الرئيسية / صوت الوطن / حين لا يكون انقطاع الكهرباء مجرّد ظلام كيف تتحوّل ساعتان بلا تيّار إلى أزمة ماء وصحّة ومحروقات؟
حين لا يكون انقطاع الكهرباء مجرّد ظلام كيف تتحوّل ساعتان بلا تيّار إلى أزمة ماء وصحّة ومحروقات؟

حين لا يكون انقطاع الكهرباء مجرّد ظلام كيف تتحوّل ساعتان بلا تيّار إلى أزمة ماء وصحّة ومحروقات؟

 بقلم فؤاد علي

في مزرعة ببنزرت، وقف مربّي دواجن أمام حفرة كبيرة حفرها ليدفن فيها آلاف الدجاجات. انقطعت الكهرباء ساعات في ذروة موجة الحرّ، فتوقّفت التهوية والتبريد وتوزيع الماء والعلف، ونفقت أكثر من 90% من نحو 10 آلاف طير في ظرف ساعات قليلة.

هذه ليست قصّة عن الكهرباء. هذه قصّة عن كيفية اشتغال الأزمات.

نحن نتعامل مع انقطاع التيّار كأنّه مشكلة تقنية عابرة تُحلّ بعودة الضوء. لكن الأزمات لا تمشي في خطّ مستقيم، بل تتحرّك على شكل «حلقة دومينو»: كلّ عطل بسيط يولّد سلسلة تفاعلات متلاحقة تنقلنا من إزعاج ظرفي إلى أزمة مجتمعية شاملة.

إليكم الحلقات، واحدة واحدة، بالأرقام.

الحلقة الأولى: الفجوة التي لم تُبنَ في يوم

في جويلية 2026 بلغت ذروة الطلب على الكهرباء نحو 5000 ميغاواط، بزيادة تجاوزت 30% عن المستويات المعتادة، بينما لم تتجاوز القدرة الإنتاجية الفعلية المتاحة في ساعات الذروة حوالي 4630 ميغاواط. الفارق بين الرقمين هو بالضبط سبب القطع الدوري (Délestage): إمّا أن تقطع على مناطق، أو ينهار النظام كلّه.

للمقارنة: الرقم القياسي السابق للاستهلاك كان 4888 ميغاواط يوم 14 أوت 2024. أي أنّنا كسرناه هذه السنة.

لكنّ موجة الحرارة (أكثر من 48 درجة، وقرابة 50 في بعض الجهات) لم تكن السبب، بل الكاشف. الأرقام تقول ذلك بوضوح:

  • استثمارات الستاغ في وسائل الإنتاج تراجعت بنسبة 87% تقريبًا: من حوالي 1947 مليون دينار (2016–2020) إلى 248 مليون دينار فقط (2021–2025).
  • الطلب واصل النمو بمعدّل 3.8% سنويًا بين 2021 و2025.
  • لم تُسجَّل إضافات كبرى في القدرة الإنتاجية منذ 2022، فتقلّص هامش الاحتياط الذي تعتمد عليه الشبكة في الذروة.
  • أكثر من 90% من كهربائنا تُنتج من الغاز الطبيعي، مع تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع التوريد، خاصة من الجزائر (نحو 9% إلى 14% من حاجيات السوق).
  • الستاغ نفسها تحت ضغط مالي خانق: مديونية بلغت 7.36 مليار دينار إلى جوان 2026، مقابل ديون غير مستخلصة لديها تناهز 6.06 مليار دينار.

خلاصة الحلقة الأولى: عندما يكبر الطلب 3.8% سنويًا وتنكمش الاستثمارات 87%، فالنتيجة مسألة وقت لا مسألة طقس. الحرارة فقط اختارت الموعد.

الحلقة الثانية: الكهرباء والماء توأمان، لا قطاعان

هذه هي النقطة التي يغفل عنها أغلب النقاش العمومي: الماء في تونس هو منتوج كهربائي.

  • الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (الصوناد) هي أكبر حريف للستاغ. قالها مديرها العام بنفسه.
  • المتعاملون العموميون في قطاع الماء (الصوناد، الديوان الوطني للتطهير، الشركة الوطنية لاستغلال قنال مياه الشمال) يستهلكون 815 جيغاواط ساعة سنويًا، أي 4.1% من الاستهلاك الكهربائي الوطني.
  • الكهرباء تمثّل حوالي 28% من سعر تكلفة الماء لدى الصوناد، ومن المنتظر أن ترتفع هذه الحصّة إلى 35% في أفق 2030 مع استهلاك يناهز 1000 جيغاواط ساعة سنويًا.

معنى ذلك بلغة بسيطة: كلّ ساعة قطع كهرباء على محطة ضخّ هي ساعة لا يصعد فيها الماء إلى الخزّانات. والشبكة أصلًا مصمّمة لتزويد نحو 80% من المشتركين في الوقت نفسه، وتشتغل صيفًا في أقصى طاقتها وأحيانًا فوقها.

النتيجة على الأرض: سجّل المرصد التونسي للمياه خلال جويلية 2026 عدد 608 تبليغات مرتبطة باضطرابات التزوّد بالماء — أعلى حصيلة شهرية منذ بداية السنة — منها 549 تبليغًا حول انقطاعات غير معلنة. وقفزت التحرّكات الاحتجاجية إلى 34 تحرّكًا في جويلية مقابل 23 في جوان.

الحلقة الثالثة: «العطش المركّب» وقارورة الماء المفقودة

هنا تبدأ الحلقة الأكثر إثارة للحيرة عند المواطن: لماذا تختفي قوارير الماء من الرفوف؟ الآلية بسيطة ومنطقية، وهي تتمّ على أربع مراحل.

أوّلًا، القطع الدوري يوقف خطوط الإنتاج والتعبئة في المعامل. التعبئة ليست حنفية تُفتح وتُغلق: كلّ انطلاقة جديدة تعني وقتًا ضائعًا، وأحيانًا تلفًا في التجهيزات.

ثانيًا، في الأيّام الأولى لا نشعر بشيء، لأنّ المخزون لدى الموزّعين الكبار (Grossistes) يمتصّ الصدمة. هذا ما يخدع الجميع.

ثالثًا، عندما يقترب المخزون من النفاذ، ينطلق «سلوك الخوف»: المستهلك يشتري ثلاث مرّات حاجته تحسّبًا، والتاجر يخزّن، وبعضهم يتحوّل إلى بائع بشروط. هذه ظاهرة معروفة في علم سلاسل الإمداد باسم «أثر السوط» (Bullwhip Effect): اهتزاز صغير في آخر السلسلة يتضخّم إلى موجة عاتية في أوّلها.

رابعًا، وفي نفس الوقت، ترتفع كلفة الإنتاج على المصنع (ساعات عمل إضافية، صيانة مكثّفة، تلف)، ومع عجزه عن تعديل أسعاره يعود للعمل بنسق عادي غير حريص. فتتقلّص الكمّيات مرّة ثانية.

وفوق كلّ هذا: تعطّل مضخّات الماء في العمارات والمنازل بسبب انقطاع الكهرباء، فيتحوّل جزء من الطلب على ماء الحنفية إلى طلب إضافي على الماء المعلّب… المفقود أصلًا.

الوقائع تؤكّد هذه السلسلة: أعلن رئيس غرفة أصحاب المساحات التجارية الكبرى يوم 28 جويلية 2026 أنّ كامل مخزون المياه المعلّبة لدى المساحات الكبرى قد استُهلك، وربط النقص مباشرة بالقطع الدوري للكهرباء وتأثيره على نسق إنتاج المعامل. وبلغ الأمر حدّ ترشيد البيع (قارورة واحدة للفرد أحيانًا)، ثمّ تدخّل السلطات بتحديد أسعار قصوى للبيع بداية من 19 أوت 2026، مع حجز أكثر من 147 ألف لتر إثر تجاوزات في الأسعار.

هكذا تحوّل عطل تقني في محوّل كهربائي إلى ملفّ احتكار ومضاربة وتسعيرة إدارية. أربع حلقات، وأربعة أسابيع.

الحلقة الرابعة: الفخّ الأخطر… وهم الاستثناء

نعتقد جميعًا أنّ المستشفيات في منأى عن القطع. وقد نفت وزارة الصحّة فعلًا قطع الكهرباء عن المؤسّسات الصحّية. لكن «الاستثناء» على الورق شيء، والاستثناء على الشبكة شيء آخر تمامًا. وهذه نقطة تقنية يجب أن يفهمها الجميع:

المستشفى ليس «نقطة» على الشبكة، بل موقعٌ يُغذَّى من منطلق متوسّط الجهد (Départ MT) يتقاسمه غالبًا مع أحياء سكنية كاملة. لذلك، استثناء مستشفى من القطع يعني عمليًا أحد أمرين: إمّا استثناء الحيّ كلّه، أو بناء منطلق مخصّص ومضمون له وحده. الخيار الثاني مشروع هندسي بكلفة ومدّة إنجاز، وليس قرارًا إداريًا.

وحتّى في غياب القطع المبرمج، تبقى المؤسّسات الصحّية معرّضة: تحت ضغط الحرارة العالية تزيد الأعطاب الفجائية في المحوّلات المشتركة.

ثمّ يأتي السؤال الحقيقي: وماذا عن المولّد الاحتياطي؟ هنا مربط الفرس، من واقع الميدان:

  • أغلب المولّدات في مؤسّساتنا الصحّية مواصَفاتها مبنيّة على فرضية «انقطاع نادر وقصير» (بضع ساعات، بضع مرّات في السنة). صيف 2026 فرض عليها نمطًا مختلفًا كلّيًا: تشغيل شبه يومي ومتكرّر لأسابيع. هذا يغيّر كلّ شيء: استقلالية الوقود، دورية تغيير الزيت، حالة بطارية الإقلاع، تآكل ملامسات القاطع.
  • نقطة الفشل الحقيقية نادرًا ما تكون المولّد نفسه، بل قالب التحويل الآلي (Inverseur automatique / ATS) أو بطارية الإقلاع الفارغة.
  • والأخطر: مولّد لم يخضع أبدًا لاختبار حقيقي تحت الحمولة (Essai en charge / Load bank) هو مولّد احتمال اشتغاله مجهول. التشغيل الشهري بلا حمولة ليس اختبارًا، بل طمأنة زائفة، وهو يتسبّب على المدى الطويل في ظاهرة الاشتغال الرطب (Wet stacking) التي تُتلف المحرّك.

والثمن الإنساني… ليس حيث نظنّ

كشف رئيس المنظمة التونسية للأطبّاء الشبّان، الدكتور وجيه ذكار، أنّ تقديرات أوّلية استندت إلى معطيات من أكثر من 30 مستشفى جامعي وجهوي تشير إلى تسجيل ما بين 150 و200 حالة وفاة بضربات الحرّ خلال أيّام قليلة من جويلية 2026.

وهنا يجب تصحيح مفهوم شائع: «ضربة الشمس» لا تعني بالضرورة التعرّض المباشر لأشعّة الشمس. إنّها حالة ترتفع فيها حرارة الجسم فوق 40 درجة مع فقدانه القدرة على تبريد نفسه، فتحدث اضطرابات في الوعي قد تصل إلى الغيبوبة. وقد أوضح الدكتور ذكار بصريح العبارة أنّ هذه الحالات قد تصيب أشخاصًا بقوا داخل منازلهم، في غياب التكييف وانقطاع الكهرباء والماء، ممّا يمنعهم من خفض حرارة أجسامهم.

اقرؤوا هذه الجملة مرّتين. إنّها الحلقة كاملة في سطر واحد: قطع كهرباء ← توقّف المكيّف ← فقدان الجسم لقدرته على التنظيم الحراري ← وفاة.

وما يترتّب عن ذلك يقلب طريقة تفكيرنا رأسًا على عقب: في موجة حرارة تتجاوز 48 درجة، لم يعد التكييف رفاهية استهلاكية نطالب المواطن بترشيدها، بل أصبح عند كبار السنّ وأصحاب الأمراض المزمنة والرضّع جهاز إنعاش. وهذا يضع دعوة الترشيد في ساعات الذروة أمام تناقض حقيقي يجب الاعتراف به ومعالجته بحلول تقنية — تخزين، إزاحة ذروة، تعريفة ذكية، نقاط تبريد عمومية — لا بخطاب أخلاقي موجّه إلى المواطن وحده.

وإلى جانب ذلك: تحدّث أطبّاء بمستشفى طبّ الرضيع والتوليد بتونس عن اضطرارهم لاستعمال أدوات التنفّس اليدوي لإنقاذ خُدَّج بعد توقّف الأجهزة، وسجّل مستشفى عبد الرحمان مامي بأريانة توافدًا ملحوظًا لمرضى القصور التنفّسي المزمن تزامنًا مع الانقطاعات. أمّا ما تناقلته وسائل التواصل عن وفيات مرضى الأكسجين المنزلي، فهو في معظمه شهادات عائلات لم تُؤكَّد رسميًا، ويبقى مؤشّرًا على الخطر أكثر منه حصيلة موثّقة.

والمشكلة الأكبر أنّ الحصيلة الرسمية غير موجودة أصلًا: إلى غاية أواخر جويلية 2026 لم تنشر وزارة الصحّة أيّ بيانات دورية حول الوفيات والإصابات المرتبطة بموجة الحرّ، حتّى اضطرّ نوّاب بالبرلمان إلى توجيه أسئلة كتابية للوزير يطالبون فيها بحصيلة مفصّلة حسب الولايات والفئات العمرية، وبعدد الحالات التي استوجبت الإنعاش، وبموقف الوزارة من إعلان حالة تأهّب صحّي.

بلد لا يعدّ ضحاياه لا يستطيع أن يحسّن استعداده. الإحصاء ليس ترفًا إداريًا، بل هو الشرط الأوّل لأيّ خطّة وقاية.

وفي المقابل، تستحقّ بعض المبادرات الجهوية التنويه لأنّها أثبتت أنّ الحلّ ممكن وبكلفة زهيدة: أعلنت معتمديات بسيدي بوزيد جاهزية مستشفياتها المحلّية لإيواء المرضى المعتمدين على أجهزة الأكسجين المنزلية أثناء الانقطاعات، مع تأمين نقلهم عبر الحماية المدنية. هذا بالضبط ما يجب تعميمه وطنيًا، إلى جانب سجلّ وطني للمرضى المعتمدين على تجهيزات طبّية منزلية — مطلب رفعته العائلات، كلفته شبه صفرية، وأثره مباشر على الأرواح.

الحلقة الخامسة: النزيف الصامت القادم في ميزانية الدولة

هذه الحلقة هي الأخطر ماليًا، وهي الأقلّ حضورًا في النقاش.

فالتحوّل الجماعي نحو المولّدات الخاصّة، عاجلًا أو آجلًا، ليس حلًّا مؤقّتًا، بل سيولّد تغييرًا هيكليًا في نمط استهلاك المحروقات. إنّه ينقل عبء التوليد من الغاز الطبيعي في المحطّات المركزية إلى الغازوال المدعوم في محرّكات موزّعة. والفارق ليس تفصيلًا:

محطّة دورة مركّبة تحوّل ما بين 50% و58% من طاقة الوقود إلى كهرباء. مولّد ديزل متوسّط أو صغير يحوّل عمومًا بين 30% و38%، وأقلّ بكثير عند اشتغاله بحمولة جزئية (وهي الحالة الغالبة).

بلغة الميزانية: كلّ كيلوواط ساعة يهاجر من الشبكة المركزية إلى مولّد خاصّ يستهلك طاقة أوّلية أكبر، ويستبدل غازًا بمحروق سائل مورَّد ومدعوم. إنّه أغلى على العائلة، وأغلى على الدولة، وأثقل على الميزان التجاري، في آن واحد.

والسياق المالي لا يحتمل:

  • العجز الطاقي بلغ سنة 2025 حوالي 6.3 مليون طن مكافئ نفط، أي نحو 65% من الحاجيات الوطنية.
  • ميزانية دعم الطاقة قاربت 9% من إجمالي ميزانية الدولة.
  • قانون المالية 2026 برمج نحو 4993 مليون دينار لدعم المحروقات والكهرباء (منها 3138 م.د للستاغ و1855 م.د لشركة التكرير)، أي بتقليص 726 م.د مقارنة بـ2025.
  • وكلّ دولار إضافي في سعر برميل النفط يكلّف الميزانية حوالي 160 مليون دينار.

بعبارة أخرى: القطع الدوري لا يوفّر على الدولة، بل يحوّل الكلفة من خانة إلى خانة — ومن الخانة الأرخص إلى الأغلى.

الحلقة السادسة: عندما تصبح الكهرباء امتيازًا

الأزمة تفرز مجتمعًا بسرعتين: من يستطيع شراء مولّد أو بطارية أو منظومة شمسية، ومن لا يستطيع.

المؤشّرات موجودة: بلغت القدرة الجملية للتجهيزات الكهروضوئية المركّبة نحو 630 ميغاواط إلى موفى جوان 2026، منها حوالي 500 ميغاواط على أسطح المنازل. وارتفعت حصّة المتجدّدة إلى 9.2% من إنتاج الكهرباء، مقابل حوالي 4% سنة 2025. وهذا في حدّ ذاته تطوّر إيجابي يجب البناء عليه.

لكن حين يكون الدافع الأساسي هو الهروب من الشبكة لا تحسينها، تتحوّل الطاقة من خدمة عمومية إلى سلعة يحدّدها الدخل. وهذا مسار له سابقة موثّقة بالأرقام، ولا نريد أن نسلكه.

ثلاث تجارب: واحدة تحذّرنا، وواحدة تُلهمنا، وواحدة تُعلّمنا

لبنان — السيناريو الأسود: ماذا لو تركنا الأمر يمتدّ عشرين سنة؟

هذه هي التجربة التي يجب أن تُقرأ في تونس بعناية شديدة، لأنّها ليست نبوءة بل واقع محسوب:

  • الكهرباء العمومية تراجعت إلى ساعات قليلة يوميًا، فحلّت محلّها منظومة «المولّدات» الموازية.
  • قيمة الغازوال المورَّد لتشغيل المولّدات الخاصّة ارتفعت من نحو 900 مليون دولار سنويًا سنة 2017 إلى حوالي 1.9 مليار دولار سنة 2022.
  • السوق غير المنظّمة للمولّدات تُقدَّر بنحو 3 مليارات دولار سنويًا، بأسطول يتراوح بين 33 و37 ألف وحدة.
  • فواتير المولّدات بلغت في المعدّل حوالي 44% من الدخل الشهري للأسرة سنة 2023، وقرابة 88% لدى الأسر الأشدّ فقرًا.
  • وقدّرت دراسة أنّ تلوّث المحروقات يكلّف لبنان حوالي 1.4 مليار دولار سنويًا (نحو 2% من الناتج المحلّي)، مع آلاف الوفيات المبكّرة.

الدرس: المولّد الخاصّ حلّ فردي عقلاني، لكنّه إذا تحوّل إلى نظام وطني بديل، سيصبح أغلى من الشبكة التي كنّا نشتكي منها — وأكثر تلويثًا، وأقلّ عدالة.

جنوب إفريقيا — الدليل على أنّ خلية الأزمة تشتغل فعليًا

عاشت جنوب إفريقيا سنوات من القطع الدوري تجاوز أحيانًا 8 ساعات يوميًا. ما فعلته سنة 2022 هو بالضبط ما ندعو إليه:

  • أحدثت «اللجنة الوطنية لأزمة الطاقة» (NECOM) بقيادة من رئاسة الجمهورية، بثمانية محاور عمل وأكثر من 100 إطار سامٍ من مختلف الوزارات والمؤسّسة العمومية للكهرباء.
  • فكّكت العوائق الإدارية: إلغاء شرط الرخصة لمشاريع الإنتاج، تقليص آجال التراخيص البيئية من أكثر من 100 يوم إلى 57 يومًا، وآجال التسجيل من 4 أشهر إلى 3 أسابيع.
  • وأعلنت حالة كارثة وطنية مكّنت من استثناء المستشفيات ومحطّات معالجة المياه والموانئ والسكك الحديدية من القطع بكلّ الطرق.

النتيجة: البلد سجّل لاحقًا أكثر من 300 يوم متتالٍ بدون قطع دوري، وتمّ استنساخ النموذج نفسه لأزمتي اللوجستيك والماء.

وملاحظة أمينة ومهمّة: حتّى هناك، حذّرت المؤسّسة العمومية من أنّ عزل أغلب المؤسّسات الصحّية عن القطع صعب تقنيًا، وقُدّرت الكلفة بمليارات الراند. أي أنّ «الاستثناء» ليس توقيعًا، بل مشروع بنية تحتية يبدأ من اليوم.

تكساس 2021 — الدومينو في أنقى صوره

عاصفة «أوري» لم تكن أزمة كهرباء فقط:

  • أكثر من 4.5 مليون مشترك بلا كهرباء، وفقدان يقارب 30 جيغاواط من القدرة.
  • تجمّد منشآت الغاز خفّض الإنتاج بنحو 50%، فحرم محطّات الكهرباء من وقودها: حلقة تغذية راجعة سلبية بين منظومتين.
  • صدر 1105 إشعارات «غليان الماء» شملت حوالي 14.5 مليون ساكن.
  • وبعد أربعة أيّام، كان 1.4 مليون شخص ما زالوا بلا ماء صالح للشرب موثوق.

الدرس الأقسى: تكساس كانت قد تلقّت تحذيرًا مماثلًا سنة 2011 ولم تحصّن منظومتها. صيف 2026 هو «لحظة 2011» التونسية. السؤال هو ماذا سنفعل بها.

لماذا «خلية أزمة الطاقة» ضرورة حياتية لا رفاهية إدارية؟

الإدارات التقليدية تفكّر في «جزر منفصلة»: وزارة الطاقة تعالج الكهرباء، ووزارة التجارة تتابع الأسواق، ووزارة الصحّة تتدخّل في المستشفيات، ووزارة الفلاحة تتلقّى شكاوى المداجن. هذا الفصل المؤسّساتي ليس تفصيلًا تنظيميًا، بل هو ذاته المضاعف الأكبر للأزمة: لا أحد مسؤول عن الحلقات، الكلّ مسؤول عن حلقته.

خلية أزمة الطاقة جهاز عابر للوزارات، بصلاحيات تنفيذية وأجندة معلنة، ومهامّها قابلة للقياس:

  1. خارطة الأحمال الحيوية: جرد وطني للمنطلقات الكهربائية التي تغذّي المستشفيات ومحطّات الضخّ ومحطّات المعالجة ومصانع التعبئة وسلسلة التبريد. لا يمكن حماية ما لم نضع له خريطة.
  2. تحصين الشرايين قبل الصيف القادم: منطلقات مخصّصة للمواقع الحرجة حيثما أمكن، وحيثما تعذّر ذلك: مولّد + اختبار سنوي تحت الحمولة + استقلالية وقود دنيا 72 ساعة + صيانة موثّقة لقالب التحويل الآلي. هذا هو الفرق بين استثناء نظري واستثناء حقيقي.
  3. منظومة صحّية استباقية للحرّ: سجلّ وطني للمرضى المعتمدين على تجهيزات طبّية منزلية بالتنسيق بين وزارة الصحّة والستاغ؛ نشر حصيلة دورية للوفيات والإصابات المرتبطة بموجات الحرّ كما تفعل دول كثيرة؛ وشبكة «نقاط تبريد» عمومية معلومة مسبقًا (قاعات بلدية، مراكز صحّية، دور شباب) مضمونة التزوّد بالكهرباء.
  4. استباق سلاسل الإمداد: رصد يومي لمخزون الماء المعلّب وحركة التوزيع، وتوفير وقود مباشر للمنشآت الحيوية بدل إرباك محطّات الوقود العامّة، والتدخّل قبل أن يتحوّل النقص إلى احتكار — لا بعده.
  5. إدارة الذروة بدل تحمّلها: القطاع الصناعي يستأثر بحوالي 60% من طلب حرفاء الجهدين العالي والمتوسّط. عقود قابلية القطع الطوعية مقابل تحفيزات، وتعريفة حسب ساعات اليوم، وبرامج ترشيد التكييف في الإدارات، تشتري ميغاواطات بكلفة أقلّ بكثير من بناء محطّة.
  6. التخزين والشمسي على المواقع الحرجة: منظومات شمسية مع بطاريات على محطّات الضخّ والمستشفيات. الصوناد أصلًا تعمل على هذا المسار (محطّة 512 كيلوواط ذروي بموقع شطّ الفجيج، ومشروع كهروضوئي عائم على مياه غدير القلة). المطلوب تسريعه لا اختراعه.
  7. الشفافية: نشر برنامج القطع مسبقًا وبمهلة كافية، ونشر حصيلة الأضرار بصدق. المعلومة الدقيقة تُهدّئ السوق، والغموض هو ما يغذّي الاحتكار والذعر.

الخلاصة

الأزمة الحقيقية ليست في نقص الإمكانيات، بل في غياب الرؤية التي تقرأ المنظومة كوحدة واحدة: كهرباء وماء وصحّة ومحروقات وغذاء وثقة عمومية.

كلّ حلقة عالجناها بمفردها، عادت إلينا مضاعفة من الحلقة المجاورة.

الحرارة ستعود في جويلية القادم. الشهور الفاصلة هي كلّ ما نملك. ويجب ألّا ننتظر انقطاع كلّ شيء لنبدأ في التفكير.

المصادر

تصريحات الرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز؛ المرصد الوطني للطاقة والمناجم؛ المرصد التونسي للاقتصاد؛ المرصد التونسي للمياه؛ المنظمة التونسية للأطبّاء الشبّان؛ أسئلة كتابية لنوّاب مجلس نوّاب الشعب إلى وزير الصحّة (جويلية 2026)؛ الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (الصوناد)؛ وزارة المالية وقانون المالية 2026؛ الجزيرة نت؛ فرانس 24؛ يورونيوز؛ تقارير هيومن رايتس ووتش والبنك الدولي حول لبنان؛ رئاسة جمهورية جنوب إفريقيا (NECOM)؛ دراسات منشورة حول عاصفة Uri بتكساس.

ملاحظة: نسب مردود المحطّات والمولّدات مذكورة كمجالات هندسية نموذجية للتوضيح، وتختلف حسب التجهيز وظروف الاستغلال.

إلى الأعلى
×