بقلم سمير جراي
عندما قال أحمد مطر قصيدته الفريدة الرائعة:
زار الرئيس المؤتمن
بعض ولايات الوطن
وحين زار حيّنا
قال لنا:
هاتوا شكاواكم بصدقٍ في العلن
ولا تخافوا أحدا فقد مضى ذاك الزمن..
كان يرى أن أعلى درجات النفاق السياسي وكذب الرؤساء، في الدولة التي يتحدث عنها، أن يتفقّد المسؤول أحوال المواطنين ثم لا ينفّذ أي من مطالبهم، بل ويجري اعتقال من طالب بصدق وفي العلن كما طلب الرئيس.
في القصيدة، أبدع أحمد مطر في وصف المسؤول السياسي وهو ينافق ويكذب على المواطنين بشكل تراجيدي من الكوميديا السوداء، حتى أني والكثير منّا يعتبرها لوحة شعرية خالدة تصوّر بأسلوب بلاغي، وبمشهد مسرحي هزلي، قمة النفاق السياسي ويفضح الاستبداد الشعبوي وإخفاقاته وسقوطه السياسي والأخلاقي.
إن الفارق بين النفاق السياسي والغيبوبة السياسية هو الفارق نفسه بين رياء “الرئيس المؤتمن” عند أحمد مطر، وبين الواقع المفجع الذي نعيشه اليوم. في القصيدة، يتكلّف الحاكم مشقة زيارة الأحياء المهمشة، يمارس مسرحيته الرخيصة، يبتسم للشاشات، ويتظاهر بسماع الشكوى قبل أن يبطش بالشاكي، هناك على الأقل اعتراف بوجود “مواطن” يُستغفل ويُقمع. أما اليوم، فلعل الشاعر العراقي الكبير لو كان بيننا، لأدرك أن قصيدته القديمة كانت تنتمي لزمن “الاستبداد الكلاسيكي” التقليدي.
ولو عاش مطر معنا لعدّل قصيدته أو أضاف إليها فصلا أكثر ظلاما، فصل لا يتعب فيه الرئيس نفسه حتى بتمثيل دور الحريص، بل يختفي تماما، ويصمت صمت القبور أمام فاجعة مثل فاجعة بنقردان.
لقد عايشنا الفاجعة الأليمة، تلك التي أودت بحياة 14 شابا من أبناء المدينة، وينتظر المتابع أن تستنفر الدولة مؤسساتها، أو على الأقل أن تخرج بروتوكولات العزاء التقليدية. لكن الغريب والمشين أن الرئيس المؤتمن، وجميع أعضاء حكومته، ومجلس نوابه، لم يصدر عنهم جميعا أي بلاغ أو بيان. لم يزر أي مسؤول المدينة من الأساس، ولم يكلفوا أنفسهم حتى عناء التعزية، مجرد كلمة تعزية لأهالي المتوفين تضمد جراح المكلومين.
تتجلى المفارقة التعيسة في أبهى صور السريالية السياسية حين نرى قيس سعيد يستحضر واجب العزاء فورا ويستنفر القنوات الرسمية لتعزية الجزائر الشقيقة رئاسة وشعبا في ضحايا حادث مروري أليم ـ وهو واجب إنساني لا نختلف عليه ـ لكنه عندما يتعلق الأمر ببنقردان، المدينة التونسية الصامدة التي هزمت الإرهاب وكسرت شوكته وقدمت الدماء والشهداء لحماية التخوم، يختفي الرئيس وتصمت الحكومات والبرلمانات، ويتوارى والي الجهة ومعتمدها. لا تبدو هناك إجابة مقنعة عن هذا الامتناع سوى الإفلاس السياسي والفشل الذريع، حتى في توزيع التعازي بشكل عادل على المنكوبين!
في قصيدته، أبدع أحمد مطر في وصف المسؤول وهو ينافق ويكذب بشكل تراجيدي يمتزج بالكوميديا السوداء، حتى أضحت لوحة شعرية خالدة تفضح الاستبداد الشعبوي ومسرحياته الهزلية. غير أن الواقع الحرفي أشد قسوة وأكثر صفاقة من خيال الشاعر، إذ إننا أمام سلطة رفضت حتى ممارسة “تطيير الملام” أو الدبلوماسية الأخلاقية الأدنى. هذا التغاضي المريب لا يمكن تفسيره إلا بالمعجم السياسي الأليم الذي اختزنته ذاكرتنا الوطنية إنه ما نعرفه شعبيا بـ”الحُقْرَة”.
و”الحُقْرَة” ليست مجرد مفردة عامية عابرة، بل هي مفهوم اجتماعي وسياسي شديد الانفجار. مشتقة من الاحتقار، وتعني صراحة دون مواربة، إلغاء وجود الآخر، والتعامل معه كأنه لا شيء، وتجريده من مواطنته. إنها اللحظة التي يشعر فيها المواطن أن الدولة لا تراه حتى في موته، وأن فقدان 14 شابا لا تستحق دقيقة صمت أو السطور الثلاثة التي يُصاغ بها بيان تعزية روتيني.
هذا الشعور بالذات هو القاتل والمدمّر، هو نفس الإحساس بالاحتقار والتهميش الذي سرى في عقل محمد البوعزيزي قبل أن يشعل النار في جسده، وهو الشرر الذي حرك شباب الثورة في سيدي بوزيد وتالة وقفصة والقصرين، لينتفضوا ضد نظام ظنّ واهما أن “الحُقْرَة” ستُخضع الناس وتديم سكوتهم. لقد أثبت التاريخ التونسي القريب أن الحاكم الذي يمارس الاحتقار ويستهين بكرامة الجهات وأبنائها، إنما يضع يده على صاعق التفجير ويمهد لسقوطه الأخلاقي والسياسي قبل كل شيء.
إن خطورة ما حدث مع أهالي بنقردان لا تكمن فقط في تقصير إداري أو جفاء بروتوكولي، بل تكمن في هذه الرسالة الضمنية الخطيرة التي تبعث بها السلطة، وهي أن هناك مواطنين ومدن خارج الحسابات، وأن جراح بعض المناطق لا تستحق حتى بيان أو برقية تعزية!
إذا كان أحمد مطر قد خلّد الحاكم الذي يزيف مشاعره ويعد الناس بالعدل ثم يعتقلهم، فإن تاريخ هذه السنوات سيكتب عن سلطة عجزت حتى عن التزييف، وامتنعت عن التعزية، ومارست “الحُقْرَة” في أوج الفاجعة. لكن على من هم في السلطة أن يتذكروا جيدا، أن المظلوم قد يصبر على الفقر والعوز، وقد يتحمل قسوة الظروف الاقتصادية، ولكنه أبدا لا يغفر لمن يستكثر عليه كلمة تعزية ويمتهن كرامته وهو يشيع أبناءه إلى التراب.
صوت الشعب صوت الحقيقة
