بقلم :رشيد السوايح
إن قضية الحكم الدولي الصومالي عمر أرتان ليست مجرّد حادثة إدارية عابرة تتعلّق بإجراءات الهجرة أو بتشدّد أمني ظرفي. ما حدث في مطار ميامي، عندما مُنع أحد أفضل حكام القارة الإفريقية من دخول الولايات المتحدة ورُحّل بعد ساعات طويلة من الاحتجاز والاستجواب، رغم حصوله مسبقاً على تأشيرة دخول واعتماد رسمي من الاتحاد الدولي لكرة القدم، يمثّل سابقة خطيرة في تاريخ الرياضة العالمية، وفضيحة أخلاقية وسياسية تكشف حجم التراجع الذي أصاب استقلالية المؤسسات الرياضية الدولية أمام سطوة الشعبوية اليمينية المتطرّفة.
كان عمر أرتان على موعد مع التاريخ. فالرجل الذي اختير أفضل حكم في إفريقيا سنة 2025، والذي راكم تجربة قارية ودولية محترمة، كان يستعد ليصبح أول حكم صومالي يشارك في إدارة مباريات كأس العالم. لكن الحلم انتهى عند بوابة الحدود الأمريكية، لا بسبب خطأ ارتكبه، ولا بسبب نقص في الوثائق، ولا بسبب إخلال بالإجراءات، بل لأن الإدارة الأمريكية قررت أن تمارس سلطتها المطلقة على حدث يفترض أنه عالمي ويخص البشرية جمعاء، لا دولة واحدة مهما كانت قوتها.
الأخطر من قرار المنع نفسه هو الطريقة التي تم بها التعامل مع الرجل. فقد تحدث أرتان عن ساعات طويلة من التحقيق والاحتجاز قبل إعادته إلى إسطنبول، في مشهد مهين لا يليق بحكم دولي معتمد من الفيفا ولا بأي إنسان يفترض أن تحترم كرامته وحقوقه الأساسية.
لكن الفضيحة لم تتوقف عند حدود السلطات الأمريكية. فالفيفا، التي لا تتوقف عن الحديث عن الكونية والتسامح ووحدة الشعوب عبر الرياضة، ظهرت عاجزة ومذعنة بصورة مثيرة للشفقة. فقد اكتفت بإصدار بيانات باردة تؤكد أن إجراءات الهجرة من اختصاص الدولة المضيفة، وكأن الأمر لا يعنيها، وكأن الحكم المستبعد ليس أحد مسؤوليها الرسميين الذين اختارتهم بنفسها لإدارة أهم بطولة كروية في العالم.
لقد حاولت الفيفا، وفق عدة تقارير، التدخل لدى السلطات الأمريكية لتدارك الموقف، لكن محاولاتها انتهت إلى الفشل. وفشلت كذلك المساعي الدبلوماسية الصومالية التي سعت إلى مراجعة القرار. وفي النهاية انتصرت إرادة البيت الأبيض على إرادة المؤسسة الرياضية الأكبر في العالم.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ما قيمة الفيفا إذا كانت عاجزة عن حماية أحد حكامها؟ وما جدوى كل الخطابات الرنانة حول استقلالية الرياضة إذا كان موظف حدود أمريكي قادراً على إلغاء قرار اتخذته أعلى سلطة كروية في العالم؟
الأكثر إثارة للغضب أن الفيفا لم تبذل حتى الحد الأدنى من الجهد المعنوي لجبر ضرر الرجل. فطالما أن كأس العالم لا يقام في الولايات المتحدة وحدها بل تشترك في تنظيمه كل من المكسيك وكندا، كان بإمكان الاتحاد الدولي إيجاد صيغة تسمح للحكم الصومالي بالحضور والمشاركة في الأنشطة التقنية أو متابعة المنافسات من إحدى الدولتين الشريكتين على الأقل. كان بإمكانه أن يبعث برسالة مفادها أن المؤسسة لا تتخلى عن أبنائها. لكنه اختار الطريق الأسهل: الصمت والخضوع والانحناء أمام القرار الأمريكي.
إن ما حدث يكشف حقيقة جديدة أصبحت تفرض نفسها على الرياضة الدولية. فالفيفا لم تعد تلك المؤسسة التي تفرض شروطها على الدول الراغبة في استضافة بطولاتها. بل أصبحت، في كثير من الأحيان، تتكيّف مع إملاءات القوى الكبرى حفاظاً على مصالحها المالية وعلاقاتها السياسية. أما المبادئ التي تتحدث عنها في المناسبات الرسمية فقد تحولت إلى شعارات للاستهلاك الإعلامي لا أكثر.
في الواقع، لا يتعلق الأمر بعمر أرتان وحده. القضية أكبر من شخص وأكبر من جنسية. القضية تتعلق بمستقبل الرياضة العالمية نفسها. فإذا كان حكم دولي معتمد، يحمل تأشيرة قانونية ووثائق رسمية، يمكن أن يُمنع من دخول البلد المنظم ويُقصى من البطولة دون أن تستطيع الفيفا فعل شيء، فما الذي يمنع تكرار الأمر مستقبلاً مع لاعبين أو مدربين أو صحفيين أو جماهير تنتمي إلى دول لا ترضى عنها السلطة السياسية في البلد المضيف؟
لقد أرادت الإدارة الأمريكية، بقيادة دونالد ترامب، أن توجه رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن الآخرين هم من يجب أن يتكيّفوا مع الولايات المتحدة، وليس العكس. وأن استضافة حدث عالمي لا تعني التخفيف من السياسات الداخلية أو تقديم استثناءات تفرضها طبيعة الرياضة الدولية. إنها رؤية تقوم على إخضاع العالم لقواعد واشنطن لا على البحث عن قواعد مشتركة تجمع العالم.
غير أن المشكلة لا تكمن فقط في القرار الأمريكي، بل في الاستسلام الدولي له. فحين تصمت المؤسسات الرياضية الكبرى أمام مثل هذه الممارسات فإنها تمنحها شرعية ضمنية وتفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات مستقبلاً. وما جرى مع عمر أرتان قد يتحول إلى نموذج يُحتذى به في بطولات أخرى تستضيفها دول مختلفة، بحيث يصبح الانتماء الوطني أو الخلفية السياسية أو الحسابات الجيوسياسية عوامل حاسمة في المشاركة الرياضية.
لقد نشأت كرة القدم الحديثة على قيم نبيلة: المساواة بين الشعوب، وتكافؤ الفرص، وكسر الحواجز، وجمع البشر حول شغف مشترك يتجاوز الحدود واللغات والأعراق. لكن هذه القيم تتعرض اليوم لاختبار قاسٍ. فحين تتقدم الحسابات السياسية على القواعد الرياضية، وحين يصبح الجواز أقوى من الكفاءة، وحين يُستبعد أفضل حكم في قارة بأكملها بسبب اعتبارات لا علاقة لها بالميدان، فإن كرة القدم تفقد جزءاً من روحها ورسالتها الإنسانية.
ولعل أخطر ما في القضية أنها تكشف هشاشة الخطاب العالمي حول عالمية الرياضة. فالعالم الذي قيل لنا إنه موحّد تحت راية كرة القدم يبدو اليوم منقسماً أكثر من أي وقت مضى. عالم تحدد فيه السياسة من يشارك ومن يُقصى، ومن يُكرّم ومن يُهان.
إنّ الاتحاد الدولي لكرة القدم يدفع اليوم ثمن جبنه. فالمؤسسة التي فضّلت الصمت على المواجهة، والمسايرة على الدفاع عن مبادئها، تجد نفسها أمام أزمة مصداقية حقيقية. أمّا عمر أرتان، الذي عاد إلى بلاده محروماً من تحقيق حلم عمره، فقد خرج من هذه المعركة مرفوع الرأس أكثر مما خرجت منها الفيفا نفسها. ذلك أن التاريخ لا يتذكر فقط من امتلك السلطة، بل يتذكر أيضاً من امتلك الشجاعة للدفاع عن الحق.
وفي النهاية، قد تمرّ البطولة وتُرفع الكؤوس وتُوزّع الميداليات، لكن صورة الحكم الصومالي وهو يُرحّل من مطار أمريكي رغم اعتماده الرسمي ستبقى وصمة عار في سجل كأس العالم 2026، ودليلاً إضافياً على أن كرة القدم العالمية أصبحت تدفع، يوماً بعد يوم، ثمن خلط الرياضة بالسياسة وثمن خوف مؤسساتها من قول كلمة “لا” في وجه الأقوياء.
صوت الشعب صوت الحقيقة
