الرئيسية / صوت العالم / اتفاق الإطار والتفاهمات الإقليمية… كيف تُعاد صياغة الشرق الأوسط دون إعلان رسمي؟
اتفاق الإطار والتفاهمات الإقليمية… كيف تُعاد صياغة الشرق الأوسط دون إعلان رسمي؟

اتفاق الإطار والتفاهمات الإقليمية… كيف تُعاد صياغة الشرق الأوسط دون إعلان رسمي؟

بقلم :أحمد البهائي

يخطئ من يظن أن ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران اليوم هو مجرد مفاوضات تقليدية تنتهي بتوقيع اتفاق ثم يبدأ التنفيذ بعدها، لأن هذا التصور الكلاسيكي يفترض أن السياسة الدولية تتحرك عبر النصوص النهائية، بينما الواقع في مناطق النفوذ الكبرى يسير غالبًا بطريقة مختلفة؛ تبدأ المسارات بإشارات وعبارات عامة وتفاهمات مرنة ثم تتحول تدريجيًا إلى وقائع سياسية تعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية دون إعلان مباشر. ولهذا فإن السؤال الذي يشغل كثيرين: هل يوجد اتفاق أم لا؟ قد يكون أقل أهمية من سؤال آخر أكثر عمقًا: هل بدأ بالفعل مسار جديد لإعادة تنظيم المنطقة؟ وما يجعل هذا السؤال مشروعًا هو أن العبارات التي بدأت تظهر في الخطاب السياسي مثل «اتفاق إطار» و«تفاهمات إقليمية» لا تبدو مجرد مصطلحات تفاوضية عابرة، بل قد تكون أدوات هندسة سياسية تسمح بإطلاق عملية طويلة الأمد يعاد من خلالها ضبط النفوذ وتحديد حدود الحركة لكل الأطراف. الفكرة هنا ليست وجود اتaنهائي مكتوب يوزع الأدوار حرفيًا، وليست وجود صفقة سرية كاملة كما يتخيل البعض، وإنما وجود إطار يسمح لكل طرف بالحركة داخل حدود مفهومة دون الحاجة إلى إعلان كل التفاصيل. ولذلك فإن اتفاق الإطار لا يصبح الهدف النهائي، بل يصبح الأداة، أما التفاهمات الإقليمية فهي المسار نفسه. ومن هنا تظهر فكرة يعتبرها البعض جديدة رغم أنها ليست كذلك: لا يمكن إقصاء إيران من المنطقة ولا حتى التفكير الواقعي في ذلك، ليس لأن الجميع يقبل مشروعها أو لأن نفوذها غير قابل للنقد، ولكن لأن إيران تحولت منذ عقود إلى عنصر بنيوي داخل التوازن الإقليمي، وبالتالي فإن أي محاولة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط تتجاوز وجودها ستنتج فراغًا أكبر من قدرة أي طرف على ملئه. وهنا تظهر المفارقة التي تبدو صادمة للبعض: إيران يجب أن تبقى إيران. ليس بمعنى التوسع المطلق أو الانتصار الكامل، بل بمعنى استمرار وجود لاعب إقليمي كبير يسمح للنظام الإقليمي بالاستمرار. فإذا انتهت إيران بالحرب الشاملة تختفي معها مبررات كثيرة تتعلق بإعادة التموضع العسكري والتحالفات الأمنية وإدارة الطاقة، وإذا انتهت بالسلام الكامل والتطبيع الكامل يتغير شكل النظام كله وتصبح الحاجة إلى نفس مستويات الحضور العسكري والسياسي الأمريكي محل سؤال. لذلك لا يكون الهدف هو القضاء على إيران ولا تمكينها بالكامل، وإنما إدارة وجودها وضبط حدود تأثيرها. ومن هنا يمكن فهم لماذا يبدو المشهد أحيانًا وكأنه خصومة دائمة لا تصل إلى الحسم. لا سلم كامل ينهي الحاجة إلى التوازنات، ولا حرب كاملة تدمر النظام القائم، بل حالة وسطية طويلة الأجل تقوم على صراع مضبوط السقف. في هذا النموذج تبقى إيران مصدر التهديد الذي يجب الاستعداد له، وتبقى أمريكا مصدر الضمان الذي يبرر استمرار شبكات التحالف والحضور العسكري والسياسي، وتبقى المنطقة كلها تتحرك داخل هذا التوازن المتوتر. وهذا لا يعني بالضرورة وجود اتفاق مكتوب على تقاسم النفوذ، لكنه يعني أن قواعد الحركة نفسها أصبحت مفهومة أكثر من ذي قبل. ولذلك فإن من يعتقد أن ما يحدث اليوم يمثل انقلابًا كاملاً بين إدارة أمريكية وأخرى قد يبالغ في تقدير الاختلافات؛ لأن ما يتغير غالبًا ليس الاتجاه بل الأدوات. إدارة تستخدم الضغط والعقوبات، وأخرى تستخدم التفاوض والاحتواء، لكن المصالح الكبرى تبقى أكثر استقرارًا من الخطابات السياسية. ومن هنا يمكن قراءة فكرة اتفاق الإطار باعتبارها إحدى أدوات المسار المعدل لا نقطة النهاية. الأدوات نفسها تبقى مفتوحة ومتعددة؛ بعضها موجود بالفعل، وبعضها مؤجل، وبعضها قد يُصنع عندما تفرض الحاجة ذلك، بشرط أن يبقى صالحًا لخدمة الاتجاه العام. إعادة تموضع عسكري، ضغط اقتصادي، تفاهمات أمنية، إدارة للطاقة، فتح قنوات خلفية، إعادة توزيع للأدوار، كلها أدوات يمكن تحريكها أو تجميدها دون أن يتغير الهدف الأكبر. ولهذا فإن ما يبدو للبعض غموضًا أو تناقضًا قد يكون في الحقيقة مقصودًا، لأن السياسة الدولية لا تحب الاتفاقات المغلقة بقدر ما تفضل الأطر المفتوحة التي تسمح بإعادة التعديل كلما تغيرت الظروف. وفي النهاية قد لا يكون السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة: هل وقع الاتفاق؟ بل: هل بدأت المنطقة تتحرك بالفعل وفق قواعد جديدة؟ لأن إعادة رسم الخرائط لا تبدأ عادة بتوقيع كبير أمام الكاميرات، بل تبدأ بعبارات قصيرة تبدو عادية، ثم يكتشف الجميع بعد سنوات أن المسار كان يعمل منذ البداية وأن ما بدا مجرد تفاهمات كان في الحقيقة بداية هندسة جيوسياسية كاملة.

إلى الأعلى
×