بقلم كمال عمروسية
في صباح يوم السبت الموافق لـ 28 فبراير/فيفري من سنة 2026 اندلعت الحرب على إيران إثر هجمات منسّقة بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، كان قد أطلق عليها دونالد ترامب اسم “الغضب الملحمي”، أمّا نتنياهو فقد أطلق عليها “زئير الأسد”. ومن بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية تقويض النظام الإيراني وإسقاطه مع تدمير القدرات العسكرية والنووية الإيرانية وتحجيم أو إنهاء دوره الإقليمي وخاصة ارتباطه بجذور المقاومة في لبنان وفلسطين، وبطبيعة الحال مع أهداف اقتصادية واستراتيجية أخرى أبرزها الحد من توسع نفوذ المارد الصيني. وبعد أكثر من ثلاثة أشهر من الحرب والمواجهة العسكرية والاقتصادية، تم يوم الأربعاء 17 جوان الجاري الإعلان عن مذكرة تفاهم بين الطرف الإيراني من ناحية والطرف الأمريكي من ناحية ثانية تمّ التوقيع عليها إلكترونيا. وقد جاء هذا الإعلان ليضع حدّا لحرب في ظاهرها مشهدية إلا أن جوهرها بمثابة كسر عظام بالنظر لمآلاتها وانعكاساتها على طرفي النزاع من ناحية، وقياسا لتأثيراتها المباشرة على ديناميكية الاقتصاد العالمي من ناحية أخرى.
فما هو مضمون مذكرة الاتفاق؟ وهل انتهت الحرب فعلا؟ وفي مصلحة أي جانب؟ وما هي تداعياته على الإدارة الأمريكية وعلى العدو الصهيوني؟ وماهي انعكاساتها على الواقع الإيراني وفصائل المقاومة؟ هذه مجموعة من الأسئلة الوجيهة وغيرها كثير التي تهيمن على متابعي هذه الحرب.
مضمون مذكرة إيقاف الحرب
كان من المؤمّل أن يقع توقيع الاتفاق حضوريا في سويسرا يوم الجمعة 19 جوان بحضور كل من دونالد ترامب ونظيره الرئيس الإيراني مسعود بزكشيان، إلا أنه تمّ الاستعاضة عن ذلك، وتمّ التوقيع إلكترونيا من الجانبين، بالنسبة للرئيس الإيراني من مكتبه في طهران أما الرئيس الأمريكي فقد وقّع في قصر فرساي بحضور الرئيس الفرنسي إيمانيوال ماكرون. تجدر الإشارة أن هذا الاتفاق هو الثاني بين الطرفين في ظرف العشر سنوات الأخيرة، إذ سبقه اتفاق مع أوباما الرئيس الأمريكي الأسبق سنة 2015 وكان مؤلفا من 18 صفحة في حين أن المذكرة الحالية تتألف من 14 فقرة فقط. إن المتمحّص في مفاصل الاتفاق يدرك أنه بمثابة إعلان عن هدنة ناهيك أنه تمّ تحديد مهلة لمفاوضات التسوية تمتد لـ 60 يوما قابلة للتجديد في انتظار صياغة اتفاق نهائي وشامل. بهذا المعنى، من الوارد أن لا يبلغ الطرفان اتفاقا نهائيا وبذلك يقع التمديد في المفاوضات لأشهر وربما لسنوات والى حين ذلك سيُروّج كلا الطرفان أنه حقق إنجازا وانتصارا.
من النقاط الرئيسية التي تضمنتها مذكرة التفاهم الإنهاء الفوري للحرب على جميع الواجهات بما فيها الواجهة اللبنانية مع تعهد كل من إيران والولايات المتحدة الأمريكية احترام سيادة كل منهما مع عدم التدخل في الشؤون الداخلية لكليهما. كما سيتم رفع الحصار البحري على إيران مع استعادة حركة الملاحة البحرية لطاقتها الكاملة في غضون شهر كحد أقصى. وإثر التوقيع مباشرة يستوجب على إيران فتح مضيق هرمز من أجل استئناف حركة السفن بالإضافة إلى إزالة العوائق التقنية وتحييد الألغام. أمّا الجانب الأمريكي فهو مطالب بإنهاء جميع أنواع العقوبات المفروضة حاليا على إيران وفقا لجدول زمني يتمّ الاتفاق عليه وفقا لمقتضيات الاتفاق النهائي، هذا وتتعهد الولايات المتحدة الأمريكية مع شركائها بإنشاء صندوق لا تقل قيمته عن 300 مليار دولار لإعادة الإعمار والمساهمة في تعافي وتنمية الاقتصاد الإيراني.
إن الاتفاق الإيراني الأمريكي لا يبدو صلبا بل تعتريه هشاشة وغموض كبيرين. فباستثناء الإيقاف الفوري للحرب وفتح مضيق هرمز فإن أغلب النقاط الأخرى مؤجلة ومرهونة بمآلات المفاوضات القادمة، إلى ذلك يمكن اعتبار اتفاق 17 جوان اتفاقا إطاريا وإعلانا عن هدنة في انتظار خواتيم المفاوضات التي من المرجح أنها ستتجاوز الشهرين. في تقديرنا إن هذا الاتفاق لن يضع حدا للصراع الأمريكي الإيراني بل هو نتيجة منطقية وموضوعية لما أفرزه ميزان قوى المعركة العسكرية والسياسية والاقتصادية، وبذلك يظل هذا الاتفاق على مرمى حجر من أي خلاف أو تعثر أو أي حادث أمني وغيرها من الأسباب التي قد تؤدي إلى إيقافه وتعطيله وإشعال فتيل الحرب من جديد.
انعكاسات الاتفاق على الإدارة الأمريكية والعدو الصهيوني
آخر شهر فيفري من السنة الجارية ومع انطلاق العملية العسكرية على إيران كان دونالد ترامب يمنّي النفس بتحقيق انتصار ساحق من خلال حرب خاطفة وتحقيق مكاسب منقطعة النظير في ظرف وجيز، لكن مع تتالي الأيام وإن كانت الإدارة العسكرية الأمريكية قد نجحت في تحقيق مكاسب جزئية متمثلة أساسا في الاغتيالات العسكرية والسياسية إلا أنها جوبهت بمقاومة عنيدة ولم تفلح في إسقاط النظام الإيراني ولم تستطع تدمير قدراته العسكرية بل إن حرب الأشهر وبعد إيقافها يطرح أكثر من سؤال حول مدى الهيمنة الأمريكية ونفوذها اللامتناهي وآلاتها العسكرية المتطورة. لن نجانب الصواب إذا اعتبرنا أن أهداف ترامب وحلفائه المعلنة في خصوص الحرب لم يتحقق منها إلا النزر القليل ومن المنتظر بعد نهاية المعارك إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية علاوة على صعود قوى أخرى منها الصينية إلى لعب أدوار متقدمة في المنطقة حتى على حساب الولايات المتحدة الأمريكية. أما بخصوص العلاقات الأمريكية الصهيونية فغالبا لن يحدث شرخ عميق على أواصرها وثوابتها ومستقبلها. لكن ذلك لا يعني مطلقا أن الجانب الإسرائيلي قد وقع تغييبه وقد يكون الخاسر الأكبر ناهيك أنه لم يشارك في المفاوضات ولم يكن طرفا في الاتفاق بل أنه على الأرجح لم يطلع عليه مسبقا. إذا كان نتنياهو لم يوجه انتقادات مباشرة لمشروع ونص الاتفاق وأحجم عن نقده ونقد الإدارة الأمريكية بل إنه انتهج خطابا حذرا إزاءه، فإن وزراء وأعضاء الكنيست من حزب الليكود صبّوا جام غضبهم على مذكرة التفاهم وأكدوا أن “إسرائيل” غير ملزمة بأي شكل من الأشكال بما بلغته المفاوضات. كما أن أحدث استطلاع للرأي يكشف أن 18% فقط من الإسرائيليين يعتقدون أن الاتفاق إيجابيا في حين أن 55% يصفونه بالسيئ وحتى بالمُشين، هذا ويرى 70% أن مخاوفهم من إيران لم تبددها الحرب الأخيرة.
تداعيات الاتفاق على إيران ومحور المقاومة
أما عن إيران فإن النقطة الأولى من مذكرة الاتفاق التي تتضمن الوقف الفوري لإطلاق النار كفيلة بأن تبعد شبح الدمار على البلاد وتنعش الشعب الإيراني وتعيد السكينة والطمأنينة إلى نبض الشارع. هذا وقد ضمن النظام الإيراني ديمومته، بل إنه خرج بنصر ديبلوماسي وسياسي وحتى عسكري قد يحوّل لاحقا إيران إلى أبرز القوى الإقليمية ويمكنها الاتفاق من إعادة خلط الأوراق من جديد وترتيب البيت الداخلي والعمل على تطوير قدراتها على جميع الأصعدة والمستويات ومجابهة التحديات في المستقبل. لقد أثبتت تجربة الحرب الأخيرة أن إيران محنكة وفي وسعها أن تواجه آلة الحرب الأمريكية وبإمكانها استعمال عديد الأوراق المؤثرة في الحرب من بينها الأدوات الاقتصادية خاصة استعمال مضيق هرمز كوسيلة ضغط ناجعة أثبتت جديتها وراهنيتها في تغيير معادلات الحرب. كما أن الجغرافيا الإيرانية تمكنها من إدارة الصراع الحربي في مناخ سانح لعدم تحقيق انتصارات عسكرية بالسهولة المنتظرة، فهناك تقارير استخباراتية تشير إلى أن إيران أدركت حجم القوة والتأثير الذي في حوزتها إذ تعتبر صحيفة ايدعوت احرنوت أن “الولايات المتحدة منحت إيران عمليا سيطرة غير مباشرة على المضيق وهو سلاح يفوق في تأثيره أي سلاح نووي” كما بات جليا أن الاتفاق الحاصل لا يتضمن حلا نهائيا للملف النووي الإيراني هذا وستتمتع إيران أيضا بتسهيلات اقتصادية في مجال صادرات النفط ومشتقاته كما ستتمتع برفع تدريجي للعقوبات سواء كانت الأمريكية أو الأممية المرتبطة بالوكالة الذرية للطاقة النووية.
إن الاتفاق الحاصل بين الطرف الأمريكي والإيراني سيلقي بظلاله على محور المقاومة، من المعلوم أن مرحلة تعظيم النفوذ الأمريكي الإسرائيلي وحلم مشروع الشرق الأوسط الكبير تلقى ضربة موجعة وبان بالكاشف أن تحقيق هذا البرنامج ليس بالأمر اليسير، وستوضع أمامه فخاخ في كل زمان ومكان ففصائل المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن ستتاح لها الفرصة للحد من خسائرها الموجعة ولملمة جراحها بالنظر لأن مستقبل هذه الأذرع مرتبط ارتباطا وثيقا بمآلات الحرب على إيران وكل انتصار ومكسب سيشع عليها إذ أن المعطى الموضوعي قد يفرض سياسة كبح الجماح في السياسة الحربية الأمريكية الإسرائيلية وإذا ما كُتب للاتفاق أن يرى النور بصفة نهائية سيتيح فرصة للمقاومة الباسلة لإعادة التموضع وتشكيل وتطوير قواها خاصة بعد الخسائر البشرية والمادية والعسكرية التي طالتها. علينا أن ندرك أنه من مرحلة وشعار إسقاط النظام الإيراني إلى عقد تفاهمات واتفاقات معه سيوفر مناخا ملائما للمقاومة في فلسطين ولبنان… من أجل إعادة بناء وتطوير مشروعها الخاص.
علينا أن نسلم أن الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية يمثل هدنة وإعلان نهاية جولة أولى من الحرب قد تعقبها جولات أخرى مستقبلا. فالمشاريع تقف على طرفي نقيض إذ أن إيران تطمح إلى تشكيل دولة توسعية قوية اقتصاديا وعسكريا ما يتيح لها لعب أدوار إقليمية من موقع متقدم، كما أنها لا تخفي دعمها لفصائل المقاومة التي تمثل كابوسا حقيقيا وجديا أمام المشروع الأمريكي التوسعي والهيمني وعائقا أمام تطوير وإنجاز برنامج تحالفها مع الكيان الاستيطاني الصهيوني ولذلك من المرجح أن يظل التوتر وشبح الحروب مخيما على المنطقة في المستقبل.
صوت الشعب صوت الحقيقة
