بقلم سها ميعادي
تشهد العلاقات التّجاريّة الأوروبية مع الصين توتّرا متصاعدا وصل حدّ التّهديد عبر التّصريحات المتبادلة. فقد أفادت الصين عبر وزارة التّجارة اتّخاذها ما أسمته بـ”إجراءات مضادّة حازمة وتدابير فعّالة لحماية مصالحها”. يأتي هذا التصريح كردّ فعل على ما أقرّه الاتّحاد الأوروبي عبر المفوّضية الأوروبية في اجتماعها المنعقد في 29 ماي 2026 والمخصّص للنّظر في السّياسة التّجاريّة بين الطّرفين ومراجعة العلاقات في هذا المجال، بتشديد القيود التجارية بشكل فوري للحدّ من تدفّق المنتوجات الصّينيّة التي أصبحت تهدّد الصناعات الأوروبية وتساهم في انتشار البطالة (خسارة مليون وظيفة بين 2019 و2025) استنادا إلى المعطيات وأرقام المعاملات المسجّلة لديها والمنشورة على موقع وزارة التجارة بالاتحاد الأوروبي والتي تقرّ بوجود عجز تجاري كبير جعل المخاوف الأوروبية في اطّراد.
العجز التجاري الأوروبي ومخاوف “الصّدمة الصّينية الثانية”
ففي سنة 2025 صدّرت أوروبا إلى الصّين سلعا فاقت 200 مليار أورو إلاّ أنّها في المقابل استوردت منها ما قيمته 559 مليار أورو ممّا سبّب عجزا تجاريّا مع الصين بقيمة قرابة 360 مليار أورو، وفي عملية حسابيّة بسيطة فإنّ كلّ 1 أورو تبيع به أوروبا سلعا للصّين، تشتري مقابله ما يعادل 2.8 أورو. وطبعا هذا الرقم ارتفع على ما كان عليه سنة 2024 بنحو 48 مليار أورو. وتفيد التقارير أنّ الواردات قد توزّعت على النحو التالي: الإلكترونيات، والمركبات الكهربائية، والأجهزة المنزلية والأدوات (186 مليار أورو)، والمنتجات الميكانيكية، ومعدات محطات الطاقة النووية، وسخانات المياه (120 مليار أورو)، والمواد الكيميائية العضوية (38 مليار أورو)، والسيارات (33 مليار أورو)، والمنازل الجاهزة، ومعدات الإضاءة، والأثاث (24 مليار أورو). بالإضافة إلى العديد من السلع الأخرى مثل البصريات، والمعدات الطبّيّة والألعاب، والسلع الرياضية، والبلاستيك، والأدوية. كما بلغت واردات الصلب والألومنيوم، اللذين تعتبرهما المفوضية الأوروبية سلعتين أساسيتين، 9.2 مليار أورو.
وترى أوروبا أنّ الصين تنتج أكثر ممّا يحتاجه سوقها (خاصة بعد أزمة العقارات التي شهدتها وتوجيه استثماراتها الضخمة لفائدة قطاعات التصنيع) ثمّ تصدّر هذا الفائض إلى الأسواق الخارجية بأسعار منخفضة ومدعومة من الدّولة، الأمر الذي يُعسّر قدرة المصانع الأوروبية على المنافسة ويجعلها غير متكافئة، خاصّة في ظلّ تكاليف الطاقة المرتفعة في صناعاتها وقوانينها الأكثر تشدّدا أمام المنافس الصّيني الأرخص ثمنا والأسرع. لذلك أصبحت تخشى ما أسمته بـ”الصّدمة الصينية الثانية”، والمتمثلة في إغراق أوروبا وأمريكا بالسّلع الصينية القائمة على المنتوجات التكنولوجية والالكترونيّة والمواد الكيميائية وصناعة السيارات الكهربائية وتكنولوجيا الطاقة والألواح الشمسية والبطاريات. إضافة إلى السلع الاستهلاكية الرخيصة والملابس والالكترونيك التي سبق وأن أغرقت بها الصين أوروبا فيما سُمّي بـ”الصدمة الصينية الأولى” بداية الألفية الثانية (1990 – 2010) والتي تسبّبت في إغلاق العديد من المصانع التقليدية في أوروبا.
الصّين من جهتها تؤكّد أنّ أوروبّا تستخدم هذه المعطيات التجارية بشكل انتقائي وتهدّد بدورها باتّخاذ إجراءات مضادة إذا فرض الاتحاد الأوروبي قيودا جديدة على منتجاتها أو فرض عقوبات على بضائعها، لما قد يسببه ذلك من اضطراب في العلاقات الاقتصادية القائمة ونظام التجارة الحالي. إلاّ أنه رغم لهجة التّحذير الصريحة فقد حرصت الصين على بقاء قنوات الحوار مفتوحة للبحث عن آليات تجاوز الخلافات وإيجاد السّبل الكفيلة بتعزيز التعاون التجاري بين القطبين الاقتصاديّين.
من جهة أخرى وإزاء محاولات مواجهة التّوغّل الاقتصادي الصّيني تباينت آراء مختلف الدول الأوروبية ما جعل الموقف الأوروبي يبدو غير موحّد بشكل كليّ حسب ارتباط مصالح كل بلد بالصين. فبين من يدعو إلى ضرورة المواجهة والتّشدّد وبين من يفضّل سبل البحث عن أقلّ الأضرار نجد مثلا فرنسا وإيطاليا وهولندا وليتوانيا من بين أبرز الأصوات الدّاعية إلى التصعيد واتّخاذ موقف صارم لحماية اقتصادها. أمّا ألمانيا، الشريك الاقتصادي الأكبر، فتخشى تهديدات التنين الصيني وتدرس بعمق العواقب المحتملة بالنّظر إلى أنّ شركاتها الكبرى تعتمد على السّوق الصّينيّة، وهي في هذا تفضّل أن تسلك سياسة التفاوض بدل التّصعيد. في المقابل تعمل المجر وإسبانيا على تعزيز الاستثمارات الصينية لديها في فترة تتّسم بالكثير من التّعقيد على المستوى العالمي اقتصاديّا وسياسيّا.
لماذا الصين؟ التحوّل الدبلوماسي الجديد لإسبانيا
يعتبر المراقبون أنّ العلاقات الإسبانية – الصينية قد بلغت في الآونة الأخيرة تطوّرا غير مسبوق في تاريخ العلاقة بين البلدين. إذ تحوّلت إسبانيا إلى أبرز الدّول الأوروبيّة الدّاعمة ليس فقط للتّبادل التّجاري مع الصّين وإنّما أيضا لتنويع الاستثمارات الاقتصاديّة. بل وصل الأمر بها حدّ اعتبار الصين “حليفا استراتيجيا” في مقدّمة شركائها، وفي هذا الصّدد أقرّت الحكومة الإسبانيّة ما أسمته بـ”استراتيجية آسيا والمحيط الهادئ (2026 – 2029)، وقد تضمّن مخطّط إنشاء “منتدى وزاري للحوار الاستراتيجي الدائم”، كامتياز ديبلوماسي حصري للصّين.
تأتي هذه الخطوات في إطار بحث إسبانيا عن شريك جديد تعزّز من خلاله التّوازن في العلاقات الدّولية وتوسّع معه التعاون السياسي والاقتصادي الذي يمكّنها من فتح آفاق جديدة للاستثمار. فوجدت ضالتها مع العملاق الصيني كواحد من أكبر الأقطاب الصناعية خاصّة في ظلّ تصاعد التّوتّر بين اسبانيا وترامب بسبب موقف إسبانيا من الحرب ضدّ إيران ورفضها الحاسم للحرب وللسّماح للقوات الأمريكية باستخدام قواعدها العسكرية لشنّ هجومات ضدّ طهران أو للتّزوّد بالوقود لنفس الغرض واعتبارها ما تقوم به الإدارة الأمريكية تهديدا لاستقرار المنطقة. الأمر الذي أغضب ترامب فسارع بالتّهديد بقطع العلاقات التّجارية مع إسبانيا قائلا “سنوقف التّجارة بأكملها مع إسبانيا، لا نريد أيّ علاقة معها… وليس لديها على الإطلاق ما نحتاج إليه”. هذه التّصريحات كان لها تداعيات سياسية حيث طالبت إسبانيا بشكل رسمي عبر وزير خارجيّتها بتأسيس جيش أوروبي موحّد لحماية أمن القارة الأوروبية وحتى لا يبقى أمن أوروبا “رهينة لقرارات أيّ رئيس أمريكي”.
ضمن هذا الإطار إذن وفي سياق الوضع الحساس للعلاقات الدّولية يمكن أن نفهم حرص إسبانيا على القيام بزيارتها السنوية التي دأبت عليها منذ أربع سنوات فكانت قمّة بيكين أواسط أفريل 2026، حيث أجرى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز زيارة رسمية التقى خلالها بالرئيس شي جين بينغ. وأسفرت الزيارة عن توقيع 19 اتّفاقية ثنائيّة رفيعة المستوى شملت قطاعات التكنولوجيا النظيفة، والابتكار، والزراعة، والبنية التحتية.
وقد اُعتُبرت هذه الزيارة مرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية بين مدريد وبكين من جهة وبين الصّين وأوروبا من جهة ثانية في سياق محاولة الحكومة الإسبانية لعب دور الوسيط وهمزة الوصل بينهما لإعادة التوازن إلى المبادلات التّجاريّة عبر توجيه جزء من الصادرات الصينية نحو السوق الأوروبية في ظل التوترات السياسية والتجارية مع إدارة ترامب. وجدير بالتّذكير أنّ واردات إسبانيا من الصين خلال الثلاثي الأول من عام 2026 بلغت أكثر من 12.5 مليار أورو، بما يعادل إجمالي وارداتها من القارة الأميركية مجتمعة، لترتفع حصة الصين إلى 11.6% من إجمالي الواردات الإسبانية، مقابل 11.4% لألمانيا، التي حافظت لسنوات على موقع الشريك التجاري الأول لمدريد داخل الاتحاد الأوروبي.
من جهة أخرى تعتبر الصّين أنّ الاستثمار في إسبانيا له ما يبرّره، فاقتصاد هذا البلد يتطوّر بنسق أسرع من بقيّة دول أوروبّا وتمتلك بنية تحتيّة صناعيّة محترمة وتُعتبر كلفة الإنتاج فيها منخفضة إلى حدّ ما مقارنة ببقيّة الدّول. إضافة إلى أنّ موقعها الاستراتيجي يجعلها بوّابة ليس فحسب إلى القارة العجوز بل أيضا إلى أميركا اللاتينية وشمال أفريقيا وهو ما يجعلها نقطة انطلاق للوصول إلى أسواق أخرى متعددة. من جهة أخرى تُبدي إسبانيا تعاونا ملحوظا مع الصين كما تُبدي نوعا من الاستقلاليّة عن الولايات المتّحدة الأمريكية في اتّخاذ قراراتها.
هذه الميزات جعلت الصين تعيد النّظر في سياستها الاقتصادية التّقليديّة والتي لم تعد تقتصر على إغراق الأسواق الأوروبية ببضائعها غير القابلة للمنافسة من حيث الأسعار فقط بل إنّها انتقلت إلى مرحلة أكثر جدوى، مرحلة التّغلغل في قلب الاقتصاد الأوروبي واختراقه عبر الدّخول في الاستثمار المباشر من خلال بوّابة إسبانيا. فقد نقلت الصين مصانعها العملاقة في صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات إلى الأراضي الإسبانية من قبيل شركة “كاتل”،”CATL” للبطاريات التي أقامت مشروعا في سرقسطة بقيمة 4.1 مليار أورو بالشراكة مع مجموعة “ستيلانتس” الفرنسية-الإيطالية-الأمريكية الأصل، وبطاقة إنتاجية تصل إلى 50 جيجاوات في الساعة لتزويد ما يقارب 750 ألف سيارة كهربائية سنويّا. أما شركة “شيري”، “Chery” لصناعة السيارات فقد تمكّنت من إعادة إحياء مصنع نيسان السابق عبر الشراكة مع شركة Ebro-EV Motors التي تستعدّ لافتتاح أوّل مصنع لها قرب برشلونة خلال هذه السّنة، بقدرة إنتاجية تتراوح بين 150 ألف و200 ألف سيارة بحلول عام 2029 وباستثمار يتجاوز 400 مليون أورو مشغلة بذلك نحو 1600 عامل. وبعبارة أخرى فإنّ البضائع الصّينية أصبحت تُنتج داخل إسبانيا وبيد عاملة إسبانية لتُروّج بعد ذلك داخل السّوق الإسبانية ومنها إلى الأسواق الأوروبيّة. ما يعني تمتّعها بصفة “صُنع في إسبانيا”، (Made in Spain)، وهو ما يجعلها في مأمن من التّهديد بالعقوبات الجمركية المشطّة من قبل المفوّضيّة الأوروبيّة ويضمن نصيبها في السوق بشكل دائم ومستقر. أمّا في مجال الهيدروجين الأخضر فقد ضخّت شركة Envision Energy الصّينية قرابة ألف مليون دولار لإنشاء مصنع لأجهزة التحليل الكهربائي لإنتاج الهيدروجين الأخضر في الأندلس من طاقة الرياح والشمس.
الأبعاد السّياسية للصّراع الامبريالي الجديد
من المؤكّد أنّ هذا التّغيير في الاستراتيجية التجارية للصين مع أوروبا بالاعتماد على الاستثمار بموازاة مع الاستمرار في اكتساح السوق يحمل في طيّاته أبعادا سياسية عميقة تُعيد رسم موازين قوى جديدة بين الصين والاتحاد الأوروبي أولا ومع بقية أقطاب الصراع الجاري بين القوى العظمى في كل أبعاده التجارية والاقتصادية والعسكرية والأمنية ثانيا. كما يهدف هذا التغيير إلى إعادة تشكيل علاقات هيمنيّة جديدة أبدت المفوّضيّة الأوروبيّة الكثير من المخاوف تجاهها واعتبرت أنّ هذا التّوجّه الاستثماري من شأنه أن يمكّن الصّين من السيطرة على مفاصل الاقتصاد الأوروبي من داخله.
إدارة ترامب من جهتها منزعجة جدّا من تنامي النّفوذ الصيني وتعتبره اختراقا أمنيّا مباشرا لمنظومة حلف شمال الأطلسي وهو ما دفع مسؤولين في الإدارة الأمريكية إلى اعتبار التّقارب الإسباني-الصّيني “انتحار اقتصادي وسياسي”. أمّا الصّين فهي تحثّ الخطى لتجسيد مقولة “تداعي النّظام الدّولي” وترسيخ مفهوم “عالم متعدّد الأقطاب” الذي صرّح به الرئيس الصّيني شي جين بينغ في أكثر من مناسبة. وباتت تتصرّف كقوة عالمية صاعدة وكلاعب رئيسيّ في المشهدين الاقتصادي والسّياسي الدّوليّين يُقرأ له ألف حساب. لذلك بات من الواضح جدّا الصّراع المحموم بين أكبر قوّتين رأسماليّتين امبرياليّتين من أجل الفوز بقيادة العالم وافتكاك النّفوذ. ولئن كانت إدارة ترامب تحاول عزل الصّين وحتّى مواجهتها عن طريق جرّ الدّول الأوروبية المنضوية تحت حلف “الناتو” لاتّخاذ مواقف أمنيّة وعسكرية تستجيب لسياستها فإنّ الصين في الاتّجاه المقابل تسعى إلى الحدّ من تحكّم الولايات المتّحدة الأمريكية في القرار الأوروبي عبر الاختراق الناعم لهذا الحلف وفكّ هذا الارتباط السياسي بشكل يجعل تحقيق الإجماع واتّخاذ مواقف موحّدة أمرا في غاية الصّعوبة والتّعقيد بحكم المصالح المشتركة التي تربط الصّين بغيرها من الدّول الأوروبية.
الصّراع اليوم يبدو أشبه بالحرب الباردة بين القوّتين الامبرياليّتين. ففي ظلّ تعقيدات الوضع الدّولي وقرع طبول الحرب في أماكن متعدّدة تبدو أمريكا والصّين غير مستعدّتين آنيّا للدّخول في مواجهة عسكرية مباشرة بل إنّ كلّ واحدة منهما تسعى إلى التّضييق على الأخرى والحدّ من تغوّلها وهيمنتها بشكل ناعم ويسعيان إلى فضّ المشاكل بالطّرق الدّبلوماسية وببعض المفاهمات التي يمكن أن تؤجّل الصّدام. إلاّ أنّه في ظلّ السّياسة الأمريكيّة الرّعناء بقيادة ترامب ونهج منطق الفوضى لا شيء يمنع آجلا من تطوّر الصّراع بين واشنطن وبيكين والدّخول في مواجهة شاملة في ظلّ التنافس المحموم على النفوذ العالمي، وفي ظلّ الصراع التجاري والتكنولوجي، والخلافات حول قضايا الأمن الإقليمي في شرق آسيا، والتباين في الرؤى السياسية بين النظامين الأمريكي والصيني.
صوت الشعب صوت الحقيقة
