بقلم زياد بن عبد الجليل
شهدت فرنسا يوم الثلاثاء 13 أكتوبر مظاهرات تلمذية عارمة شارك فيها حوالي 480 ألف متظاهر، 100 ألف منهم في باريس حسب تقدير المنظمين. أكدت هذه المظاهرات تجذر الاحتجاجات التلمذية بعد أسابيع من اندلاعها وكشفت كرة أخرى عن الطابع القمعي للسلطة. وبالنظر إلى تولدها في خضم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المشتدة، وتزامنها مع كشف حكومة ماكرون عن ميزانية تتوعد الفرنسيين بمزيد التقشف، فإنها تعد حدثا مفصليا في فرنسا.
احتجاجات عامة متواصلة ومطالب موحدة:
يصعب تدقيق تاريخ ومكان اندلاع شرارة الحركة التلمذية الحالية، لكن المتفق عليه أنّ إضراب تلاميذ معهد Saint-Exepéry في ضاحية Créteil يوم 17 سبتمبر2026، هو شرارة الاحتجاجات التي انتشرت كالنار في الهشيم في أرجاء فرنسا، والتي “باغتت” إعلام البورجوازية في فرنسا.
هي احتجاجات يخرج فيها التلاميذ دون انقطاع منذ 4 أسابيع ويعدّون لمواصلتها حتى بعد عطلة نصف الثلاثي الأول. وهي احتجاجات عامة بلغت أوجها أوخر سبتمبر بإضراب 1000 معهد من جملة حوالي 4300، وانخرطت فيها عدد من المعاهد والجهات التي لا يذكر لها احتجاج منذ أمد، كعدد من المعاهد الخاصة التي تشرف عليها الكنيسة، ومعاهد وسط باريس، ومعاهد التكوين المهني. لقد كانت للتغطية عبر وسائل التواصل الاجتماعي “الشبابية”، خاصة التيكتوك، الدور الحاسم في انتشار الحركة وتوحيد أساليبها ومضامينها. تأخذ الاحتجاجات التلمذية شكل الإضراب المفتوح مع غلق المعهد والصد عن الدروس فيه والتجمهر في ساحته أو أمامه مع خروج مسيرات تلمذية جامعة لكل معاهد المدينة أو الجهة، والدعوة لحشد المسيرات وطنيا كل يوم ثلاثاء. وتبقى الاحتجاجات دون قيادة مركزية موحدة، مع الإشارة إلى بروز قيادات تلمذية ميدانية على قدر كبير من النضج السياسي.
أجمع التلاميذ المضربون في مختلف المعاهد والجهات على مطالب رئيسة تصهر مختلف التحركات المحلية والجهوية في انتفاضة تلمذية عارمة ويمكننا تلخيصها في ما يلي:
– انتداب أساتذة لتغطية النقص الفادح في الإطار التربوي، والذي يشمل 53 بالمئة من المعاهد خلال بداية السنة الدراسية الحالية حسب تقديرات نقابة التعليم SNES-FSU. نقص عمقه ماكرون الذي حذف حوالي 10000 خطة أستاذ منذ 2017 مما خلق الاكتظاظ (ثمة أقسام تعد 37 تلميذ في الثانوي) وسبب عدم تعويض الأساتذة المتغيبين (حولي 20,2 مليون ساعة لم تنجز خلال السنة الفارطة حسب وزارة التربية)؛
– إلغاء العمل بمنصة التوجيه الجامعي التي جاءت بها حكومة ماكرون، والتي تضرب مبدأ المساواة في التوجيه وتضرب شهادة الباكالوريا شهادة وطنية تضمن الولوج إلى التعليم العالي العمومي، حيث أقصت المنصة الحالية أكثر من 100 ألف ناجح في الباكالوريا من الحصول على توجيه في مؤسسة جامعية عمومية، أغلبهم تلاميذ الأحياء الشعبية وأحياء المهاجرين؛
– تحسين الخدمات التلمذية، حيث تشهد 69 بالمئة من المؤسسات التعليمية نقصا في الإطار البيداغوجي والصحي والإداري، وإنقاذ البنية التحتية للمعاهد التي استحال ثلثها على الأقل متهالكا وغير ملائم لاستقبال العموم في أيام القرّ وفي أيام الحرّ.
انتفاضة تلمذية تؤشر على احتدام الصراع الطبقي في فرنسا:
قد لا تعد الحركة التلمذية الحالية، من زاوية انتشارها وتواصلها، سابقة في فرنسا. فتاريخ الصراع الطبقي في فرنسا يزخر بانتفاضات تلمذية وطلابية كبيرة (1968، 1976، 1986، 2005)، كان آخرها مظاهرات 2005 ضد مشروع “إصلاح” البكالوريا الذي أرغم رئيس الحكومة Fillon على سحبه بعد ضغط المظاهرات التلمذية. لكن تتميز الانتفاضة الجارية عن سابقاتها بنوعية مطالبها. فهي لم تندلع ضد مشروع قانون قيد النقاش، وبالتالي يمكن أن تخمد بمجرد سحبه، بل انفجرت احتجاجا على نتائج سياسة تربوية طبقتها حكومات ماكرون كجزء من سياستها اليمينية المعادية للطبقة العاملة والطبقات الشعبية والمهاجرين. إن مطالبة التلاميذ بتعزيز الإطار التربوي وبصيانة المعاهد وبإصلاح منصة التوجيه الجامعي تتطابق مع مطالب نقابات التعليم والتي أضربت ولا تزال من أجل سحب كل القوانين التي تخرب التعليم في فرنسا.
إن انتفاضة التلاميذ اليوم، من زاوية طبقية، هي انتفاضة أبناء الطبقة العاملة والطبقات الشعبية – وحتى أبناء شرائح من البورجوازية الصغيرة – ضد نتائج سياسات ماكرون الطبقية المعادية للعمال ولعموم الطبقات الشعبية والتي كانت وطأتها أشدّ على اكثر الشرائح هشاشة: الشباب والمرأة والمهاجرون؛ مما يفسر اندلاعها وقوتها في معاهد الأحياء الشعبية. لقد نجحت الحركة في حشد تضامن نقابات التربية ونقابات قطاعات أخرى، وانخراط نقابات الطلبة فيها والتي تخوض نضالا ضد غلاء معاليم الترسيم الجامعي. وهي إضرابات تندلع في سياق أزمة اقتصادية والاجتماعية مطبقة ومتصاعدة في فرنسا، تعاني فيها الطبقات الشعبية من غلاء الأسعار (خاصة المحروقات) وتدهور الخدمات العمومية وتصاعد العنف والعنصرية. لكل ذلك يمكن أن نزعم أن لهذه الانتفاضة صبغة سياسية وطبقية، رغم عفوية الحركة و غياب الشعارات السياسية الواضحة. لقد صاغ التلاميذ مطالب لا سبيل لتحقيقها إلا عبر التراجع عن برنامج البورجوازية: التراجع عن التقشف في ميزانية الخدمات العمومية والتراجع عن تمويل الحرب، وإلغاء (أو تجميد) المديونية وانتهاج سياسة إنقاذ وتحسين الخدمات العمومية.
لكن لا بوادر في الأفق للتراجع عن سياسة السحق الطبقي، خاصة مع طرح الحكومة بداية أكتوبر مشروع ميزانية 2027 التي تنهب 54 مليار يورو من ميزانية مختلف الخدمات العمومية (منها إلغاء حوالي 4000 خطة أستاذ)، ستنفقها الحكومة في التسلح ودفع ديون فرنسا المتراكمة لدى البنوك المقرضة، بعد أن نهبت 60 مليارا السنة الفارطة.
قمع طبقي سافر
وثّق التلاميذ مظاهراتهم عبر منصات “التواصل الاجتماعي” بتسجيلات تعد قرائن لإثبات صلف الشرطة وارتكابها جرائم ضد المضربين. بلغ آخر عدد محين للتلاميذ المصابين في المظاهرات حوالي 215، ومن الجرائم الموثقة إطلاق عبوة نارية على تلميذ عمره 14 سنة في ضاحية Saint-Ouen الباريسية من مسافة متر ونصف تسببت في كسر فكيه، وفي مدينة Tours في وسط فرنسا فقد تلميذ الـ 16 سنة عينه بمقذوف ناري أطلقته الشرطة، وفي ضاحية Sevran الباريسية انهالت فرقة من الشرطة الخيالة بالضرب على المتظاهرين، وفي مدينة Troyes في وسط فرنسا اندفعت سيارة شرطة نحو صفوف التلاميذ لتفريقهم وأطلقت وسطهم عبوات الغاز المسيل للدموع، وفي Dunkerque في شمال فرنسا فقد تلميذ الـ 15 سنة ذراعه بانفجار عبوة أطلقتها الشرطة، كما يظهر تسجيل متداول شرطيا بزي مدني يتحرش بتلميذة خلال إيقافها. إضافة إلى كل ذلك التجأت الشرطة بشكل واسع إلى الاحتفاظ دون إذن قضائي بأكثر من 6800 تلميذ منذ بداية الاحتجاجات، أطلق القضاء سراحهم.
لم تبد الحكومة ولا الرئيس أي حرج من القمع البوليسي، بل نفى رئيس الحكومة كل عنف ممنهج واكتفى بالتعهد بفتح تحقيقات داخلية حول شبهات الاستخدام المفرط للقوة، لم يتجاوز عددها 24 تحقيقا. أما وزير الداخلية فاعتبر الاحتجاجات شغبا وصرح، مطمئنا أحزاب اليمين واليمين المتطرف التي تتهم حكومته بالتساهل مع المحتجين وتعريض الشرطة للخطر، بأنه لم يعط توصيات “بضبط النفس” والتساهل مع ما اعتبره شغبا، ورفض الاعتذار عن التعنيف وما خلفه من جرحى. إن السلطة تعي البعد الطبقي لانتفاضة التلاميذ وهي تعي أن أدنى استجابة لمطالبهم سيفتح شهية الطبقة العاملة والطبقات الشعبية للاحتجاج والمطالبة بتحسين ظروفها. لذلك تلتجئ أكثر من أي وقت مضى إلى محاربة كل بؤر المقاومة والاحتجاج.
أفق الحركة التلمذية والشعبية اليوم في فرنسا، ما أكبر الفكرة ما أصغر الدولة
لا يمكن الجزم بآفاق تطور الانتفاضة التلمذية، خاصة مع دنو العطلة نصف الثلاثي، لكن الأكيد أنها نجحت في صياغة مطالب يشترط في تحقيقها القطع مع السياسات المنحازة للبورجوازية والمنخرطة في الحرب.
إن التحاق قطاعات نقابية وطلابية بالحركة التلمذية، والدعوات إلى مظاهرات عارمة يوم 17 أكتوبر ضد الغلاء، ودعوة النقابات إلى إضراب عام يوم 5 نوفمبر، معطوفا على تواصل النهج القمعي للحكم وفرض ميزانية السلخ الطبقي، لن يؤدي إلا إلى توسع الحركة الشعبية وتطورها كما ونوعا؛ قد تشهد فرنسا سلسلة من الإضرابات العمالية والشعبية التي قد تعدل من ميزان القوى الطبقي ويفتح إمكانيات كبيرة لتطور الأوضاع.
لكن أكثر ما تخشاه الحركة الشعبية المرتقبة هذا الخريف هو تزامنها مع الحملة الانتخابية لخلافة ماكرون في ربيع 2027، لقد وضعت كل أحزاب اليسار الجماهيرية (فرنسا الأبية والشيوعيون والاشتراكيون) بيضها فيها، وإن فرنسا الأبية – التي يروج إعلام البورجوازية أنها “أقصى اليسار” – لا تطرح مسألة حسم السلطة إلا عبر الانتخابات، لذلك فإنها كبقية أحزاب اليسار الفرنسي، لا تسلح الحركة التلمذية اليوم، ولن تسلح أي نهوض شعبي مرتقب، إلا بورقة انتخابات الربيع المقبل، وياله من أفق ضيق.
صوت الشعب صوت الحقيقة
