بقلم جيلاني الهمامي
يمرّ الاقتصاد التّونسي، منذ سنوات طويلة، بأزمة بنيوية، شاملة ومركبة، خانقة وحادّة. هذه حقيقة يعلمها الجميع ولا أحد ينكرها بما في ذلك من هم في الحكم. وهي إلى جانب الصّفات التي ذكرنا، أزمة متشعّبة تتخذ أبعادا كثيرة وتتمظهر في مظاهر متعدّدة ومتنوّعة. نحاول فيما يلي التركيز على واحد من أوجهها، وهو أزمة الميزان التجاري وبالتّحديد تآكل مخزون تونس من العملة الصعبة وتراجع قدرة الاقتصاد التونسي على تأمين تغطية الواردات. هذا الموضوع فرض نفسه هذه الأيام للحديث فيه وتدقيق بعض جوانبه بمناسبة صدور منشور البنك المركزي عدد 4 لشهر مارس الماضي.
فكرة عن عجز الميزان التجاري في تونس
يعاني الميزان التجاري في تونس منذ عقود من عجز هيكلي ودائم وارتفاع متواتر. ولم ينزل حجمه في العشريتين الأخيرتين عن 15 مليار دينار سنويا. ويعكس تفوق حجم المدفوعات لمشتريات المواد الموردة من الخارج على مقابيض ما تُصَدِّرُهُ بلادنا إلى الخارج. وهذا الاختلال يترجم في حد ذاته لجُوءَ الاقتصاد التونسي إلى التوريد بكميات كبيرة وفي مجالات كثيرة وذات كلفة عالية فيما لا يصدر إلا كميات محدودة من بضائع زراعية أو استخراجية محدودة المردودية. ويقدمُ العجز التجاري في آخر التحليل دليلا ساطعا على محدودية القدرة الإنتاجية للاقتصاد التونسي كما ونوعا علاوة ارتهانه للخارج لتلبية حاجيات البلاد سواء للاستهلاك العائلي أو لتوفير المواد الأساسية أو قطع الغيار أو المواد نصف المصنعة لماكينة الإنتاج المحلي.
وقد شهد هذا العجز في السنوات الأخيرة معدلات مرتفعة جدّا بلغت أرقاما قياسية سنة 2022 بحوالي 25 مليار دينار بسبب مناخات دولية مضطربة (الحرب الروسية الأوكرانية…) ألهبت أسعار المحروقات والحبوب وبعض المواد الفلاحية الأخرى. ويستمر العجز في السنوات الأخيرة (2025 و2026) في مستوياته المرتفعة بما زاد في تفاقم انخرام الموازنات العامة للدولة.
حاجة الاقتصاد التونسي لكميات كبيرة ومتنوعة من المواد الأساسية (الحبوب ومواد استهلاك ومواد زراعية) والمواد المصنعة (تجهيزات صناعية ومعدات نقل وأنسجة وأدوية الخ…) إلى جانب سداد الأقساط المستوجبة من القروض الأجنبية، الأمر الذي يتطلب تعبئة مبالغ مالية ضخمة بالعملة الصعبة، ليس هو السبب الوحيد لتفسير عجز الميزان التجاري وإنما هناك الوجه الثاني الذي لا يقل أهمية ونعني به ضعف الإنتاج في كل القطاعات الفلاحية والصناعية بحيث تبقى القاعدة التصديرية للاقتصاد التونسي ضعيفة ولا تضمن له تعبئة ما يكفي من العملة الصعبة لتغطية الواردات.
ومعلوم أن مصادر مداخيلنا من العملة الصعبة تتأتى من بيع مواد فلاحية (القوارص والتمور وزيت الزيتون) ومواد استخراجية (الفسفاط) ومن خدمات السياحة وما يجلبه عمالنا بالخارج عند عودتهم إلى أرض الوطن. وتتسم هذه المداخيل بالمحدودية من حيث الكم وبالهشاشة بما أنها مرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية في ظل منافسة محتدمة (المواد الفلاحية والفسفاط مثلا) ومرهونة بمناخات سياسية وأمنية واجتماعية في أسواقنا السياحية التقليدية (أوروبا).
هذا الواقع ليس بحالة عرضية وإنما هو الحالة القارّة والمستقرّة والتي لا مخرج منها طالما لم يتغيّر جوهر البنية الاقتصادية والسّياسات المتبعة رسميا في التنمية. وفي مثل هذه الأوضاع يعيش الاقتصاد التونسي تحت ضغط دائم لعجز الميزان التجاري وبالتالي تحت ضغط مستمر لنقص مخزون العملة الصعبة.
وقد انضاف إلى ذلك في السنوات الأخير عامل جديد وهو التراجع المطرد للتمويل الخارجي نظرا لانسداد السّبل في وجه الاقتصاد التونسي للحصول على قروض أجنبية جرّاء توتّر العلاقة مع صندوق النقد الدولي. نتيجة لذلك يشهد صافي تدفقات الخزانة عجزا ما انفك يتفاقم. ففي مُوَفّى 2025 مثلا بلغ حجم الأصول من العملة الأجنبية ما قيمته 25134 مليون دينار عوضا عن 27384 مليون دينار لسنة 2024 مسجلا بذلك نقصا بما قيمته 2250 مليون دينار أي نسبة عجز إضافية بأكثر من 8 %.
معطيات تحتاج إلى تدقيقات
بلغ صافي الأرصدة بالعملات الأجنبية يوم 11 جوان الجاري 25404 مليون دينار أي ما يكفي لتغطية الاستيراد 103 أيام حسب النشرة اليومية للبنك المركزي. ويبدو هذا الرقم في ظاهره باعثا على الارتياح إذ يُعْتَبَرُ بعيدا نوعا ما عن حاجز “الـ90 يوما” وبداية منطقة الخطر. لكن هناك ما يدعو إلى التثبت في هذه المعطيات حتى لا يكون الارتياح يخفي تزيينا متعمدا لواقع صعب ومغالطة للرأي العام. فالسؤال المطروح هو هل تمّ أولا وقبل كل شيء تحديث قيمة يوم واحد من الاستيراد؟ لأن قيمة يوم واردات ما قبل الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، أي قبل ارتفاع أسعار المحروقات، يختلف اختلافا كليا عن قيمته اليوم في ظل الارتفاع الكبير في سعر البرميل من البترول (برانت) بما يزيد عن 20 دولار (65 دولا في فيفري الماضي و88 دولار يوم 12 جوان الجاري).
السؤال الثاني المطروح هو هل تم احتساب المبالغ التي اقترضتها الدولة من البنوك المحلية بالعملة الصعبة ضمن رصيد العملات الأجنبية المتوفر الآن والذي حسب آخر الأرقام يكفي لتغطية 103 أيام استيراد؟ وبصرف النظر عن النوايا الكامنة وراء التضخيم في حجم هذا الرصيد فإنه، وللأسباب المذكورة وغيرها، من المتوقع أن يكون عدد 103 أيام استيراد مبالغ فيه ولا يعكس حقيقة القدرات المالية للدولة على تامين تغطية وارداتها في الفترة القادمة.
وممّا يدفع أكثر على الشك في قدرتها على ذلك هو أن الأوضاع الدّولية ماضية باتجاه مزيد من التوتر وستستمر في الإلقاء بظلالها على الأمن الطّاقي في العالم وخاصة بالنسبة إلى البلدان الموردة للمحروقات مثلما هو حال بلادنا. وهو ما سيسبب نزيفا أكبر من العملة الصعبة لتأمين توفير الحد الأدنى من حاجيات الاقتصاد من المحروقات ولتوفير المخزون الاستراتيجي من هذه المادة كاحتياط لكل الطوارئ والتطورات القادمة. ومن جهة ثانية لا ينبغي أن ننسى أن شهر جوان هو مناسبة لتسديد دفعة من القروض الأجنبية التي يقع خلاصها بالعملة الصعبة هي الأخرى. فالخزينة العامة مطالبة بتسديد ما يعادل أكثر من 650 مليون دينار (بالعملة الصعبة بطبيعة الحال) لخلاص قروض (البنك الإفريقي الخ…) واستحقاقات مالية خارجية (لصندوق النقد الدولي بحوال 130 مليون دينار الخ…).
الحلول الوهمية والمعالجات الترقيعية
صحيح أن مخزون العملة الصعبة بما يعادل 103 أيام استيراد رغم ظاهره المريح لا يبعث على الاطمئنان لأنه أولا غير بعيد عن حاجز الخطر (90 يوما) من ناحية وثانيا لكونه رصيد مضخم فيه وينبني على معطيات واعتبارات غير محيّنة، يتطلب في كل الأحوال المعالجة لتلافي السقوط تحت حاجز الخطر وما يترتب عنه من فقدان مصداقية الدولة التونسية على الساحة الدولية ويخلق لها مصاعب في معاملاتها مع حرفائها ومزوديها.
وعلى افتراض أن إصدار منشور البنك المركزي عدد 4 لشهر مارس الماضي يأتي كإجراء احترازي للاحتياط من السّقوط تحت سقف التّسعين يوما، فهل يمثل ما جاء به من قرارات وإجراءات حلّا قويما لمعالجة هذه المُعضلة؟ أم أنه سيعمّق المصاعب الاقتصادية التي من شأنها أن تزيد في تشديد مخاطر العجز التجاري؟
إن منشور البنك المركزي المشار إليه جاء ليفرض على مورّدي المنتجات الأجنبية التي وصفها بـ”غير ذات الأولوية” تسديد ثمن مشترياتهم كاملا وبصورة مسبّقة دون اللّجوء للقروض البنكية لا في شكل تسبقات ولا في شكل ضمانات بنكية للشراء ولا عن طريق الاعتماد المستندي crédit documentaire. فهذا الإجراء يجبر الموردين على توفير السيولة قبل الدخول في أي عملية توريد وهو أمر ليس بالضرورة واردا بل الأكيد أن الغالبية العظمى من المؤسسات الصغرى والمتوسطة في مختلف مجالات النشاط الاقتصادي عاجزة عن التقيّد به كإجراء وستكون مكرهة على إلغاء بعض العمليات إن لم تتخلى تماما عن نشاطها وتنساق بالتالي إلى الإفلاس. ومعلوم ان الاقتصاد التونسي الذي يعاني من كل ضروب الانخرام والعاهات البنيوية الناجمة عن طابعه الرّيعي وعن التبعية للخارج، من أسباب تخلفه وضعفه كونه اقتصاد يقوم على المؤسسات الصغرى والمتوسطة. لذلك فإن الأضرار بهذا الصنف من المؤسسات هو في الحقيقة نسف لأسس اقتصاد ضعيف ومحدود القدرة على الرسملة وعلى الاستثمار في الأصول الثابتة وتنميتها. في المقابل من ذلك ستكون الشركات الكبرى والمجامع الصناعية والتجارية القوية والمساحات التجارية الكبرى مثل كارفور وجيان وأزور سيتي وكبار وكلاء السيارات ذات القدرات المالية الصلبة قادرة على التعامل مع هذا العائق بل وعلى الاستفادة منه بالنظر للامتياز الذي ستتمتع به في حرب المنافسة واحتكار السوق.
إنه إجراء طبقي صارخ لا يخدم في شيء الاقتصاد المحلي بكل ما فيه من عيوب وعلات. ذلك أن تقييد التوريد بما سبق تبيانه من إجراءات وشروط سيغلق الباب أمام الكثير من المواد الأساسية ونصف المصنعة التي من دونها ستضطر “ماكينة” الإنتاج إلى التخفيض من نشاطها أو ربما إلى التوقف عن العمل أصلا علما وأن العديد من الأنشطة والمنشآت معطلة أصلا من سنوات.
أما على الصعيد الاجتماعي فإن وضع حواجز أمام تدفّق السّلع الأجنبية في ظلّ محدودية العرض المحلّي في الكثير من المواد سيؤّدي فيما يؤدي إلى اختلالات في تزويد السوق بما قد ينجم عنه فقدان بعض المواد (des pénuries) وبالتالي انخرام التوازن بين العرض والطّلب. وبطبيعة الحال سيتعزز، في مثل هذه المناخات، النشاط الاقتصادي الموازي والتهريب وما يصاحبه من احتكار وتلاعب بمقومات السوق وستلتهب الأسعار وترتفع نسب التضخم بشكل جنوني بما يكبد الأسر والمستهلكين عموما مصاعب إضافية.
خلاصة القول إن وضع قيود على التوريد بغاية حماية مخزون البلاد من العملة الصعبة هو من قبيل السياسات التي لا تحلّ مشكلا إلا لتخلق عشرات المشاكل الجانبية ولا تعالج ظاهرة إلا لتعقد عشرات الظواهر والأوضاع الأخرى. وهو ما يؤكد مرة أخرى أمرين اثنين:
أولا أن أي حل مباشر وظرفي لا يندرج ضمن استراتيجية شاملة ومدروسة لن يكون مجديا ولن يساعد على ضمان استقرار الموازنات العامة من وجهة نظر الاقتصاد الكلي macroéconomique،
وثانيا أن الحلول الانتقائية والترقيعية لا تحل المعضلات الاقتصادية والمالية بقدر ما تخلق معضلات جديدة أكثر تعقيد.
وهو، وللأسف، ما ميّز نمط التنمية والسياسات الاقتصادية للمنظومة الحاكمة في كل العهود، من بورقيبة إلى قيس سعيد مرورا ببن علي وبالباجي وحركة النهضة، هذه المنظومة القائمة من الناحية الاقتصادية على ثنائية الريع والتبعية لمراكز الرأسمال الامبريالي العالمي.
ومن نافل القول أن حماية أرصدة تونس من العملة الصعبة لتمويل التوريد والاقتصاد ككل لا يمكن أن يتم على النحو الذي تتبعه حكومة قيس سعيد الفاقدة للرؤية والبرنامج.
صوت الشعب صوت الحقيقة
