الرئيسية / صوت العالم / في موسم كرة القدم… هل تنسى الشعوب مآسيها؟
في موسم كرة القدم… هل تنسى الشعوب مآسيها؟

في موسم كرة القدم… هل تنسى الشعوب مآسيها؟

بقلم محمد بلخيرية

بين هدير الجماهير في المدرجات، وضجيج الشاشات التي تنقل المباريات إلى مليارات البشر، يبرز سؤال قديم يتجدد مع كل بطولة كبرى: هل تتحول كرة القدم إلى وسيلة تجعل الشعوب تنسى مآسيها؟ وهل تصبح المستديرة، في زمن الحروب والأزمات الاقتصادية والانهيارات الاجتماعية، ملاذاً مؤقتاً للهروب من الواقع أم أداة تستغلها الأنظمة السياسية لتخفيف الاحتقان الشعبي وصناعة إجماع عاطفي حول قضايا ثانوية؟

السؤال يكتسب أهمية خاصة اليوم. فالعالم يعيش واحدة من أكثر مراحله اضطراباً منذ نهاية الحرب الباردة. ووفق تقرير “اتجاهات الصراع العالمي” الصادر عن معهد أبحاث السلام في أوسلو (PRIO)، شهد العالم سنة 2024 ما يقارب 185 صراعاً مسلحاً، بزيادة بلغت 64% مقارنة بعام 2004. كما تم تسجيل 61 نزاعاً مسلحاً مرتبطاً بالدول في 36 دولة، وهو الرقم الأعلى منذ عام 1946.

في الوقت نفسه، كانت الملاعب ممتلئة، وحققت البطولات الكروية نسب مشاهدة قياسية، بينما انشغل ملايين البشر بنتائج المباريات وصفقات اللاعبين وأخبار المنتخبات أكثر من انشغالهم بالحروب والفقر والتضخم والانهيار البيئي.

المفعول السحري لكرة القدم

لم تعرف البشرية لعبة استطاعت أن توحد الناس كما فعلت كرة القدم. تشير تقديرات الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى أن نهائي كأس العالم 2022 تابعته أعداد قاربت ملياراً ونصف المليار مشاهد حول العالم، فيما تجاوز عدد متابعي البطولة خمسة مليارات مشاهدة تراكمية عبر مختلف المنصات.

هذا الحضور الكاسح لم يأت من فراغ. فالمباراة الكروية تقدم للإنسان كل ما يفتقده في حياته اليومية: الإثارة، الانتماء، الأمل، والانتصار الرمزي. خلال تسعين دقيقة فقط يستطيع المشجع أن ينسى البطالة وغلاء المعيشة والديون والأزمات السياسية.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا النسيان المؤقت إلى حالة جماعية طويلة الأمد، تصبح فيها قضايا الشعوب المصيرية في المرتبة الثانية خلف نتائج المباريات وترتيب الهدافين.

عالم يحترق والجماهير تحتفل

بينما كانت الجماهير تحتفل بالأهداف والانتصارات، كانت الحروب تحصد الأرواح بوتيرة غير مسبوقة.

فالحرب الأهلية في إثيوبيا أودت بحياة أكثر من 288 ألف شخص بين عامي 2021 و2022. والحرب الروسية الأوكرانية خلفت نحو 250 ألف قتيل خلال ثلاث سنوات فقط. أما الحرب على غزة فقد أنتجت واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.

وفي السودان، تسببت الحرب المستمرة في نزوح ملايين البشر وخلقت أكبر أزمة إنسانية في إفريقيا حالياً.

في المقابل، لم يتراجع الاهتمام الجماهيري بكرة القدم. بل على العكس، ازدادت القيمة السوقية للعبة، وارتفعت عائدات البث والرعاية إلى مستويات قياسية، وكأن العالم يعيش واقعين متوازيين: عالم الدماء والحروب، وعالم الأهداف والاحتفالات.

أفيون الشعوب أم متنفسها؟

لطالما استُخدم مصطلح “أفيون الشعوب” لوصف الأدوات التي تجعل الجماهير تنشغل عن قضاياها الأساسية. وكثيراً ما وُجه هذا الوصف إلى كرة القدم.

ففي أوقات الأزمات الاقتصادية أو السياسية، تجد الأنظمة الحاكمة في الإنجاز الرياضي فرصة ذهبية لإعادة تشكيل المزاج العام. يصبح الفوز في مباراة حدثاً وطنياً ضخماً، وتتحول صورة اللاعب إلى رمز للنجاح الجماعي، بينما تتراجع إلى الخلف ملفات البطالة والتضخم وتدهور الخدمات العامة.

وليس من قبيل المصادفة أن العديد من الأنظمة السياسية عبر التاريخ استثمرت كرة القدم في الدعاية الوطنية. فقد استُخدمت الانتصارات الرياضية لصناعة شرعية رمزية، وتقديم صورة متماسكة عن الدولة حتى في أشد فترات الأزمات.

لكن اختزال كرة القدم في هذا الدور فقط سيكون ظلماً للحقيقة.

عندما تتحول المدرجات إلى فضاء للمقاومة

خلافاً للصورة النمطية التي تعتبر الجماهير الرياضية مجرد جماهير مخدّرة، شهدت العقود الأخيرة صعود ظاهرة الألتراس التي حولت الملاعب إلى فضاءات احتجاجية.

في مصر لعبت مجموعات الألتراس دوراً بارزاً في الحراك الذي سبق ثورة 25 يناير. وفي المغرب وتونس والجزائر أصبحت المدرجات منابر للتعبير عن الغضب الاجتماعي والبطالة والتهميش.

أغنيات مثل “في بلادي ظلموني” لم تكن مجرد أهازيج رياضية، بل تحولت إلى بيانات احتجاجية تتداولها فئات واسعة من الشباب خارج أسوار الملاعب.

 الصورة ليست بهذه البساطة. فالجماهير ليست كتلة ساذجة يمكن التحكم بها دائماً. ففي قلب المدرجات نفسها نشأت أشكال من المقاومة الاجتماعية والسياسية. من تونس إلى مصر إلى المغرب والأرجنتين وإيطاليا وتركيا، تحولت مجموعات الألتراس إلى فضاءات للتعبير عن الغضب الشعبي. خرجت من المدرجات أغانٍ وشعارات تحدثت عن الظلم والتهميش والقمع والبطالة. وفي أحيان كثيرة كانت الملاعب آخر المساحات التي استطاع فيها الشباب أن يرفعوا أصواتهم في وجه السلطة.

هنا تكشف كرة القدم عن وجهها الآخر: ليست فقط أداة للإلهاء، بل يمكن أن تصبح أيضاً منصة للوعي والرفض والمقاومة.

رأس المال يصادر اللعبة

في عالم الرأسمالية المتوحشة لم يعد المشجع مواطناً، بل مستهلكاً. ولم يعد النادي مؤسسة اجتماعية أو رياضية، بل علامة تجارية عالمية. ولم يعد اللاعب مجرد رياضي، بل منتجاً تسويقياً تقدر قيمته بمئات الملايين من الدولارات. أما الجماهير فقد تحولت إلى سوق ضخمة تباع لها القمصان والاشتراكات والإعلانات والأوهام. هكذا جرى تحويل الشغف الشعبي إلى سلعة، وتحويل الانتماء إلى منتج، وتحويل الملاعب إلى مصانع لإنتاج الأرباح.

في الوقت الذي يموت فيه آلاف البشر في غزة والسودان وأوكرانيا وأجزاء واسعة من إفريقيا وآسيا، تحقق المؤسسات الرياضية الكبرى والشركات الراعية أرباحاً قياسية. وفي الوقت الذي تقف فيه الحكومات عاجزة عن توفير الشغل والسكن والعلاج والتعليم، تنفق المليارات على تنظيم البطولات والمنشآت الرياضية العملاقة. ليست هذه مفارقة عابرة، بل تعبير مكثف عن منطق الرأسمالية نفسها التي تضع الربح فوق الإنسان، والاستعراض فوق العدالة، والصورة فوق الحقيقة.

لقلقد أدركت الأنظمة السياسية منذ زمن بعيد القوة السحرية لكرة القدم. ولذلك لم تتردد في توظيفها كلما اشتدت الأزمات. عندما ترتفع الأسعار وتتراجع الخدمات وتتفاقم البطالة، يصبح الفوز في مباراة حدثاً وطنياً استثنائياً. تتحول الأنظار نحو الملعب، وتتراجع الأسئلة المتعلقة بالفقر والفساد والحقوق والحريات. يصبح الهدف الذي يسكن الشباك أهم من السؤال الذي يسكن بطون الجائعين. وهنا لا تعمل كرة القدم كوسيلة ترفيه فقط، بل كجزء من منظومة كاملة لإدارة الرأي العام وإعادة توجيه اهتماماته.

إذا كانت الأنظمة السياسية قد سعت إلى استثمار كرة القدم سياسياً، فإن رأس المال العالمي نجح في تحويلها إلى واحدة من أكبر الصناعات الترفيهية في العالم.

اليوم تقدر قيمة سوق كرة القدم بمئات المليارات من الدولارات. وأصبحت الأندية الكبرى علامات تجارية عابرة للحدود، بينما تحولت الجماهير إلى مستهلكين دائمين للمنتجات الرياضية والبث التلفزيوني والإعلانات.

في هذا السياق، لم يعد الانتماء الرياضي مرتبطاً بالمدينة أو الحي أو الطبقة الاجتماعية كما كان في السابق، بل أصبح خاضعاً لمنطق السوق والنجاح التجاري.

وهكذا يتم إنتاج ولاءات جماهيرية جديدة بعيدة عن أي روابط اجتماعية أو ثقافية حقيقية، في عملية تمييع واسعة للهوية الرياضية التقليدية.

العدالة في الرياضةشرط لا رفاهة

الحديث عن كرة القدم لا يكتمل دون الحديث عن العدالة الرياضية.

فأي بطولة عالمية أو قارية تفقد جزءاً من مشروعيتها عندما يشعر المشاركون بأن هناك تفاوتاً في المعاملة أو تمييزاً في الإجراءات أو عراقيل تمس كرامة الوفود والجماهير.

الرياضة يفترض أن تكون فضاءً للمساواة والاحترام المتبادل، لا ساحة لإعادة إنتاج موازين القوة السياسية أو الاقتصادية. والرياضي الذي يمثل بلاده في بطولة دولية يجب أن يحظى بالاحترام الكامل بغض النظر عن جنسيته أو موقع بلاده في النظام الدولي.

فالعدالة في الرياضة ليست تفصيلاً تنظيمياً، بل هي جزء من روح اللعبة نفسها.

هل تنسى الشعوب مآسيها فعلاً؟

هذا التناقض يكشف حقيقة جوهرية: كرة القدم ليست أفيوناً بطبيعتها، وإنما تصبح كذلك عندما توضع في خدمة السلطة ورأس المال. أما عندما تستعيد الجماهير حقها في التعبير والتنظيم والاحتجاج، فإن الملاعب تتحول إلى فضاءات للمقاومة والوعي الجماعي.

لكن الرأسمالية لا تتوقف عند حدود الاستغلال الاقتصادي والسياسي للعبة. إنها تعمل أيضاً على إعادة تشكيل وعي الجماهير نفسها. فبدلاً من الانتماء إلى قضاياهم الاجتماعية، يجري دفع الملايين للانتماء إلى علامات تجارية رياضية عابرة للقارات. وبدلاً من التضامن مع العمال والفقراء وضحايا الحروب، يجري استهلاك مشاعرهم في صراعات رياضية مصطنعة لا تمس حياتهم اليومية بأي شكل. هكذا يصبح العامل الذي يعاني من الاستغلال مستعداً للدفاع عن شركة رياضية تساوي مليارات الدولارات أكثر من دفاعه عن حقوقه الاجتماعية.

ومع ذلك فإن الشعوب لا تنسى مآسيها حقاً. الفقر لا يختفي مع صافرة البداية. والجوع لا ينتهي مع رفع الكأس. والبطالة لا تعالجها أهداف المهاجمين. والحروب لا تتوقف لأن الجماهير تحتفل في المدرجات. ما يحدث هو أن الألم يؤجل، وأن الوعي يتعرض للتشويش، وأن الغضب يتم احتواؤه لبعض الوقت داخل مشهد احتفالي ضخم تصنعه السلطة السياسية والرأسمالية العالمية معاً.

بعد نهاية المباراة يعود العامل إلى أجره الهزيل، ويعود العاطل إلى بطالته، ويعود اللاجئ إلى خيمته، ويعود الفقير إلى طابور الخبز، وتعود الشعوب إلى مواجهة واقعها القاسي. عندها يتضح أن كرة القدم، مهما بلغت شعبيتها، لا تستطيع أن تحل التناقضات التي ينتجها النظام الرأسمالي، ولا أن تخفي إلى الأبد حجم المآسي التي يعيشها العالم.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تنسى الشعوب مآسيها في موسم كرة القدم؟ بل: إلى متى تستطيع الرأسمالية أن تستخدم كرة القدم وغيرها من الصناعات الترفيهية لحجب واقع عالم يزداد فقراً وتفاوتاً وعنفاً؟

إلى الأعلى
×