بقلم : مرتضى العبيدي
تشهد ألبانيا منذ بداية شهر الجاري سلسلة من الاحتجاجات يشارك فيها آلاف من المواطنين في العاصمة تيرانا كما في بعض الجهات الأخرى من البلاد، اندلعت في البداية لأسباب بيئية لتكشف شيئا فشيئا عن تبرّم الشعب من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة والتي تتحمّل مسؤوليتها حكومة “إيدي راما” المتربعة على سدّة الحكم منذ 2013.
شرارة الاحتجاجات
وقد اندلعت شرارة الاحتجاجات، أواخر شهر ماي، عقب حادثة اعتداء وحشية في منطقة “زفيرنيك” الساحلية، حين أقدم عناصر أمن خاص تابعون لشركة استثمار على سحل أحد المتظاهرين البيئيين على الشاطئ عند محاولته الاعتراض على وضع أسلاك شائكة تحرم السكان المحليين من دخول الشواطئ والأراضي العامة. وأثارت هذه المشاهد غضبا واسعا، سرعان ما توسع إلى العاصمة تيرانا، لتجذب مشاركة أوسع من المواطنين الرافضين للمشروع المزمع تنفيذه في المنطقة المذكورة، والذي تتستر الحكومة عن طبيعته وعن مموّليه.
مشروع بمليارات الدولارات
ويستهدف المشروع المذكور، الذي تديره شركة “أفينيتي بارتنرز ” (Affinity Partners) التي تملكها إيفانكا ترمب وزوجها جاريد كوشنر وتقدر قيمته بنحو 4 مليارات دولار، مواقع رئيسية على الساحل الألباني مثل:
– جزيرة “سازان” (Sazan) التي تمثل واحدة من أبرز المناطق الطبيعية في ألبانيا، وهي قاعدة عسكرية سرية سابقة، فيكون المستهدف ليس موقعها فحسب بل وكذلك رمزيتها.
– وأجزاء من محمية فيوسا-نارتا (Vjosa-Narta) الطبيعية بتحويلهما إلى منتجع سياحي فاخر، في مشروع يبشّر بعائدات مالية كبيرة، لكنه يثير في المقابل رفضا شعبيا عارما لدى الشعب الألباني والشعوب المجاورة حول مستقبل واحدة من آخر الجزر البكر في المنطقة.
ويتضمن المشروع بناء آلاف الغرف الفندقية والبنية التحتية المرتبطة بها على مساحة تقرب من 2.5 كيلومتر مربع من الأراضي الساحلية.
وتروّج الحكومة الألبانية أن المشروع سيسهم في جذب استثمارات أجنبية وتوفير فرص عمل وتعزيز الاقتصاد المحلي، بينما يرى معارضوه أنه سيغيّر الطابع البيئي للمنطقة، ويهدد أحد أهم النظم الطبيعية على الساحل الألباني.
رفض شعبي للمشروع
لكن رغم الإغراءات، يواجه المشروع رفضا شعبيا حازما، ساهمت فيه مرّة أحرى منصات التواصل الاجتماعي التي عجّت بتدوينات ومقاطع مصورة نشرها مواطنون عبّروا فيها عن رفضهم للمشروع، معتبرين أن جزيرة سازان ومحمية فيوسا-نارتا تمثلان إرثا طبيعيا وطنيا يجب حمايته من أي استثمارات قد تهدد طابعهما البيئي.
وتداول ناشطون صورا ومقاطع من الاحتجاجات إلى جانب لافتات تدعو إلى وقف المشروع وحماية المناطق الطبيعية من التوسع العمراني، بينما ركزت تعليقات كثيرة على المخاوف البيئية المرتبطة بالمشروع، وضرورة ضمان الشفافية في أي استثمارات تستهدف الجزيرة والمناطق المحيطة بها، وهو ما سرّع بانتقال الاحتجاجات من الشبكة إلى الشارع.
وسرعان ما تجاوز الجدل الدائر حول المشروع البعد البيئي ليصبح نقاشا أوسع حول إدارة الموارد العامة ومستقبل التنمية السياحية في ألبانيا، محذرين من تداعياته على أحد أهم المواقع الطبيعية في البلاد. وطالب البعض بنشر تفاصيل الدراسات البيئية والاقتصادية المرتبطة به، وإشراك المجتمعات المحلية والخبراء في تقييم آثاره المحتملة.
وذهب بعض المعلّقين إلى مقارنة مشروع “سازان” بمشروعات سياحية مماثلة شهدتها دول متوسطية خلال السنوات الماضية، محذرين من أن المكاسب الاقتصادية قصيرة المدى قد تأتي على حساب الموارد الطبيعية والتراث البيئي للجزيرة، وهو ما عزز حالة الإصرار التي لا تزال تميّز الحراك الشعبي منذ فاتح جوان الجاري بلا انقطاع.
لماذا يعارضه المحتجون؟
يركّز المحتجون ومنظمات البيئة على المخاطر المحتملة للمشروع على محمية فيوسا-نارتا، التي تضم أراضي رطبة ومواطن طبيعية لعدد كبير من الطيور المهاجرة والكائنات النادرة.
وتعرب منظمات بيئية عن قلق عميق من الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالملاجئ الطبيعية لطيور الفلامنغو الوردية، والفقمات، والسلاحف البحرية.
ففي شهر جانفي الماضي، دعت نحو 40 منظمة بيئية إلى تعليق خطط المنتجع، محذرة من تأثيراته المحتملة على التنوع البيولوجي في المنطقة.
ويشير المنتقدون الى إن التغييرات الأخيرة التي أدخلتها الحكومة على وضعية المحميات وملكية الأراضي أثارت جشع المستثمرين، مما طرح تساؤلات حول الشفافية واحتمال وجود مخالفات، ما جعلهم يطالبون بمزيد من الشفافية بشأن تفاصيل المشروع وآليات منحه للمستثمرين الأجانب، معتبرين أن القيمة البيئية والتاريخية للجزيرة يجب أن تكون أولوية على أي مكاسب اقتصادية محتملة.
الحكومة تدافع عن المشروع
في المقابل، دافع رئيس الوزراء الألباني “إيدي راما” عن المشروع في كل المحافل معتبرا أن سياسة حكومته في جلب الاستثمارات الأجنبية لتطوير قطاع السياحة حققت نتائج إيجابية لألبانيا.
ورفض راما الانتقادات الموجهة للمشروع، مؤكدا أن حجم الاحتجاجات جرى تضخيمه. وقال على هامش قمة الاتحاد الأوروبي ودول غرب البلقان في مدينة تيفات بالجبل الأسود: “لو لم يكن جاريد كوشنار هو من يفعل ذلك، لما اهتم أحد بما يحدث في ألبانيا”.
كما اتهم ما وصفهم بـ”كارهي ترمب” بالمساهمة في تضخيم الجدل المحيط بالمشروع، رغم إقراره بأن القضايا البيئية التي يثيرها المحتجون تستحق النقاش.
تصاعد الاحتجاجات
تتصاعد حدة التوترات السياسية والشعبية في العاصمة الألبانية تيرانا والمناطق الساحلية الجنوبية، إثر موجة احتجاجات عارمة انطلقت منذ مفتتح شهر جوان الجاري دزن توقف.
ويحتشد يوميا آلاف المتظاهرين أمام مكتب رئيس الوزراء، رافعين لافتات مندّدة تحمل شعارات مثل “أوقفوا المشروع”، “إيفانكا.. عودي إلى بلدك ” و”ألبانيا ليست للبيع”.
كما يحمل المحتجون مجسمات باللون الوردي لطيور الفلامينغو، والتي تحولت سريعا إلى رمز لهذه الحراك الشعبي.
وتشهد المظاهرات تطورات ميدانية ساخنة وفي بعض الحالات اشتباكات مع الشرطة التي تستخدم خراطيم المياه لتفريق الحشود، وقد تورط فيها عناصر أمن خاص أسفرت عن إصابات واعتقالات.
مواجهة سياسية وتحقيقات قضائية في التشريعات
وأمام هذا الغضب الشعبي، فتحت الهيئة الخاصة لمكافحة الفساد في ألبانيا (SPAK) تحقيقا في المشروع. كما جمدت السلطات حسابات مصرفية مرتبطة بشركة قطرية مشاركة في الاستحواذ على الأراضي، وتقوم بالتحقيق في شبهات احتيال في ملكيات الأراضي وتعديلات على تصنيفات الأراضي المحمية وفي التعديلات التشريعية التي أقرت عام 2024، والتي سمحت بتغيير صفة الأراضي المحمية وإمكانية تملكها من قِبل المستثمرين الأجانب.
ورغم الضغط الشعبي والقضائي، أبدى رئيس الوزراء الألباني تمسكا صارما بالمشروع، رافضا مقترحات التراجع ومصرحا لوسائل الإعلام بأنه لا توجد أي فرصة لإيقاف هذا الاستثمار طالما هو في السلطة، معتبرا أنه لا يجب إظهار الدولة بمظهر من يقابل المستثمرين الاستثنائيين بالعدائية.
ومما لا شك فيه أن وجود ابنة ترمب وزوجها في المشهد قد لعب دورا في تأجيج الأوضاع إذ سبق أن ووجه مشروع مماثل في منطقة البلقان لنفس العائلة بمقاومة شعبية شرسة، أجبرت كوشنر على إلغاء مشروع فندق فاخر في العاصمة الصربية بلغراد نتيجة للاحتجاجات المستمرة.
الشباب في طليعة الحراك
وقد لعب الشباب الألباني دور القيادة في هذه الحركة، التي باتت تتجاوز بكثير مشروع ترامب السياحي. إذ أن بعضهم أعدّ لائحة بالمشاكل التي تعاني منها البلاد، منها مغادرة 400 ألف شخص ألبانيا في عشر سنوات جرّاء البطالة واستشراء الفساد، وتدهور ظروف العمل، والجريمة المنظمة…حتى أن معظم المتظاهرين أصبحوا يطالبون برحيل رئيس الوزراء إيدي راما، الذي يتولى السلطة منذ عام 2013، والذي يتهمه معارضوه منذ سنوات طويلة بعلاقات وثيقة مع جماعات المافيا.
علاوة على ذلك، يواجه رئيس الوزراء اتهامات بالفساد في هذه القضية بالذات. إذ أنه وإن كُشف النقاب عن المشروع قبل عامين، إلا أنه لا يزال يكتنفه الغموض، لا سيما فيما يتعلق بالحصول على سندات ملكية الأراضي اللازمة لبناء بعض الفنادق المحتملة. وحتى الآن، لم تُشيد أي مبانٍ، لكن المشروع حظي باهتمام إعلامي واسع النطاق من خلال صور نُشرت على حساب جاريد كوشنر على إنستغرام، وزيارات إيفانكا ترامب إلى ألبانيا برفقة مستثمرين، خلال الشتاء الماضي، وتصريحات حديثة لابنة الرئيس الأمريكي حيث أشادت بهذه الجوهرة الساحرة على البحر الأدرياتيكي.
لذلك حظي شعار “ألبانيا ليست للبيع” بانتشار واسع ليس لدى جمهور المحتجين فحسب، بل وكذلك لدى شرائح كثيرة من الشعب الألباني الذي أعادته هذه الواقعة إلى الشارع بعدما خضع طيلة ثلاثة عقود إلى قصف دعائي وإعلامي قصد “تأهيله” للقبول بالعولمة وآلياتها الوحشية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
