بقلم زهير الزويدي
ليست العاملة الفلاحية رقماً في إحصائيات التشغيل ولا مجرد يد عاملة موسمية تظهر في مواسم الزيتون والخضر والغلال ثم تختفي من دفاتر الدولة. إنها امرأة كادحة تحمل على كتفيها عبء أسرة كاملة وتخرج قبل طلوع الشمس بحثاً عن يوم عمل يوفر لها ولأبنائها لقمة العيش لتعود في كثير من الأحيان منهكة وقد لا تعود أصلاً.
في تونس لا تزال العاملات الفلاحيات يعشن واحدة من أكثر صور الاستغلال قسوة: أجور هزيلة لا تتناسب مع ساعات العمل ولا مع حجم الجهد المبذول وظروف عمل قاسية من حر شديد وغياب أبسط شروط الصحة والسلامة ونقل لا يحترم في كثير من الأحيان كرامة الإنسان ولا حياته. وبين هذا كله تقف الدولة متفرجة لا تتحرك إلا عندما تتحول المأساة إلى غضب شعبي فتطلق الوعود والبلاغات ثم سرعان ما يعود كل شيء إلى سابق عهده وكأن شيئاً لم يكن.
الواقع المرّ
تخرج العاملة الفلاحية إلى الحقول وهي تعرف مسبقاً أن ما ستتقاضاه في نهاية اليوم لا يساوي حجم التعب الذي ستتحمله. إنها تعمل ساعات طويلة تحت الشمس تنحني لساعات لجمع المحاصيل. تحمل وتجر وتفرز وتواصل العمل رغم الإرهاق والعطش والحرارة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: المرأة التي تساهم فعلياً في إنتاج الثروة الفلاحية وتوفر الغذاء للسوق والمستهلك وتعمل في أحد أهم القطاعات الاقتصادية لا تحصل إلا على نصيب هزيل من قيمة ما تنتجه. إنها معادلة طبقية واضحة فمن ينتج الثروة يعيش في الهامش ومن يملك الأرض أو رأس المال أو وسائل الإنتاج يحصل على الجزء الأكبر منها، وهذا هو جوهر القضية التي يجب ألا تُختزل في الحديث عن “ظروف اجتماعية” أو “مشاكل نقل”. فالمسألة في عمقها قضية استغلال طبقي وقضية حقوق عاملة يجب أن تكون لها الحماية القانونية والاجتماعية والنقابية الكاملة.
الظروف المناخية تشدد وطأة الاستغلال
في الصيف وحين تصل درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة تتحول الحقول إلى أماكن شديدة الخطورة على صحة العاملات فتحت شمس حارقة تعمل النساء لساعات طويلة في ظروف لا توفر بالضرورة الماء الكافي ولا فترات الراحة الضرورية ولا وسائل الوقاية من ضربات الشمس والإرهاق الحراري والأخطر أن الفقر يدفع العاملة إلى الاستمرار. فحين تكون أجرة اليوم مرتبطة بإطعام الأطفال وتسديد مصاريف البيت وتوفير حاجيات الأسرة يصبح التوقف عن العمل قراراً صعباً. وهكذا تتحول الحاجة إلى وسيلة ضغط على المرأة العاملة ويصبح جسدها نفسه جزءاً من أدوات الإنتاج التي تُستنزف حتى آخر رمق. خلال شهر أوت من هذه السنة فارقت العديد من العاملات الفلاحيات الحياة في ظروف مرتبطة بالعمل والتنقل والحرارة والحوادث فتحولت المأساة الفردية إلى قضية عامة ومع كل فاجعة يُطرح السؤال نفسه: كم روحاً يجب أن تُزهق حتى تتحرك الدولة بجدية؟
شاحنات الموت نقل لا يحترم الحياة
من أكثر حلقات هذه المأساة قسوة مسألة نقل العاملات فبدلاً من توفير وسائل نقل مهيأة وآمنة تحترم شروط السلامة تجد النساء أنفسهن في كثير من الحالات داخل شاحنات أو وسائل نقل غير معدة أصلاً لنقل البشر. والأخطر من ذلك أن منطق الربح قد يدفع بعض أصحاب وسائل النقل إلى البحث عن أكبر عدد ممكن من العاملات لأن زيادة عدد الركاب تعني زيادة المداخيل. وفي هذه المأساة تُروى لنا شهادات وممارسات مؤلمة عن اللجوء إلى سكب المياه داخل المجرورة حتى تظل العاملات واقفات ما يسمح بتحميل عدد أكبر منهن وهذه الممارسات لا تمثل مجرد مخالفة عابرة بل تكشف إلى أي حد يمكن أن يصل الاستهتار بحياة العاملات عندما يصبح الربح فوق الإنسان. هؤلاء النساء لسن صناديق بضائع ولسن حمولة إضافية يمكن ضغطها داخل شاحنة إنهن أمهات وبنات وزوجات وأخوات عاملات خرجن بحثاً عن قوت يومهن ويحق لهن أن يصلن إلى أماكن العمل ويعدن إلى بيوتهن سالمات.
السلطة تبرر الفاجعة
عندما يقع حادث وتفقد العاملات حياتهن غالباً ما تسارع السلطة إلى استعمال كلمة “الفاجعة” و”القضاء والقدر” و”التعزية” وتضحي أحيانا ببعض المسؤولين.
نعم، الموت قدر، لكن الإهمال ليس قدراً وغياب شروط السلامة ليس قدراً والاكتظاظ ليس قدراً والنقل غير الآمن ليس قدراً وانعدام الرقابة ليس قدراً هناك مسؤوليات يجب تحديدها وهناك قوانين يجب تطبيقها وهناك مؤسسات يفترض أن تقوم بواجبها قبل وقوع الكارثة لا بعدها.
فالوقاية من الحوادث ليست بياناً صحفياً يصدر بعد المأساة وليست حملة تفقدية موسمية وإنما سياسة دائمة لحماية اليد العاملة فالمشهد يتكرر بصورة تكاد تكون آلية وردة فعل السلطة يمكن أن تكون فصلا من مسرحية الكذب والهروب من المسؤولية فحين تقع الكارثة وتسقط الضحايا وترتفع أصوات الاحتجاج تتحرك السلطة تعقد الاجتماعات وتُطلق الوعود وربما تُعلن عن إجراءات عاجلة ثم تهدأ الاحتجاجات وبعد أسابيع أو أشهر تُدفن القضية تحت ركام الملفات الجديدة وتعود العاملات إلى الشاحنات نفسها والحقول نفسها والأجور نفسها وظروف العمل نفسها. وهكذا تتحول المأساة إلى دورة متكررة: حادث، غضب، وعود، صمت، ثم حادث جديد.
فالمطلوب ليس أن تتحرك السلطة بعد كل مأساة بل أن تمنع المأساة من الأساس.
أين السلطة من العاملات الفلاحيات؟
الأحداث والوقائع اليوم تجعلنا نقولها بوضوح تام أن السلطة شريكة أساسية بل هي المسؤولة الأولى عن الجرائم في حق المرأة العاملة فأين أجهزة تفقد الشغل؟ وأين الرقابة على الأجور وساعات العمل؟ وأين مراقبة ظروف السلامة؟ وأين الرقابة على وسائل النقل؟ وأين المسؤولية تجاه النساء اللواتي يشتغلن في مناطق ريفية بعيدة عن الخدمات الصحية والاجتماعية؟ وأين هي الحماية الاجتماعية التي تجعل العاملة قادرة على رفض وسيلة نقل خطرة أو ظروف عمل تهدد حياتها دون أن تخشى فقدان مصدر رزقها؟ فالسلطة التي تترك العاملة أمام خيارين: إما أن تقبل المخاطرة بحياتها أو تخسر قوت يومها لا يمكن أن تدّعي أنها حمت العاملات ومن خلال متابعتنا لظروف العمل المهينة وللحوادث التي أودت بحياتهن ولردة فعل السلطة نأتي على مفارقة مؤلمة في هذه البلاد.
صوت الشعب صوت الحقيقة
