بقلم منور السعيدي
إنّ قراءة واقع الحقوق والحريات في بلادنا اليوم يقودنا حتما إلى استحضار مكتسبات ثورة 14 جانفي 2011 الديمقراطية، وعلى رأسها حرية التعبير والتنظيم والتظاهر والمشاركة في الحياة العامة وما تعنيه من حق الترشح والانتخاب لنعاين ما حصل لهذه المكاسب بعد انقلاب 25 جويلية 2021، وما أفرزه من تغييرات في العلاقة بين السلطة من جهة والمجتمع بمختلف قواه السياسية والمدنية والنقابية. وفي هذا السياق فإنّ التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية ومنها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعيّة، ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس واتش والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان وغيرها من المنظمات والجمعيات، تقدّم إلينا لوحة متعددة الأبعاد عن هذه الأوضاع. إنّ هذه التقارير ليست مجرّد جرد للانتهاكات، بل هي أداة تمكّنا من تفكيك الواقع السياسي والاجتماعي البائس الذي فرضته سلطة الانقلاب على شعبنا ومجتمعنا.
أظهرت جل التقارير الوطنية والدوليّة تصاعد وتيرة خنق حرية التعبير والإعلام والتضييق على العمل السياسي والنقابي والجمعوي وتدجين القضاء وتوظيفه لتصفية الخصوم السياسيين والتلاعب بأبسط شروط المحاكمة العادلة وهو ما أدّى إلى نصب عديد المحاكمات الجائرة التي شملت معارضين سياسيين ونشطاء جمعويين وصحفيّين وحقوقيين ومدافعين عن البيئة ومواطنين عاديين من رواد الشبكة الاجتماعية. وقد استعمل سعيّد في هذه المحاكمات ترسانة القوانين القمعية التي ورثها من سابقيه منذ العهد البورقيبي وأضاف إليها مراسيم جديدة منها خاصة المرسوم 54 سيّئ الصيت. وقد أكّدت كل التقارير أنّ هدف سعيّد من هذا التوجه القمعي السافر هو تجريم التعبير السلمي والنقد الموجّه إلى السلطة. دون الفصل بين ممارسة الحقوق الأساسية وبين الأفعال التي تندرج فعلا في خانة الجرائم التي يعاقب عليها القانون في إطار محاكمات لا تتوفّر فيها شروط المحاكمة العادلة..
وفي هذا الإطار، يمثل التقرير السنوي للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لسنة 2025 مصدرا يعتمد عليه، لما تقوم به الرابطة من متابعة دقيقة ويومية لأوضاع الحقوق والحريات في تونس والعمل على حمايتها. وتكمن أهمية هذا الدور في الجمع بين المتابعة الميدانية والخبرة الحقوقية، بما يساعد على فهم أثر السياسات والممارسات على المواطنين. وتؤكد هذه المتابعة التي تكشف باستمرار عن شتى الانتهاكات التي يرتكبها نظام قيس سعيّد، أنّ ضمان الحقوق لا يتحقق بمجرد وجود نصوص قانونية، بل يتطلب مؤسسات مستقلة تراقب وتنبّه، وقضاء مستقلّ قادرً على حماية الأفراد من الظلم والحيف، وعلى ضمان حرية التعبير والتنظيم والمشاركة في الشأن العام.
أما نقابة الصحفيّين فإنها تقوم بدور مهمّ وأساسي، باعتبار الصحافة الحرّة سلطة رقابية دورها تقديم المعطيات وتحليلها ونقد الانتهاكات والتجاوزات ومساعدة المواطنين على الاطلاع على ما يجري وفهمه مما يسهل عليهم بلورة موقف منه وبالتالي المساهمة في الشأن العام. وقد كشفت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، في تقريرها حول واقع الحريات الصحفية للفترة الممتدة من أفريل 2025 إلى أفريل 2026، عن حوالي 154حالة اعتداء على الصحفيين والصحفيات علاوة على المحاكمات التي طالت بعضهم وآخرهم الصحفي محمد اليوسفي. وتكشف هذه المؤشرات أن حرية التعبير والإعلام في تونس منتهكة بشكل ممنهج خاصة بعد أن وضعت سلطة الانقلاب يدها على كل من الإعلام العمومي والخاص وجرّدت الصحافيّين من إمكانية العمل بحرية واستقلاليّة ومن الحقّ في النفاذ إلى المعلومة وهو ما لا يمكن تحقيقه اليوم دون كنس كل التشريعات والإجراءات التي يعتمدها قيس سعيّد في تكميم الأفواه.
إن نظام قيس سعيّد لا ينتهك الحقوق السياسية للشعب التونسي فحسب وإنّما أيضا الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا الإطار، توفر تقارير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وخاصة المرصد الاجتماعي التونسي، معطيات حول الاحتجاجات المرتبطة بالتشغيل والأجور والقدرة الشرائية والخدمات العمومية والحقوق البيئيّة والمدنية والسياسية وهي احتجاجات تعبّر عن مدى انتهاك تلك الحقوق. فقد سجل المرصد 1493 تحركًا احتجاجيًا خلال الثلاثي الأخير من سنة 2025، مقابل 826 تحركًا خلال الفترة نفسها من سنة 2024 أي بزيادة تقارب 81 بالمائة. كما رصد تحركات مرتبطة بمطالب مدنية وسياسية وحقوقية، وأخرى مهنية وشغلية تناولت التشغيل وتسوية الوضعيات المهنية وتحسين ظروف العمل وصرف المستحقات وتنفيذ الاتفاقات وتحسين الأوضاع البيئيّة (قابس). ولئن أكدت هذه المعطيات شيئا فهو بلا شكّ أن الحق في الشغل والصحة والتعليم والسكن والحماية الاجتماعية والبيئة السليمة جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق المواطنة وأن العلاقة متينة بين الجانب السياسي منها والجانب الاقتصاد والاجتماعي والبيئي وأن من ينتهك الأولى فهو ينتهك الثانية والعكس بالعكس فدور القمع السياسي هو تكميم الأفواه وشل الحركة كي لا ينفضح الاستغلال وتتم مواجهته. ومن هذا المنطلق فإن الحقوق السياسية والمدنية لا تعوّض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كما لا يمكن الحديث عن تأجيل الحريات باسم الأولويات الاقتصادية. إذ لا تكتمل المواطنة الفعلية دون شروط تحفظ كرامة الإنسان، ولا تتحقق العدالة الاجتماعية بصورة فعلية في غياب حرية التنظيم والتعبير والاحتجاج والمحاسبة والمراقبة.
ولا يمكن الحديث عن الحقوق والحريات في تونس دون ربطها بأوضاع المهاجرين الجنوب صحراويين في بلادنا الذين يتعرضون منذ سنوات بإشارة واضحة من قيس سعيّد (خطاب فيفري 2023) لحملات عنصريّة مقيتة تكشف عن بشاعة الشعبوية الفاشية وتؤكّد أنّ الدفاع عن حقوق الإنسان لا يمكن أن يكون انتقائيًا، بل يجب أن يقوم على احترام الكرامة الإنسانية والمساواة أمام القانون، بعيدًا عن التمييز على أساس الجنس أو اللون أو الدين أو الانتماء السياسي.
إنّ حماية السيادة الوطنية واحترام الالتزامات الحقوقية الدولية يلتقيان، في النهاية، عند هدف مشترك يتمثل في بناء دولة مستقلة وقوية بقانونها ومؤسساتها، لا بقدرتها على تقييد الحريات. فالدولة التي تحمي حقوق مواطنيها، وتضمن استقلال القضاء، وتتيح المجال للصحافة والمجتمع المدني، وتستجيب للمطالب الاجتماعية بالحوار والمساءلة، تعزز ثقة المواطنين في مؤسساتهم وتدعم قدرتهم على المشاركة في تقرير مستقبلهم.
وعليه، فإنّ الرهان المطروح أمام تونس لا يتمثل في الاختيار بين السيادة الوطنية وحقوق الإنسان، بل في بناء علاقة متوازنة ومتكاملة بينهما، قوامها استقلال القرار الوطني، واحترام القانون والمواثيق الدولية وحماية الحريات العامة والفردية، وتحقيق العدالة الاجتماعية. فاحترام حقوق الإنسان ليس تنازلًا عن السيادة، كما أنّ التمسك بالسيادة لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتقييد الحريات. إنّ السيادة الحقيقية تتجسد في قدرة الشعب على تقرير مصيره بحرية، وفي تمتّع كل مواطن بحقوقه وكرامته، وفي خضوع السلطة للمساءلة، وفي قيام دولة القانون الديمقراطيّة التي تحمي الجميع دون تمييز وهو ما لا يمكن تحقيقه في بلادنا دون وضع حدّ لنظام الاستبداد والتخلص من قاعدته الطبقية التي تؤبّده.
المراجع الأساسية:
الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان: التقرير السنوي لسنة 2025.
المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: تقرير المرصد الاجتماعي التونسي للثلاثي الرابع لسنة 2025.
النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين: التقرير السنوي لواقع الحريات الصحفية 2026 منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، وفريدوم هاوس، التقارير المتعلقة بتونس.
صوت الشعب صوت الحقيقة
