من أساسها لأن الديمقراطية الحقيقية لا تقوم على التمجيد بل على المحاسبة المستمرة والنقد البناء.
إن الحق في المعرفة ليس رفاهية فكرية بل هو أساس أي بناء تنموي أو سياسي مستدام فالشفافية ليست مجرد شعار بل هي شرط لمكافحة الفساد وتعزيز الكفاءة واستعادة الثقة العامة بعيدا عن الخطاب الشعبوي الفاشي.
صوت الشعب صوت الحقيقة
