بقلم منذر خلفاوي
يشهد السنغال منذ مدة أزمة حكم بعد سنتين فقط من فوز أحد زعماء حزب “الوطنيون الأفارقة من أجل العمل والأخلاق والأخوة” المسمى “باستيف” في الانتخابات الرئاسية لسنة 2024، إذ أقال رئيس الجمهورية “ياسيرو ديوماي فاي” يوم 22 ماي 2026 رفيق دربه زعيم الحزب “عثمان سونكو” من منصبه كرئيس للحكومة بعد أن قرر هذا الأخير إدخال تعديلا دستوريا عبر الأغلبية البرلمانية (130 نائبا من باستيف من جملة نائب 165) تسمح له الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة سنة 2029 وإعلانه التحول إلى المعارضة بعد أن لاحظ تنكر رفيقه لبرنامج الحزب وعدم إيفائه بالوعود الانتخابية العديدة مثل التسريع بالإصلاحات والثورة على الفساد ومعالجة الفضائح الاقتصادية والمالية والقطع مع الإمبريالية الفرنسية وصندوق النقد الدولي خاصة فيما يتعلق بإعادة جدولة الديون، والتسريع بالمساءلة في جرائم الدم للنظام السابق كما انتقد حزب “باستيف” وزعيمه “عثمان سونكو” التعيينات المثيرة للجدل لشخصيات من النظام السابق التي تعكس درجة من التواطؤ مع النظام القديم، إذ تم تعيين حكومة تكنوقراط على رأسها “أحمد أمين لو” أحد رموز المنظومة القديمة بدون مشاركة “باستيف” بصفة رسمية باستثناء بعض الوصوليين المتنكرين للحزب حيث اشترط للمشاركة في هذه الحكومة أن ينال نصف أعضائها بما في ذلك وزرات السيادة وبالرغم من كل الخلافات وعد “سونكو” بعدم تعطيل الحكومة إن طبقت القوانين المصوت عليها في البرلمان ما يعني قبول التعايش بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وهو أمر صعب للغاية بحكم الاختلاف في التوجهات السياسية والاقتصادية.. الخ. ونعرض فيما يلي أهم أسباب الأزمة بين الرجلين:
أزمة اقتصادية متفاقمة
إلى جانب ما ورثته القيادة الجديدة من أوضاع اقتصادية واجتماعية مزرية من حكم “ماكي سال” العميل والدكتاتوري فقد تفاقمت الأزمة في السنتين الأخيرتين بفعل تعثر الاستثمارات واكتشاف “ديون مخفية” غير معلومة لدى الشعب ولدى قادة “باستيف” وبتواطؤ بين النظام القديم وصندوق النقد الدولي بقيمة 7 مليار دولار ما أوصل الدين العام إلى 132 بالمائة من الناتج الداخلي الخام وإلى جانب ذلك تمارس مؤسسة النهب الضغط عبر تجميد برامج الإقراض والمساعدات ما يصعب على السلطة الاقتراض. لقد أدت هذه الأوضاع إلى انخفاض نسبة النمو الاقتصادي من 6.7 بالمائة سنة 2024 إلى 2.2 بالمائة سنة 2025 وبلغت نسبة البطالة 23.3 بالمائة خاصة في أوساط الشباب مما جعل “فاي” يعلن اضطراره الترفيع في الأسعار.
أزمة سياسية محتدة
تعمقت الخلافات بين الحليفين السابقين “سونكو” و”فاي” حول ملفات جوهرية مما جعل تواصل سير المؤسسات محفوفا بالمخاطر بل معطلا (الحكومة والبرلمان) ويمكن لكل منهما عرقلة عمل الآخر، قد يضطر البرلمان إلى رفض مشاريع القوانين المعروضة عليه والتصويت على حجب الثقة عن الحكومة ومن الناحية الأخرى بإمكان الرئيس حل الجمعية الوطنية باستعمال المادة 52 من الدستور والدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها في محاولة لإيجاد قاعدة سياسية قوية باستخدام بيروقراطية الدولة وبدعم من المنظومة القديمة ومن الجهات الأجنبية ذات الخبرة في إجهاض التحولات السياسية للشعوب.
ملفات عديدة برزت فيها خلافات بين الرجلين أو بالأحرى بين رئيس الجمهورية وحزبه ومنها تسيير الدين السيادي والتفاوض حول العقود الإستراتيجية والنظام القضائي وتحسين الأوضاع المعيشية وهي خلافات تمس البرنامج السياسي للحكم بين توجه سيادي وطني أفرقاني مدعوما شعبيا وخاصة في أوساط الشباب وتوجه عمالة وتبعية تحرص منظومة الحكم والدولة العميقة الموالية لفرنسا من إدارة ورجال أعمال وأجهزة صلبة على المواصلة في إتباعها ومن اجل تبرير تخليه عن وعوده السابقة كمرشح عن الحزب أعلن الرئيس في خطاب مشفر تبريري لنهجه الخياني يوم 5 جوان موجه لـ”سونكو” ولقواعد الحزب قائلا أنه “لا يمكن تحقيق أي شيء دائم بالتسرع” وأيضا في رسالة تهديد مبطنة “إن التغيير لا يمكن أن يتم بالشارع أو بالقوة” ومن الناحية المقابلة سارع رئيس البرلمان ورئيس الحزب “سونكو” بعقد مؤتمر”باستيف” اليوم السبت للتباحث حول كيفية خوض الصراع مع عضو الحزب المرتد وخطط المواجهة عبر المؤسسسة التمثيلية وعبر الشارع..الخ.
الاستنتاجات
– إن التعلل بصعوبات الحكم التي يدعيها “فاي” للتنكر للوعود الانتخابية التي أطلقها حزب “باستيف” هي حجة معتادة لخيانة الناخبين تستعملها كل الحكومات الرجعية واللامبدئية بعد وصولها لكرسي الحكم.
– لقد أظهرت التجربة أن جهاز الدولة الموروث عن 64 عامًا من الاستعمار الجديد لا يمكن استخدامه على حاله لتغيير مصير الشعب كما لا يمكن إحداث تغيير عميق في طبيعة الدولة الطبقية دون تفكيك المؤسسات والأجهزة الموروثة وهو ما لم يحصل في عملية انتقال السلطة في السنغال عبر الانتخابات إلى حزب “باستيف”.
– إن “باستيف” حزب ناشئ ذو ميولات وطنية وقومية أفريقانية معادية للإمبريالية الغربية وخاصة الفرنسية. ليس لديه برنامج بديل عن النهج الرأسمالي الليبرالي (تأسس في جانفي سنة 2014 على يد مجموعة من الشباب والناشطين بقيادة عثمان سونكو) وهو يمثل الفئات البرجوازية الصغيرة وقادته من أصول نقابية يفتقدون إلى الوحدة الفكرية والتنظيمية (المركزية الديمقراطية) والى التجربة، إذ سرعان ما دب الخلاف بينهم بمجرد الوصول إلى السلطة.
– لم تقع مراجعة وتغيير النظام السياسي الرئاسي إلى نظام برلماني الشيء الذي أفقد السلطة التشريعية فاعليتها لعدم الإمكانية على انتخاب رئيس الحكومة وتطبيق بعض الإصلاحات الاقتصادية والسياسية لكن لا يعني ذلك أن طبيعة النظام السياسي هي الحل الجذري للصراع إذ أن المسالة أعمق من ذلك وتتعلق بموقع الطبقة العاملة في عملية التغيير وبالخط الأيديولوجي للحزب وأهمية الثورة في افتكاك السلطة وهي دروس هامة ورئيسية من تجارب الانتفاضات وثورات الطبقة العاملة العالمية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
