الرئيسية / عربي / نصف قرن على يوم الأرض
نصف قرن على يوم الأرض

نصف قرن على يوم الأرض

بقلم فرات السلامي

نحيي هذه الأيام ذكرى يوم الأرض بعد نصف قرن من أحداث يوم 30 مارس 1976. ذكرى يحييها الفلسطينيون ومناصرو الحق الفلسطيني في كل أنحاء العالم، تخليدا لنضالات الشعب الفلسطيني الباسل وتصديه لاغتصاب أرضه من قبل المستعمر الصهيوني. ورغم أن مواجهة الرصاص الحي بصدور عارية قد دخل ضمن “الروتين” اليومي العادي فلسطينيا، فإن يوم الأرض لم يكن حدثا عاديا، بل مثل انعطافة تاريخية في مسيرة نضال الشعب الفلسطيني من أجل التحرر الوطني.

ما هو يوم الأرض؟

تعود ذكرى يوم الأرض إلى أحداث 30 مارس 1976، الذي أعلنته لجان الدفاع عن الأراضي موعدا للإضراب العام في الجليل والمثلث والنقب ويوما للأرض، احتجاجا على خطط الاحتلال لمصادرة ما يتجاوز ألفي هكتار من أراضي فلسطينيي الداخل وتهويدها وتحويلها إلى مستوطنات. وقّع هذا القرار 48 من رؤساء البلديات والمجالس المحلية ومسؤولي لجان الدفاع عن الأراضي بمساهمة من الشيوعيين ودعمهم.

كانت الخطط الصهيونية ترمي إلى تغيير التركيبة السكانية للجليل والنقب وذلك بتوسيع نطاق الاستيطان الصهيوني من جانب وتهجير الفلسطينيين من جانب آخر. ولقد فرضت الحكومة الصهيونية قيودا على المصانع بأن لا تتجاوز نسبة العمال الفلسطينيين فيها 20% من إجمالي عمالها، مما يعكس خشية الحكومة من الدور المهم الذي يمكن أن يلعبه العمال، انطلاقا من دورهم المهم في الاقتصاد كقوة منتجة، في النضال الفعال ضد الصهيونية. ولتحييد العنصر الطلابي، الذي لطالما كان قوة إسناد مهمة للحركات البروليتارية وحركات التحرر الوطني كما أثبتت ذلك العديد من التجارب، عمدت الحكومة إلى توجيه الطلبة الفلسطينيين إلى الشعب العلمية حتى لا يكتسبوا وعيا بقضايا التحرر الوطني والثورة التي تهدد الكيان الغاصب.

ورغم الاحتياطات التي اتخذتها الحكومة الصهيونية بفرض حظر التجول ومنع الاحتجاجات وتهديد الفلسطينيين باستعمال الرصاص الحي، لم تمر هذه الخطط دون هبّة فلسطينية تعلن رفض التخلي عن شبر واحد من الأرض. ارتقى أول شهيد لهذه الحركة يوم 29 مارس 1976 أثناء صدامات عنيفة بين الجماهير الفلسطينية المحتجة والقوات الصهيونية المدججة بالسلاح، مما أدى إلى اتساع رقعة الاحتجاجات يوم 30 مارس. لم تتوانى القوات الصهيونية عن مواجهة المظاهرات بكل وحشية، مستعملة الرصاص الحي، مخلفة ستة شهداء، الأول يوم 29 مارس و5 شهداء يوم 30 مارس إلى جانب حملة اعتقالات شملت 300 فلسطيني.

عبثا حاول الأبارتايد الصهيوني إجهاض هذا الحراك الوطني الذي ينبع من وعي دفين بأن الخوف والخضوع سيدفع المحتل إلى مزيد التوسع والبطش وأن الأرض لا تستعاد من براثنه إلا بالنضال والتضحية. لقد عبرت حركة 30 مارس 1976 عن استيعاب دروس الماضي، فالشعب الفلسطيني لا يمكنه أن يعوّل، في النضال ضد المستعمر، إلا على نفسه وأن مسار التحرير يبدأ من الداخل لا من الخارج. هذا ما تأكد على إثر الخيانات العربية في “حرب فلسطين” التي أعلنت يوم 15 ماي 1948 وهزائم 1967.

الصهيونية صناعة إمبريالية

مثلت الخطط الصهيونية حلقة من سلسلة طويلة من سياسة التوطين، التي بدأ النقاش حولها في بريطانيا منذ منتصف القرن 19 قبل حتى مؤتمر الصهيونية الذي انعقد في بازل سنة 1897 بقيادة ثيودور هرتزل. احتضنت بريطانيا أولى المبادرات الصهيونية وكان مكتب لندن أكثر المكاتب نشاطا للحركة الصهيونية. تدل الكتابات التاريخية التي وثقت مداخلات نواب البرلمان والوزراء في الفترة المذكورة، أن مساعي بريطانيا لتوطين اليهود في فلسطين لم تكن ذات خلفية دينية أو من باب الشفقة، بل كانت أولا بغاية منع البلدان العربية من تحقيق وحدتها التي رأت فيها عائقا ضد المصالح البريطانية وثانيا إلى تأمين طريق التجارة إلى الهند عبر إخضاع فلسطين التي تقع على مقربة من قناة السويس تحت سيطرة كيان استعماري يخدم مصالحها ومصالح الاحتكارات العالمية الكبرى. في هذا الإطار تحصل روتشيلد، عراب هذا المشروع الاستيطاني، على ما أصبح يعرف بـ”وعد بلفور” و ذلك يوم 2 فيفري 1917. وهي رسالة تعهد فيها وزير الخارجية البريطاني بإقامة “وطن قومي لليهود” في فلسطين. وقد استصدر هذا الوعد في سياق عنوانه الرئيسي اقتسام البلدان العربية بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية وتراجعها بموجب الاتفاقية السرية “سايكس-بيكو” التي فضحها البلاشفة إثر ثورة أكتوبر. فبموجب هذه الاتفاقية تعود إدارة فلسطين إلى بريطانيا التي لم تتأخر في بدء حملات التوطين فيها. وعندما أصبح الصهاينة يمثلون نسبة مهمة من عدد السكان في فسلطين، انطلقت أولى الاعتداءات الوحشية التي قامت بها العصابات الصهيونية برعاية وتسليح من بريطانيا الاستعمارية.

في الأثناء وظفت الصهيونية الإعلام وتحالفاتها السياسية مع فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية التي ستتحول لاحقا إلى الراعي الرئيسي للصهيونية من أجل استعطاف الرأي العام العالمي باستعمال “الهولوكوست” و”معاداة السامية” من أجل تشريع الاستيلاء على فلسطين وإنشاء “وطن قومي لليهود”. وبحلول 1947 أصدرت جمعية الأمم المتحدة القرار عدد 181 ليوم 29 نوفمبر 1947 القاضي بتقسيم فلسطين بين عرب ويهود ووضع القدس تحت إشرافها.

الصراع من أجل الأرض لايزال مستمرا

إن هذه الحركة وعلى أهميتها لم تحسم صراع الأرض، فالجشع الصهيوني المدعوم من قبل الإمبريالية الأمريكية لم يكتف بالأراضي التي افتكها باستعمال ميليشياته الإجرامية المسلحة ومنحته الأمم المتحدة “شرعية” السيطرة عليها، فضم إليها الضفة الغربية وبسط سيطرته عليها إبان حرب 1967 رغم أنها كانت تحت إدارة الأردن، ومضى في سعيه نحو الاستيلاء على كل أرض فلسطين وتهجير شعبها منها.

ولقد تبين ذلك في أكثر من مناسبة ومن خلال حروبه الكثيرة على الشعب الفلسطيني لعل آخرها حرب الإبادة التي شنتها قوات الاحتلال على قطاع غزة ومخطط إعادة احتلالها وتحويلها إلى مستعمرة أمريكية وصهيونية في الآن ذاته. إن برنامج “مجلس السلام الدولي” الذي يرأسه المجرم ترامب هو الغطاء القانوني والسياسي لعملية احتلال قطاع غزة وتحويله إلى “ضيعة” أو كما أسماها “ريفيرا” تحتضن مشاريع ترامب السياحية والعقارية.

ولا يقتصر الجشع الصهيوني على الاستيلاء على أرض فلسطين التاريخية فقط، بل يسعى إلى تحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي يمتد من النيل إلى الفرات. مما يعني الاستيلاء على لبنان والعراق والأردن وأجزاء من سوريا ومصر والسعودية. وليس هذا المشروع مجرد فكرة يتبناها أكثر التيارات الصهيونية تطرفا، بل أصبح حقيقة بجري العمل على تنفيذه على أرض الواقع كما تشهد على ذلك التطورات الأخيرة في المنطقة. فالتوغل في جنوب لبنان والاستيلاء على هضبة الجولان ومناطق أخرى استراتيجية في سوريا والحديث عن صحراء سيناء، يمثل خطوات أولية في هذا الاتجاه.

يحظى هذا المشروع بدعم كبير من الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تتوانى عن تسليح الكيان الصهيوني بالذخيرة والتجهيزات وشتى أنواع الأسلحة وأكثرها فتكا وتقدما من الناحية التكنولوجية التي تغدق عليها إدارة المجرم ترامب مليارات الدولارات تتأتى مما يتكبده الشعب الأمريكي من الضرائب كان من الأجدر أن ينفق لتوفير ما يحتاجه من خدمات صحية واجتماعية.

وعبر مشروع “إسرائيل الكبرى” تراهن الولايات المتحدة الأمريكية على تشتيت شعوب المنطقة وتفتيت بلدانهم إلى كيانات صغيرة لا تشكل خطرا محتملا على الكيان الصهيوني، بالإضافة إلى تشديد نهب ثرواتها الطبيعية تسعى الامبريالية الأمريكية إلى استغلال المنطقة العربية التي تعد نصف مليار ساكن تقريبا إلى مجرد سوق للمنتوجات الأمريكية وخردة أسلحتها.

ولا شك أن هذا الرهان يندرج في إطار محاولة الولايات المتحدة الأمريكية الحفاظ على موقعها في العالم كقوة مسيطرة، الذي أصبح مهددا اليوم بتقدم الصين كقوة اقتصادية وتجارية بل وحتى تكنولوجية، نجحت إلى حد الآن في اقتطاع نصيب لها من السوق العالمية و التقرب من عديد البلدان و كسب تحالفات مهمة.

إن المشروع الصهيوني لا يتوقف اليوم عند حدود فلسطين، بل تمتد أطماعها إلى كامل المنطقة وهو بالتالي ينضّج شروط وحدة حركة تحرر لا فقط الشعب الفلسطيني بل كامل شعوب المنطقة التي يرتبط تقدمها وتطورها على جميع الأصعدة باقتلاع هذا السرطان الذي زرعته الامبريالية العالمية في قلب الوطن العربي.

وبهذا المعنى تحتل حركة التحرر الوطني الفلسطيني موقع الريادة في حركة التحرر العربية من ربقة الامبريالية وبهذا المعنى أيضا تمثل القضية الفلسطينية القضية المركزية لشعوب المنطقة. فهي مسألة رئيسية لدى القوى الثورية المطروح عليها كسر الهيمنة الإمبريالية على بلدانها وشعوبها، مما يطرح عليها موضوعيا ضرورة تشكيل جبهة معادية للإمبريالية والصهيونية، تضع نصب أعينها تحرير شعوب الجنوب التي تعاني من الاستغلال الإمبريالي وسياساته المدمّرة.

إلى الأعلى
×