بقلم الشاذلي المغراوي
كاد موضوع قطاع غزة أن يُنسى منذ أن تم الإعلان عمّا سُمّي باتفاق السلام الذي أشرف عليه مجرم الحرب الكبير ترمب والذي وعد بإحلال السلام والأمن وإعادة الإعمار وتوفير الاستقرار والغذاء والصحة للغزاويين. إلا أن ذلك كان لمجرد الدعاية السياسية لا غير. فقد تحول اتفاق وقف إطلاق النار إلى غطاء لاستمرار المعاناة والخروقات العسكرية. فبدلا من إنهاء الإبادة بشكل كامل على الرغم من سريان الاتفاق منذ أكتوبر2025، فإن الواقع الميداني يثبت أن العمليات العسكرية والانتهاكات الصهيونية لم تتوقف. بل استمرت الإبادة الجماعية حيث تستغل قوات الاحتلال الهدنة لمواصلة عمليات القتل الممنهج. وتؤكد التقارير الحقوقية والسياسية الصادرة عن منظمات مثل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني أن بنود الاتفاق المعني جرى تفريغها من مضمونها عبر استراتيجيات عسكرية.
آليات استمرار الإبادة تحت غطاء الهدنة
لقد عمدت قوات الاحتلال إلى استبدال العمليات البرية الواسعة بسلسلة غارات جوية مكثفة واستهدافات مركزة كالاستهداف الخانق للمدنيين حيث سقط مئات الشهداء منهم نسبة كبيرة من الأطفال والنساء في أيام دموية تلت إعلان وقف إطلاق النار. كما تلجأ إلى الحصار الخانق حيث تعيق دخول المساعدات الإنسانية والطبية الحيوية. مما يضاعف الأزمة المعيشية ويؤدي إلى الموت البطيء. كذلك تتم شرعنة الجرائم دوليا عبر ممارسات التفاوض لتخفيف الضغوط الدبلوماسية والملاحظات القضائية الدولية. كل ذلك لم يخدع أحرار العالم حيث تتزايد التنديدات الشعبية والحقوقية عالميا رفضا لتلك الخروقات المتواصلة في ظل صمت المجتمع الدولي الرسمي الذي، يسمح لآلة القتل بالاستمرار خارج إطار الاتفاق، فهي هدنة على ورق ودماء على الأرض. أي تحويل وقف إطلاق النار إلى غطاء لاستكمال حرب الإبادة في غزة.. إذ لم تكن الإعلانات المتكررة عن التوصل إلى تفاهمات لوقف إطلاق النار في القطاع سوى فواصل زمنية عابرة في وقوع المأساة. بل تحولت بمرور الوقت إلى أداة سياسية وعسكرية واستراتيجية تمنح الاحتلال غطاء شرعية لمواصلة حرب الإبادة الجماعية بأشكال وهندسة جديدة بعيدا عن الضغط الإعلامي للمعارك البرية الكبرى. فبينما يترقب الشارع المدني المنهك بصيص أمل لوقف شلال الدم، تثبت الوقائع على الأرض أن الهدنة هي في الحقيقة خديعة لمواصلة تدمير ما تبقى من مظاهر ومقومات الحياة في القطاع وسط تواطؤ دولي.
استراتيجية الإبادة الناعمة
لقد استبدل العدو العمليات العسكرية الواسعة باستراتيجيات قضم متدرج وتصعيد يعتمد المحاور التالية:
- الغارات المركزة وانتقاء الأهداف : غياب الدبابات عن بعض الشوارع لا يعني الأمان. إذ استمرت الطائرات المسيرة والمقاتلات الحربية في استهداف مربعات سكنية كاملة ومراكز إيواء النازحين ممّاأسفر عن سقوط مئات الشهداء في فترات وصفت رسميا بانها “فترات الهدنة”.
- سلاح التجويع والتعطيش الممنهج: استغلت قوات الاحتلال أجواء الهدنة لإحكام الحصار وفرض قيود صارمة على معابر القطاع ومنع دخول الشاحنات الإنسانية والمستلزمات الطبية والوقود. كل ذلك حوّل غزة إلى سجن كبير يفتقر إلى أدنى مقومات الحياة مما جعل الموت بسوء التغذية والأمراض وفقدان الأدوية سلاحا موازيا لا يقل فتكا عن القذائف.
- المناورة الدبلوماسية علىالصعيد السياسي: يرى المراقبون أن القبول الشكلي بمسارات التفاوض يمثل درعا دبلوماسيا تستخدمه حكومة الاحتلال وحلفاؤها لتخفيف الضغط الدولي المتزايد حيث تسمح تلك المماطلة لامتصاص الغضب الشعبي الدولي وعرقلة مسارات الملاحقة القضائية في المحاكم الدولية. حيث يتم التسويق للرغبة في السلام بينما تستمر الماكينة العسكرية في حصد الأرواح على الأرض مما جعل العمليات الدبلوماسية شريكا غير مباشر في إطالة أمد الجريمة. كل ذلك فجّر موجات من الغضب الشعبي حول العالم وفي معظم البلدان الغربية خاصة. وقد رفع المتظاهرون شعارات تطالب بإنهاء “خديعة التهدئة” وضرورة فرض وقف حقيقي ودائم وشامل للعدوان مصحوبا بفتح جميع المعابر وإدخال المساعدات معتبرين أن الصمت الدولي هو تصريح علني بالاستمرار في إبادة الشعب الفلسطيني.
إن ما يشهده قطاع غزة اليوم يثبت أن الاتفاقيات التي لا تتضمن انسحابا كاملا وشاملا للاحتلال ورفعا فوريا وباتا للحصار وفتح لكافة المعابر ليست سوى “صكوك غفران” تعطى للقاتل لمواصلة جريمته وتحديث أدواتها… لقد تحول وقف إطلاق النار من أداة لإنقاذ الأرواح إلى غطاء سياسي لإبادة جماعية صامتة ومستمرة مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي: إمّا فرض القانون الدولي بالقوة على الجميع أو القبول بشرعية الغاب كبديل عن العدالة الإنسانية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
