بقلم وليد المرداسي
يعيش الشرق الأوسط على حافة هاوية محكومة بمعادلة ردع معقدة؛ صراع مفتوح يُدار بآليات التهدئة التكتيكية وقواعد اشتباك بالغة الهشاشة بين القوى الإقليمية والدولية. وفي عمق هذا التموضع الجيوسياسي، وتحديداً في فلك المواجهة الأمريكية-الإيرانية، يرتفع لبنان عن تصنيفه التقليدي كـ”ساحة بديلة”، ليمثل “صمام الأمان والانفجار” للمنطقة بأسرها وتشكل الجغرافيا اللبنانية مركز الثقل الاستراتيجي والمختبر الفعلي لفحص موازين القوى، حيث تنعكس التفاهمات السرية أو الصدامات العلنية فوق خطوط تماسه، ليكون المؤشر الرقمي الأكثر حساسية لمستقبل المنطقة. لقد كان لبنان، وسيبقى، عين الإعصار العاصف؛ وفي مفارقة زمنية لافتة، يبدو أن جبهته مع الكيان الصهيوني تتحرك في مسار عكسي تماماً مع عقارب الساعة الإقليمية، ليستعر وطيس المواجهة فيها كلما ساد الهدوء في باقي الجبهات.
وفي ظل هذا الاشتباك المركب بين السلاح والدبلوماسية، تبرز حزمة من التساؤلات الجوهرية: ما هي الحقيقة الميدانية لجبهة جنوب لبنان؟ وكيف تكرس هذه الجبهة نفسها كعنصر حاسم في صياغة المعادلات عبر كافة جبهات المواجهة مع الاحتلال؟
جنوب لبنان: حقيقة الميدان في رمال متحركة
في قلب هذا التحول الاستراتيجي، تفرض الجغرافيا نفسها حكماً وميداناً؛ إذ تُلقي قيادة جيش الاحتلال بثقلها العملياتي فوق “التلال الحاكمة”، لاسيما على طول المحور الممتد من “زوطر الشرقية”، مروراً بـ”يحمر” و”الشقيف”، وصولاً إلى “أرنون”. ولا تبدو السيطرة على هذا الخط المرتفع مجرد كسبٍ جغرافي، بل هي محاولة حثيثة لفرض حصار ناري مطبق على خطوط الإمداد، وعزل البلدات الأمامية عن عمقها الحيوي لتحويلها إلى جيوب معزولة ساقطة عسكرياً. وتتجسد العقيدة الهجومية الإسرائيلية هنا في تكتيك “الأرض المحروقة”؛ حيث تُمهد الغارات الجوية والقصف المدفعي العنيف لتقدم دبابات “ميركافا Mark 4” المحصنة بنظام “تروفي”، تتبعها جرافات “D9” العسكرية لتجريف المعالم الأرضية وتشييد سواتر فورية تثبّت نقاط المراقبة المستحدثة.
غير أن هذا الاندفاع التكنولوجي والمدرع يصطدم ميدانياً باستراتيجية “الدفاع المرن” التي تعتمدها المقاومة، لا سيما في المحاور الحيوية المحيطة بـ”المدينة الكشفية” في “زوطر الشرقية”. وترتكز هذه العقيدة الدفاعية على شبكة أنفاق هيكلية متقاطعة وتحصينات وعرة، تضمن تحييد القصف الجوي، وتمنح المدافعين ميزة الالتفاف والمباغتة من مسافة صفر. وفي هذه البيئة العملياتية المعقدة، تبدد التفوق المدرع التقليدي للاحتلال أمام جيل متطور من الصواريخ الموجهة المضادة للدروع (ATGM)؛ كصواريخ “كورنيت-إي” ومنظومات “الماس”، بالتوازي مع التوظيف المكثف للمسيّرات الانقضاضية الصغيرة (FPV). وقد تمكنت هذه المسيرات من اختراق وسائط الدفاع الجوي قصيرة المدى واستهداف مقار القيادة والسيطرة الميدانية، لتضع الاحتلال أمام معضلة استنزاف متواصلة لقوات النخبة، وتحرمه من التثبيت الجغرافي.
وكما هو ملاحظ، فقد تبين بالكاشف عجزُ المؤسستين العسكرية والسياسية في تل أبيب عن تحقيق حسم ميداني سريع، دفعها إلى الهروب نحو الأمام عبر تفعيل استراتيجية موازية ترتكز على “الهندسة الديمغرافية” وسياسة الأرض المحروقة. ولم تعد إنذارات الإخلاء المتلاحقة إجراءات تحذيرية لحماية المدنيين، بل تحولت إلى آلية ممنهجة لتفريغ الأرض؛ إذ شملت أوامر التهجير القسري أكثر من 200 قرية وبلدة، من بينها 50 بلدة حيوية في محافظتي الجنوب والنبطية. وتؤكد صور الأقمار الصناعية ومصادر الاستخبارات مفتوحة المصدر وجود نمط تدميري واسع يعتمد على تفخيخ وتفجير مربعات سكنية كاملة بشكل متزامن في بلدات مثل “عيترون”، “بليدا”، “رشاف”، و”بيت ليف”، وذلك بغرض إنشاء شريط حدودي عازل بعمق يتراوح بين 5 إلى 10 كيلومترات، يضمن خلوّه تماماً من أي وجود بشري.
كما أن هذه الهندسة الميدانية، التي فرضها الكيان الصهيوني بالجنوب اللبناني، ليست بمعزل عن حملة جوية وبحرية مكثفة، حيث أنها تسعى إلى تقويض المقومات الحياتية والاقتصادية للعمق الجنوبي في صور والنبطية وصيدا وصولاً إلى البقاع. إذ يشكل استهداف المراكز التجارية، ومحطات الوقود، والمرافق الطبية، إلى جانب إحراق الأراضي الزراعية وبساتين الزيتون التاريخية بالفوسفور الأبيض، ضربة قاصمة لبنية الاقتصاد الريفي. وتهدف هذه الاستراتيجية بالأساس إلى تحويل النزوح القسري لمئات الآلاف من الأهالي من معضلة مؤقتة إلى عبء هيكلي مزمن يثقل كاهل الدولة اللبنانية المستنزفة؛ بما يتيح استخدام ملف المهجّرين كأداة ضغط سياسي بهدف فرض شروط وإملاءات مهينة، تتقاطع مع سلوك المفاوض اللبناني الرسمي الذي يسارع لرفع راية الاستسلام، مستديرا بظهره لكل ما أنجزته المقاومة في الميدان الجنوبي.
وعليه، فإن جنوب لبنان يشهد حاليا محاولة علنية لإعادة هندسة الحدود السياسية والأمنية بقوة النار والتهجير. ورغم إصرار “المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر” على فرض واقع أمني جديد يضمن عودة مستوطني الشمال وتفكيك البنية العسكرية للمقاومة جنوب الليطاني، فإن وعورة التضاريس اللبنانية واعتماد استراتيجية الاستنزاف الطويل يشكلان العائق الأكبر أمام طموحات الحسم السريع. وعليه، يبقى الميدان وحده هو الصائغ الفعلي للملامح الجيوسياسية المقبلة للمنطقة.
لبنان “الملح الاستراتيجي” لكل المعادلات
في مفارقة سياسية تعكس تعقيد المشهد الإقليمي، وتحت أجواء التهدئة الهشة المفترضة بين واشنطن وطهران، شهدت الجبهة اللبنانية تصعيدا خطيرا. فبالرغم من الأنباء المتواترة عن مساعٍ لبلورة تفاهم ثنائي غير مباشر، وعشية جولة رابعة من المفاوضات “اللبنانية-الإسرائيلية”، فرضت إنذارات الإخلاء المتعاقبة لضاحية بيروت الجنوبية واقعاً مغايراً، وهو ما اضطر ترامب للتدخل مباشرة لكبح نتنياهو ومنعه من تصعيد العسكري في الضاحية الجنوبية حيث تم الإعلان عن وقف إطلاق النار، فليس فقط هش كما هو الحال على الجبهة الإيرانية، بل تحول الاتفاق إلى لغم موقوت قد يتفجر في وجه الكيان بمجرد نفاد صبره لتؤكد أن لبنان بات يتصدر واجهة الصراع الدبلوماسي والعسكري في المنطقة.
فالجنوب اللبناني اليوم لم يعد كجبهة إسناد مؤقتة أو ساحة اشتباك حدودي، بل غدا المرتكز الأساسي للمعادلات الحاكمة في الشرق الأوسط. حيث أن تموضع لبنان العسكري والسياسي تحول إلى حلقة الوصل التي يتعذر صياغة أي تسوية إقليمية أو ترتيبات أمنية بمعزل عنها؛ إذ تنبع هذه المحورية من قدرة الميدان الجنوبي على تكريس ديناميكية “وحدة الجبهات” كضابط إيقاع فعلي، يؤثر مباشرة في مسارات التفاوض والقتال من غزة إلى العمق الإيراني. وهي حقيقة فرضت نفسها على طاولة الدبلوماسية، بعدما أيقن المحور الصهيوأمريكي أن أي مقاربة لإرساء تهدئة مستدامة في المنطقة ستبقى قاصرة، ما لم تمر عبر ترتيبات تفصيلية وجذرية على الحدود الشمالية لفلسطين.
فهذه الأهمية الاستراتيجية للمواجهة الراهنة تتجلى بالأخص في تفكيك إحدى أبرز ركائز العقيدة الصهيونية وهي “أمن المستوطنات وقدرتها على الجذب الديموغرافي”. فلأول مرة منذ عقود، ينجح طرف مقاوم في فرض تراجع ديموغرافي قسري وهجرة عكسية واسعة النطاق داخل الكيان دون الحاجة لاجتياح بري تقليدي؛ إذ أدت الكثافة النارية المركبة للمقاومة إلى إفراغ مستوطنات الجليل والشمال بالكامل، محولةً إياها إلى أحزمة أمنية مهجورة. هذه الأهمية الجيوسياسية جعلت من عودة المستوطنين رهينةً بقرار سياسي وعسكري يُصاغ أولاً في بيروت، مما يمثل تحولاً جذرياً في ديناميكيات المقاومة والتفاوض.
ولم يقف هذا الصمود عند حدود الردع العسكري، بل امتد ليشكل سداً منيعاً أمام المطامع التاريخية للكيان في الأرض والثروات اللبنانية. إن المحاولات الاحتلال لفرض واقع ميداني جديد عبر التقدم شمال نهر الليطاني، تصطدم دائماً بنمط قتالي لا مركزي يعتمد “مبدأ الفسيفساء” في الاشتباك حيث تمنع هذه الاستراتيجية الدفاعية غزو الاحتلال من الاستقرار في أي جغرافيا، وتحول إنجازاته التكتيكية إلى كمائن استنزاف مستمرة لجنوده. يضاف إلى ذلك، أن هذا الثبات الجيوسياسي يمثل حجر عثرة أمام الأطماع الصهيونية القديمة في المياه، ويمنع الاحتلال من فرض هيمنته المطلقة على حقول الطاقة شرق المتوسط، ليتحول لبنان إلى رقم صعب في معادلات الأمن الاقتصادي والبحري للمنطقة برمتها.
وفي محصلة القراءة لهذا المشهد المعقد تفضي إلى نتيجة حتمية مفادها أن استراتيجية الكيان الساعية لعزل لبنان أو التغافل عن توازناته ليست سوى قراءة في سراب. لقد غدا هذا البلد العصب الحيوي لمنظومة الردع الإقليمية، وبات من المستحيل على القوى الدولية أو الإقليمية هندسة معادلة استقرار واحدة بدونه. إنه “الملح الاستراتيجي” الذي إن غاب أو أُقصي من المشهد، تعطلت كل مسارات التسوية، وسقطت المنطقة في أتون فوضى أمنية لا يقوى الكيان على تحمل تبعاتها السياسية أو العسكرية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
